رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أوهام الفراغ السياسي

مصطفى عبدالرازق

السبت, 05 فبراير 2011 13:29
كتب : مصطفى عبد الرازق


ضمن عملية خلط الأوراق الجارية الآن في المشهد  السياسي المصري..  الحديث عن أن رحيل مبارك عن الحكم سيؤدي إلى حالة فراغ سياسي ينتهي بفوضى تعم البلاد. لقد راح الرئيس نفسه وعدد من أركان الحكم في مصر يرددون هذه المقولة، الأمر الذي يتطلب التناول النقدي لها بشكل يكشف عدم صحتها بل وزيفها!

فمن ناحية فإننا لو افترضنا صحة تلك المقولة فإنها تمثل إدانة للرئيس ونظامه، ذلك أنه ليس من المقبول بعد 30 سنة في الحكم أن ينتهي الأمر بحكم الرئيس مبارك إلى نظام غير مؤسسي قائم على شخص واحد هو القائم على سدة الرئاسة. فمن المفترض أن يكون الرئيس المصري قد أرسى دعائم دولة مؤسسات بشكل يوفر أسساً سلسة لانتقال السلطة سلميا سواء بوفاته أو لعجزه أو لعدم صلاحيته للبقاء في منصبه لأي سبب من الاسباب السياسية. ويعزز هذا الافتراض أن حكم مبارك جاء في ظروف شبه طبيعية رغم أن ذلك تم في أعقاب محاولة اغتيال السادات، حيث لم يأت مبارك على خلفية بناء دولة جديدة كما حدث في تجارب العديد من الدول العربية في مرحلة ما بعد الإستقلال، على شاكلة تجربة عبد الناصر مثلا. وحتى لو كان الأمر كذلك فإن فترة ثلاثين عاما تعتبر كافية لبناء دول وليس دولة واحدة.

من ناحية ثانية فإنه مما يشير إلى أن الحديث عن  الفراغ السياسي الذي يمثله رحيل مبارك عن الحكم لا يعكس سوى أوهام أن ترديد

هذا الكلام يتغافل عن أن الرئيس مبارك بشر مثل كل البشر وأن رحيله بالوفاة كان أمرا واردا في أي مرحلة من مراحل حكمه وهو ما يعني أن مثل هذا الرحيل كان يمكن أن يؤدي إلى فراغ سياسي. السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو : كيف سكتت الدولة بكل أركانها وعناصرها على مثل هذا الإحتمال على مدار تلك الفترة من عمر مبارك؟ ولعله مما يزيد الأمر سوءا هو أنه مع وجود مثل ذلك الإحتمال فإن الرئيس لم يكلف نفسه أن يواجه حالة الفراغ السياسي المحتملة نتيجة غيابه الوارد لأي من الأسباب بتعيين نائب له واصر على عدم تعيين مثل ذلك النائب إلى أن أجبرته الظروف على مثل ذلك القرار، فقرار تعيين عمر سليمان أمر لم يجد مبارك مفرا منه وأتخذه مكرها عليه إزاء تردي الوضع الذي وصل إليه موقفه مع تزايد المطالبات برحيله الأمر الذي ألقى بتأثيره على تداعي أركان سلطته.

على خلفية هذه الدعاوي وفي محاولة لنشر هذا الفهم والترويج له توجه الرئيس مبارك إلى وسيلة إعلام أمريكية كورقة أخيرة من أوراقه للتمسك بمنصبه فراح يعلن أنه يرغب في ترك الحكم غير أنه يخشى من الفوضى التي يمكن أن تعم مصر حال غيابه. وقد

كان من المفارقات المثيرة للسخرية أن حديث مبارك يأتي فيما تعم الفوضى مصر كلها بسبب وجوده وليس غيابه. وقد كان من بين النتائج بالغة الدلالة التي ذهب إليها العديد من المراقبين التساؤل حول لغز الفوضى التي حلت بمصر إثر جمعة الغضب، والتي ذهبوا في محاولة فهمها إلى أنها رسالة للمصريين بتخييرهم بين مبارك أو الفوضى!

من ناحية ثالثة فإن الحديث حول الفراغ السياسي ينال من أركان النظام الحالي والذين كانوا عونا لمبارك على مدى سنى حكمه، فأليس بينهم رجل رشيد يملك أن يأخذ بزمام الأمور على أسس من التوافق الشعبي ويقود البلاد إلى بر الأمان.. الإجابة أن هناك كثيرين قد تتجاوز قدراتهم ما كان يملكه مبارك

من ناحية رابعة فإن دعاوى الفوضى توحي وكأن الرئيس مبارك كان ذي زعامة كاريزمية استحوذت على ألباب المصريين، فيما أن المظاهرات التي تطالب برحيله عارمة وندر أن تخرج مثيلتها وبهذا العدد في التاريخ المصري الحديث. وقد لا نتجاوز إذا قلنا إننا لم نشهد مثيلا لها في دول أخرى، ما يشير إلى مدى الرفض الذي يحظى به الرجل.

تذكرني هذه الدعاوى التي تعكس محاولة مستميتة لاختزال الحكم في شخص الحاكم، وهو أمر بالغ السلبية في أي الأحوال، بمقولة قرأتها للدكتور أحمد سويلم العمري في كتاب له حول "أصول النظم السياسة" ومفادها أن البعض قد يرى في فقدان الحاكم خسارة للإنسانية مضيفا" ولكن السياسة شديدة القسوة على أبنائها فلا يوجد من لا يمكن الإستغناء عنه على ظهر البسيطة". وهو الفهم الذي يجد ترجمته على مستوى تراثنا الديني في مقولة أبو بكر الصديق بعد وفاة الرسول " من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت". فبمبارك أو بدونه ستحيا مصر، إن لم يكن على العكس، قد تحيا بعد طول موات.