"شرق أوسط جديد" .. صناعة عربية

مصطفى عبدالرازق

الخميس, 27 يناير 2011 13:51
بقلم: مصطفى عبد الرازق

يواجه الشرق الأوسط في الوقت الحالي وضعا صعبا إزاء حالة الغليان التي امتدت بين عدد من دوله ما بين تونس والجزائر في الغرب مرورا بمصر في القلب ولبنان في الشرق، على نحو قد تشهد معه المنطقة شرق أوسط جديداً ولكن تصنعه الشعوب العربية هذه المرة . فقد تحول يوم الغضب المصري الذي دعت إليه مجموعة من الشباب على موقع الفيس للتظاهر في مصر إلى انتفاضة عارمة تنذر بتحولات جذرية على صعيد الأوضاع في مصر. وإذا وضعنا في الاعتبار تزامن هذا التحول مع ثورة تونس التي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، والمظاهرات التي تجتاح الجزائر حاليا يمكن لنا توقع أن تشهد المنطقة حالة من التحولات الحادة التي قد تشهد معها تغييرا في ملامح الأنظمة الحاكمة في عدد من الدول الرئيسية.

ففي مصر خرج آلاف المتظاهرين في أنحاء مختلفة من البلاد أمس الأول في مظاهرات غضب كان من المقرر لها ذلك اليوم فقط غير أنها اتسعت على نحو قد تتحول معه الى حالة مزمنة إلى أن تتحقق المطالب التي خرجت من أجلها المظاهرات. ورغم حرص الأمن على عدم الاشتباك مع المتظاهرين في البداية إلا أنه وقعت بعض المصادمات ما أدى إلى اتساع نطاق الاحتجاجت بشكل قد يجعلها بداية لحالة من عدم الاستقرار ما يهدد بدخول البلاد في "النفق التونسي"!

رغم أن منطقة وسط القاهرة شهدت أكبر تجمع للمتظاهرين وبشكل خاص ميدان التحرير ودار

القضاء العالي وشارع مجلس الشعب، إلا أن نطاق الاحتجاجات اتسع ليشمل مناطق عديدة أخرى في القاهرة منها شارع جامعة الدول العربية وميدان العتبة ومنطقة شبرا فضلا عن الكثير من المناطق الأخرى التي شهدت تظاهرات ضمت أعدادا أقل. وفي لحظة كتابة هذه السطور تشمل المظاهرات مختلف أنحاء البلاد الأمر الذي يمكن توصيفه بانتفاضة شاملة قد ترتقى إلى توصيف الثورة.

ويأمل المشاركون في المظاهرات تحقيق هدف تغيير النظام المصري على غرار ما جرى في تونس الأسبوع قبل الماضي في ضوء الظروف المعيشية السيئة التي يحياها القطاع الأكبر من المصريين، فضلا عن الاتهامات بالفساد التي توجه لعدد من أركان النظام. ومع تواصل المظاهرات اشارت الأنباء إلى القبض على عدد من المشاركين فيها وقد تباينت التقديرات بشأن أعداد المقبوض عليهم وإن تركزت حول 600 شخص حتى الآن.

وفي لبنان تشهد البلاد هناك تحولا ولكن من نوع آخر على خلفية انسحاب حزب الله من الحكومة ما أدى إلى سقوطها وتكليف نجيب ميقاتي بتشكيل الحكومة بدلا من الحريري. ويكتسب هذا التحول أهميته من الزاوية التي نشير اليها في أنه يأتي على غير رغبة المشاريع الدولية وبالذات الأمريكية للإبقاء على حكومات موالية لها. ورغم أن مشهد المظاهرات كان يسير

في اتجاه معاكس في الحالة اللبنانية لجهة تكريس الوضع القائم، حيث خرجت مظاهرات احتجاج من قبل مناصري تيار المستقبل الذي يتزعمه سعد الحريري رئيس وزراء حكومة تصريف الأعمال للضغط على ميقاتي للاعتذار، إلا أنه تم احتواء هذه المظاهرات بفعل الحالة التي اتجهت اليها الأزمة هناك بفعل دوران عجلة تشكيل الحكومة هناك وحصول ميقاتي على الأغلبية النيابية، الأمر الذي دعا الحريري ذاته في كلمة له إلى التراجع عن الاتحتجاجات وإدانة عمليات التخريب التي صاحبتها.

وفي تونس التي مثلت مصدر الإلهام للغضب في المنطقة تواصلت الاحتجاجات وإن على نطاق ضيق عما شهدته البلاد خلال الايام الماضية احتجاجا على بقاء رموز حكومة بن علي. ويتوقع المراقبون للأحداث في تونس استمرار الأزمة بعد أكثر من عشرة أيام على فرار الرئيس السابق زين العابدين بن علي، حيث يتظاهر آلاف الاشخاص يوميا للمطالبة باستقالة وزراء كانوا محسوبين على بن علي من الحكومة الموقتة.

أما في الجزائر التي تشهد بوادر انتفاضة شبيهة فإنه يبدو أن الرئيس بوتفليقة وفيما يمثل محاولة للاستجابة من درس ما يحدث في المنطقة يسعى إلى تجاوز أي نتائج مماثلة لما واجهه بن علي، حيث ذكرت مصادر صحفية جزائرية أن بوتفليقة سيقوم خلال الأيام المقبلة بإجراء تغيير وزاري قد يطال رئيس الحكومة أحمد أويحيي بهدف امتصاص جزء من الاحتقان السياسي والاجتماعي عقب احتجاجات الأسعار مطلع يناير الجاري والتي ما زالت البلاد تعيش تحت وطأتها حتى الآن.

ومع تشابه الأوضاع في الدول العربية مع ما هي عليه في تونس ومصر ولبنان والجزائر  من المتوقع أن تمتد عدوى الأحداث الى دول عربية أخرى ومن أكثر الدول ترشيحا لتلك الموجة الأردن التي شهدت موجات من المظاهرات خلال الفترة الماضية، الأمر الذي ينبئ بأننا قد نكون على موعد مع شرق أوسط جديد ولكن تصنعه الشعوب هذه المرة.