رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الغرب وتونس : المصالح أولا وأخيرا

مصطفى عبدالرازق

الاثنين, 17 يناير 2011 14:46
بقلم: مصطفى عبد الرازق

- رفض باريس استقبال بن علي يعيد للأذهان رفض واشنطن لجوء الشاه إليها

- الأزمة التونسية كاشفة للإزدواجية الغربية بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان

وسط صخب ردود الأفعال على الثورة التونسية "البيضاء" والتي أطاحت بالرئيس زين العابدين بن علي، وتزايد المخاوف لدي فريق والأماني لدى آخر.. بأن تمتد إلى باقي الدول العربية.. يستدعي الموقف الغربي من الأزمة وقفة تأملية في محاولة لإستخلاص العبر بشأن طبيعة مواقف الدول الغربية والقيم التي تعكسها هذه المواقف.

دون كثير إجتهاد يمكن القول أن القيمة الأساسية التي تنطلق منها مواقف هذه الدول هي المصلحة، الأمر الذي يمكن استخلاصه بيسر من متابعة مواقف هذه الدول تجاه تطورات الأحداث في تونس على نحو يجعل منها أزمة كاشفة لطبيعة هذه المواقف. وعلى ذلك فما يحكم سياسات هذه الدول هو المصلحة أولا وأخيرا، وهو ما يعني أن بعض المواقف الغربية التي تنطلق من اسس نراها في بعض الأحيان تعكس قيما "مثالية" لا تعكس في نهاية الأمر سوى مصلحة غربية، ما يؤكد طبيعة المواقف المزدوجة التي تحكم مواقف هذه الدول بشأن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

فمن السمات الأساسية المعروفة عن النظام التونسي أنه نظام بالغ الديكتاتورية ولم يراع في كافة ممارساته تجاه شعبه أبسط قواعد حقوق الإنسان حتى بالمعايير الغربية. غير أن المتابعة المتأنية للموقف الغربي تجاه هذا النظام تشير إلى أنه كان يتمتع بالرضاء التام من قبل مختلف الدول الغربية وبشكل خاص الولايات المتحدة وفرنسا. وهنا قد تكون  من المفارقات ذات الدلالة ما كشفت عنه وثائق ويكيليكس مؤخرا من أن  برقية لسفير الولايات المتحدة في تونس، سربها الموقع، نصحت وزارة الخارجية بدعوة حلفائها في أوروبا إلى اشتراط التسريع في الإصلاحات على تونس مقابل تمكين النظام التونسي من الوضع المتقدم الذي يمنح تونس العديد من الامتيازات في علاقته مع الاتحاد الأوروبي، غير أن تلك

التوصية لم تلق آذانا صاغية.

السؤال الذي يفرض نفسه هو : ما هي المصالح التي كانت تربط نظام بن علي بالدول الغربية وجعلتها تغض الطرف عن ديكتاتوريته ونظامه القمعي؟

يمكن القول أن هذه المصالح تتمحور حول ثلاثة أهداف: مسايرة المواقف الغربية بشأن القضايا الدولية، بمعنى السير في ركاب الغرب، وهو ما يمكن التيقن منه من خلال متابعة العديد من السياسات التونسية سواء على الصعيد السياسي أو الإقتصادي.  وثانيا وهذا هو الأهم مناهضة الحالة الإسلامية في المجتمع التونسي، بل وإتباع أكثر السبل العلمانية تطرفا، في تعزيز لنهج الرئيس الراحل بورقيبة. وهي المناهضة التي وصلت بكثيرين إلى حد التشكيك في إسترجاع الحالة الإسلامية لعافيتها حتى بعد رحيل نظام بن علي.  وهنا يشير البعض الى ملامح تشابه بين التجربيتن التركية والتونسية. رغم أن ما آل إليه الوضع في تركيا خلال العقدين الأخيرين  قد يكون مؤشرا على تحول محتمل في تونس كذلك.

ويتبقى ثالثا المسوغ الثالث والذي تعتبره الكثير من الأنظمة العربية "بابا ملكيا" للعبور الى قلب العاصمة واشنطن وهو إتخاذ موقف تعاوني أو "منزوع العدائية" تجاه إسرائيل، حيث من المعروف أن تونس تعد من الدول العربية التي بادرت بالخوض في عملية التطبيع مع تل أبيب حيث تبادل البلدان مكاتب مصالح عام 1994، وإن تم تجميدها أنشطة هذه المكاتب لاحقا عام 2000 بمبادرة من تونس، احتجاجاً على قمع الانتفاضة الفلسطينية.

لقد كان التوصيف الذي نقدمه لطبيعة العلاقات التي ربطت نظام بن علي مع الغرب يتطلب موقفا مختلفا من الرجل إزاء الأزمة التي واجهتها تونس على مدى الشهر، غير أن

الأمر بدا بالغ الإختلاف تماما حيث أدارت معظم الدول الغربية ظهرها للرئيس التونسي السابق.

فمن ناحية فإن الولايات المتحدة التي امتنعت وزيرة خارجيتها هيلاري كلينتون عن التطرق إلى الطبيعة القميعة للنظام التونسي خلال لقائها أبريل الماضي مع نظيرها التونسي، خرجت على لسان رئيسها باراك أوباما تشيد بـ"شجاعة وكرامة الشعب التونسي", داعية إلى إجراء انتخابات نزيهة وحرة، في اعتراف صريح بان مثل هذا النوع من الإنتخابات لم تجر من قبل في تونس. وهو الموقف ذاته الذي اتخذته ألمانيا ممثلا في دعوة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل تونس إلى "تأسيس لديمقراطية" ، معتبرة أن الظرف الحالي يتيح الفرصة لبداية جديدة في تونس!

وقد كان موقف فرنسا من بين أكثر المواقف إنكشافا بحكم العلاقات الوثيقة التي ربطت نظام بن علي مع باريس وصلت على حد ما أشارت بعض المصادر إلى حد عرض هذه الأخيرة تقديم دعم ممثل في خبرتها الأمنية لنظام بن علي. غير أنه أما وأن الأحداث تجاوزت هذا الموقف فقد كان الإنقلاب في الموقف الفرنسي بمائة وثمانون درجة وصل إلى حد رفض باريس إستقبال الرئيس بن علي إثر خروجه المخزي من بلاده في موقف إتقفت أغلب التوصيفات على أنه ليس له من توصيف سوى بأنه "فرار. وقد انعكست فجاجة هذا الموقف الرسمي إلى حد دعوة البعض في فرنسا إلى إستقالة وزيرة الخارجية الفرنسية معتبرة ان الموقف الفرنسي يرتقي إلى مرتبة العار.

وقد كانت مأساوية المصير الذي واجهه بن علي وعبر عنه في أكثر ملامحه درامية مشهد طائرة الرئيس السابق التي بدت حائرة في الجو دون أن تدري في أي أرض تحط وسط رفض أغلب الدول الغربية استقبالها -  بدءا من فرنسا مرورا بمالطا وانتهاءا بإيطاليا -  ذات دلالة بالغة الرمزية على طبيعة الموقف الغربي، على نحو ذكرنا بالموقف من الشاه، الذي رفضت الولايات المتحدة مواصلة استقباله كلاجئ رغم مرضه بالسرطان ولم تجد معه بدا من ترتيب استقبال مصر لها. وها نحن ذا وبعد أكثر من ثلاثين عاما يبدو وكأن التاريخ يعيد نفسه ثانية حيث يصادف الرئيس التونسي السابق رفضا لاستقباله من أي دولة غربية ولا يجد سوى دولة عربية تستقبله ولكنها السعودية هذه المرة.. في مشهد قد لا يكون من الغريب توقع تكراره مع زعماء آخرين في المنطقة ما لم يستوعبوا الدرس جيدا.