فتنة «العدالة».. وتفكيك أوصال الدولة المصرية

مصطفى عبدالرازق

الأحد, 06 نوفمبر 2011 23:14
بقلم: مصطفي عبدالرازق

كأن مصر ينقصها المزيد من الأزمات حتي يأبي المستشار أحمد الزند رئيس نادي القضاة أن تخرج عافية سليمة من الأزمة بين المحامين والقضاة التي توالت فصولها «هزلا» علي مدي الأسابيع الماضية وهددت وما زالت بتفكيك أوصال الدولة المصرية

، إلي جانب أخواتها من الأزمات المتلاحقة التي يمثل مجملها غياب للدولة بالمعني الحقيقي وليس المجازي.
لسنا في موقع نلتزم فيه موقف طرف دون آخر، ولكن الأمر تجاوز الحد ويتطلب وقفة يتم معها طي ملف الأزمة وصمت متطرفيها، باعتبار أنها في المحصلة الأخيرة «مفتعلة» لم يكن لها أن تندلع من الأصل، وهو ما يعزز فكرة وجود أيد خفية تحركها بغض النظر عن طبيعة هذه الأيدي! وما إذا كانت تنتمي إلي جهاز من الأجهزة التي تدير مقدرات الدولة في الفترة الحالية، حسبما لمح البعض في اتهام واضح وصريح للمجلس العسكري، أم أنها من تخطيط «فلول» لن يهدأ لهم بال حتي تنجح مخططاتهم للثورة المضادة في العودة بالأوضاع إلي جوهر ما كانت عليه مصر قبل ثورة يناير، مع الأخذ في الإعتبار أن الفلول «مننا فينا»! 
ولعل التمعن في أسباب الأزمة، والتي تعد من أكبر الأزمات التي تواجهنا بعد الثورة وتكاد أن ترتقي في خطورتها لمستوي أزمات الفتنة الطائفية.. في ماسبيرو وإمبابة وإطفيح.. يكشف عن حجم «الغوغائية» التي سادت من قبل الكثير من الأطراف التي انخرطت فيها، إلي الحد الذي يمكن معه القول، دون تجاوز، أنه في أزمات ما بعد ثورة يناير، لا فرق

بين فئات المصريين جميعا علي إختلاف مستوياتهم.. فالكل في غياب الرؤية السليمة في النظر للأمور سواء ويتعامل بعقلية هي أقرب إلي عقلية «القبيلة».. أو أخري غيرها سمها ما شئت!.. بدءا من الأطباء مرورا بالمعلمين وسائقي النقل العام والعاطلين عن العمل وليس انتهاء بالقضاة والمحامين!.. رغم أن التعويل علي مستوي الوعي السياسي والثقافي وغيره كان يفرض قدرا من اختلاف ردود الأفعال بين فئة وأخري في التعامل مع الأزمات الفئوية التي جرت ما بعد يناير!
فمن ناحية فإن تعديلات قانون السلطة القضائية ما زالت في طور الاقتراح، وهو ما يؤكده تصريحات عصام شرف رئيس الوزراء بأنه لم يسبق أن عرض عليه أي مشروع  قانون بشأن تعديل أحكام السلطة القضائية وتأكيده في ذات الوقت أن المجلس العسكري لم يصدر أي قانون للسلطة القضائية.. ومؤدي ذلك أن غضبة المحامين التي بدت شرسة ومتجاوزة امتدت إلي اعتداءات علي المحاكم ليس لها ما يبررها.. وتثير شكوك حول طبيعة نظرتهم – وهم أهل الاختصاص – لمراحل التشريع وفهمهم لها، والتساؤل حول أنه إذا كان هذا هو مستوي غضبهم علي التعديل فكيف بمستواه حال إقراره رسميا؟
ورغم أن القضاة بدوا كطرف ضحية باعتبار أن طريقهم إلي المحاكم لم يعد سالكا، إلا أنهم، بعيدا عن صراع كبارهم
بشأن قانون السلطة القضائية، تصرفوا بمنطق رد الفعل المساوي في المقدار فكان قرار تعليق العمل بالمحاكم مواز لخطوة الإعتداء عليها من قبل المحامين، فأصبح الكل في «هم» ارتكاب الخطأ سواء!.. وعند ذاك اختلط الحابل بالنابل فلم يعد المواطن المصري يعرف من المخطئ ومن المصيب!
قد تكون غضبة المحامين لها ما يبررها، غير أنه لم يكن ينبغي أن يتم تصعيدها إلي المستوي الذي جرت عليه، الأمر الذي أساء إلي موقفهم وأظهرهم بشكل سهل مهمة البعض تسويق موقفهم باعتبار أنهم «الفئة الباغية». وقد يكون لموقف القضاة ما يبرره، غير أنه لم يكن له أن يصل إلي حد تعليق العمل بالشكل الذي أساء إلي روح العدالة التي يمثلونها ويلتمسها منهم المواطن العادي.
إن قراءة متأنية في مواقف الأطراف المختلفة تكشف عن مدي «التهافت» الذي وسم هذه المواقف، بما فيها موقف الدولة التي لعبت دور «الإطفائي» بعد أن أتت النيران علي كل ما أمامها.. لقد نأت مواقف كل الأطراف، دون استثناء، عن الإرتقاء إلي مستوي ما هو مطلوب ويجب القيام به في الظرف الحرج الذي تمر به الدولة بشكل كان من الواضح معه أن الأزمة يتم التعامل معها بمنطق شرف القبيلة! وليس بمنطق المصلحة العامة، وذلك مستوي من التعامل ينبغي مؤاخذته والتوقف عنه حتي لا يصبح هو المنطق السائد بما قد يجرنا إلي مستوي من التراجع لا نأمله!.. نقول ذلك بمنطق محاولة التماس الرؤية السليمة للأمور.. رضي من رضي وغضب من غضب!
ولا نجد في هذا المقام أفضل مما أشار إليه المستشار الخضيري نائب رئيس محكمة  النقض في تعليقه علي بيان الزند من الأراضي المقدسة - التي يجب أن يصدر عمن يوجد بها رسائل روحانية وليس عدوانية، رسائل تهدئة وليس إشعال للغضب – من تأكيد أنه علي الجميع، وليس الزند فقط، أن يتقوا الله في العدالة وفي مصر.. فهي الهدف والمآل!

[email protected]