دولة «سيوة» القبطية و«جلبي» المصري

مصطفى عبدالرازق

الاثنين, 31 أكتوبر 2011 08:42
بقلم: مصطفى عبد الرازق

نشرت مجلة «فورين آفيرز» الأمريكية  تقريرا منذ أيام على شبكة الإنترنت ينبغي ألا يتم التعامل معه بخفة، وإنما بالرزانة الكافية دون تهوين أو تهويل. يتعلق التقرير بالبحث عن حل لمشكلة العلاقة بين الأقباط والمسلمين.

وبغض النظر عما ورد في التقرير الذي نقل جانبا منه موقع «المشهد» الإلكتروني مما قد يراه البعض شططا، فإننا نتعامل معه هنا بمنطق أن ناقل الكفر ليس بكافر، وإنما المراد هو تأمل كيف يفكر فينا الآخر؟ وكيف ينظر إلي قضايانا؟ خاصة إذا كان هذا الآخر هو المحرك والفعال الذي تحسم خياراته في أغلب الأحوال مسار الامور على أرض الواقع.
ويتمثل التقرير في توصية لمؤسسة «راند» التي تعتبر من أكثر المؤسسات البحثية الامريكية ثقلا بالبحث عن مكان بديل لأقباط مصر ومسيحيي الشرق يمكن أن يكون وطنا قوميا لهم. وقد اقترحت المؤسسة أماكن عدة يمكن أن تستوعب المسيحيين ومنها إخلاء لبنان لهم أو أن تكون الدولة المسيحية في سيناء أو سيوة. من الغريب أن المنظمة ترى ضرورة هذه الخطوة في هذا الوقت بعد سقوط الديكتاتوريين العرب الذين كانوا يمثلون حسبها نوعا من الحماية للمسيحيين في مواجهة الجماعات الدينية المتطرفة وباعتبار أن «ظهر» المسيحيين بعد الربيع العربي أصبح مكشوفا.
ما يهمنا هنا على وقع  الفتنة التي تجدد الحديث عنها بعد أحداث ماسبيرو 9 اكتوبر الماضي هو وضع مصر بأقباطها ومسلميها من هذا

المخطط. لسنا في موضع تقديم أحاديث إنشائية حول النسيج الواحد، لكن النقطة الأساسية في هذا المجال هي الإشارة إلى حقيقة صعوبة الفصل جغرافيا على أرض الواقع بين مسلمي مصر وأقباطها، فالتداخل السكاني بين الجانبين يجعل مثل هذه المهمة صعبة إن لم تكن مستحيلة.
صحيح أن التدخل بعملية جراحية أمر يبدو قائما في ضوء خبرات تاريخية عديدة، ومنها تجربة إنشاء الدولة العبرية من خلال عمليات ترحيل سكان – ترانسفير – إلا أن الأمر كذلك يرتبط، في أحد أبعاده، بإرادة من يتم ترحيلهم ولا نظن أن قبطيا قد يقبل هذا السيناريو باعتبار الأرضية التي يقف عليها بعض الأقباط – دون الدخول في جدل هذا الجانب ومنطقية طرحه من عدمها – من أنهم أصحاب الأرض الأصليين!
غير أن التجربة العملية كذلك تعلمنا أن الصعوبات أحيانا لا تقف عائقا أمام إرادة الدول الكبرى خاصة إذا بدا لها الهدف يستحق المغامرة.. وما تجربة غزو العراق لإسقاط صدام سوى مثال على ما نقول مع  الفارق في القياس. صحيح أن الغزو انتهى بنتائج كارثية على المستوى الأمريكي إلا أنه من الصحيح أيضا أن هدف إسقاط صدام وما يستتبعه من أهداف أخرى
تصب في خانة الأهداف الاستراتيجية الأمريكية قد تحققت.
وقد يكون التساؤل هنا حول الفائدة الأمريكية من إنشاء دولة قبطية أو مسيحية في المنطقة؟! والرد العملي هو أنها – في التصور الأمريكي – ستكون رديفا للدولة اليهودية التي تمثل حتى الآن وعلى مدار أكثر من ستة عقود شوكة في خاصرة العرب. صحيح أن قومية المسيحيين والأقباط قد تقف عائقا أمام هذا التصور، على نحو ما أثبتت مواقف الأقباط خلال التجارب التاريخية سواء في مواجهة الحملة الفرنسية أو الاحتلال الإنجليزي، إلا أنه يبقى أن هذا تصور أمريكي يمكن حال نضوجه السعي إلي تحقيقه والبحث في هذه الحالة عن جنرال يعقوب آخر أو «أحمد جلبي» آخر ولكن نسخة مصرية هذه المرة!
ما نراه ينبغي أن يكون مصدر اهتمام في هذا المجال، إن السياسة الأمريكية تعتبر في المحصلة الأخيرة نتاج محموعة من التفاعلات تبدأ من  مراكز الأبحاث وجماعات الضغط. ونقدم هنا نموذجا يعزز ما نشير إليه ممثلا فيما قدمه الكاتب الغربي أندرو هاموند في كتابه «كيف ينظر العرب لأمريكا» – وقام صاحب هذه السطور على ترجمته للقارئ العربي -  من أبعاد سيناريو متكامل بشأن دور مراكز الأبحاث وجماعات الضغط الأمريكية في تقديم وتعزيز مخطط تقسيم السودان على خلفية شبيهة.. الأمر الذي تحقق بالفعل على أرض الواقع.  
قد تكون التجربة المصرية مختلفة، وهي كذلك بكل تأكيد، وقد يكون مثل هذا الهدف أكثر صعوبة، وهو كذلك أيضا، غير أننا لا يجب أن ننسى أن مصر قد تكون كذلك «الجائزة الكبرى» في المسعي الأمريكي لتفتيت الشرق الأوسط، وهو ما يدعونا لأن نكون حريصين أشد  الحرص على وطن شاركنا جميعا.. مسلمين وأقباطا.. في بنائه وفديناه ونفديه بأرواحنا ودمائنا.. وذلك هو المحك الحقيقي للوطنية والمواطنة!