رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الإدارة الأمريكية تؤيد الثورة المصرية فى العلن وتلعنها فى السر

مسعد حجازي

الأربعاء, 15 يونيو 2011 12:38
بقلم : مسعد حجازى

التحليل التالى هو محاولة جادة وموضوعية لوضع النقاط على الحروف وبعيدا عن نظرية المؤامرة والتفسير التآمرى للأحداث، وربط احداث قد تبدو فى ظاهرها متباعدة ومنفصلة بينما هى فى صميم الموضوع ، ...هو محاولة لاستكشاف حقيقة الموقف الأمريكى ، وبالتحديد الإدارة الأمريكية وليس الشعب الأمريكى من الثورة المصرية ، فثمة حاجة ملحة إلى إعادة قراءة هذا الموقف من الثورة قراءة واعية ومتأنية تغوص تحت سطح الأحداث المتلاحقة والمعقدة،  وحتى لا نقع - كعادتنا - فى العالم العربى والصحافة العربية فريسة لعملية تمويه وخداع مخابراتى Disinformation نكون نحن اخر من يعلم حقيقتها وأول ضحاياها، .. وعلينا دائما أن نتذكر مقولة ونستون تشرشل الشهيرة:  " إن الحقيقة فى حاجة إلى أن نحميها دائما بسياج من الأكاذيب ".

فى 23 يوليو عام 1952 قام الجيش بحركة أو إنقلاب عسكرى أيده الشعب المصرى تأييدا جارفا فتحول إنقلاب الضباط الأحرار والعسكر إلى ثورة شعبية.

وفى الخامس والعشرين من يناير 2011 قامت ثورة شعبية حقيقية إنحاز إليها الجيش وإحتضنها حتى أطاحت بالرئيس السابق حسنى مبارك وحكومته ورؤؤس نظامه الفاسد المستبد.

بعض الكتاب والمحللين السياسيين فى الشرق والغرب قالوا إن حركة الجيش فى 1952 جاءت لمنع حدوث ثورة شعبية عارمة كانت على وشك الإندلاع، بل إن البعض إتهم صراحة ثورة يوليو بأنها ثورة أمريكية أى من تدبير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية.

وفى 25 يناير 2011 قامت ثورة شعبية مصرية ، ومع ذلك يزعم البعض أنها مؤامرة أمريكية، وأيا كانت المزاعم والتحليلات فإن الثابت هو أنه منذ لقاء القمة بين الرئيس الآمريكى فرانكلين دى روزفلت والملك فاروق والعاهل السعودى عبد العزيز على ظهر المدمرة الأمريكية " كوينسى" فى قناة السويس فى عام 1945 وحتى الآن فإن الولايات المتحدة الأمريكية لم تفقد إهتمامها بمصر ولو للحظة واحدة، بل تزايد هذا الإهتمام إلى درجة أصبحت فيه مصر أهم وأكبر حليف لأمريكا فى العالم العربى.

إن الغرب بصفة عامة والولايات المتحدة واسرائيل بصفة خاصة هم أول من يدركون أهمية وخطورة الدور والثقل المصري فى العالم العربى والشرق الأوسط ، وربما أكثر من كثير من المصريين أنفسهم، ذلك لأن حساباتهم لهذا الثقل والدور لا تتقيد بمن يحكم مصر بقدر ما هى حسابات إستراتيجية وسياسية دقيقة تتعامل مع ثوابت وحقائق التاريخ والجغرافية، كما أنهم أيضا يدركون ان ترمومترالدور المصرى يتأثر صعودا وهبوطا وفقا لدرجة حرارة الأحداث والتطورات فى المنطقة، وقد يصاب أحيانا بحالة من السكون Mute أو عدم الحركة أو الحركة المعلقة Suspended Animation إلا أن هذا الدور لا يمكن خصمه  أو مصادرته، وهم دائما  فى أشد الحاجة لهذ الدور والثقل المصرى فى المنطقة بشرط أن يعمل لصالحهم .

.. أيا كانت المزاعم والتحليلات فإن الثابت أيضا أنه ومنذ يوم 23 يوليو عام 1952 وحتى يومنا هذا فإن الجيش المصرى أو العسكر أو بالأحرى المؤسسة العسكرية هى التى تمسك بزمام مقاليد الأمور والحكم فى مصر، وأنه منذ ما يقرب من 60 عاما لم يحكم مصر سوى أربعة رؤساء فقط – محمد نجيب وجمال عبد الناصر وأنور السادات ومحمد حسنى مبارك - ، جميعهم خرجوا من الجيش وينتمون للمؤسسة العسكرية، وأن المشير محمد حسين طنطاوى رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو الرئيس الخامس لمصر – صحيح أنه مع المجلس العسكرى يدير الفترة الإنتقالية- لكن هذا هو ما سوف يذكره التاريخ،.. وأنا هنا لا أريد أن استطرد فى الحديث عن المؤسسة العسكرية التى تتمتع بمكانة وإحترام لا تتمتع به أية مؤسسة أخرى فى مصر، وإن كنت أتمنى أن أكتب موضوعا مستقلا عنها نظرا للدور الكبير والهام الذى تمثله فى الحياة المصرية، ولكنى فقط أردت أن أؤكد على حقيقة أن مصر ومنذ عام 1952 لم يحكمها ولو رئيس مدنى واحد،.. وهذه وحدها أكبر مأساة ومعضلة لا يمكن تجاهلها فى أى حديث عن الحياة السياسية فى مصر، وفى ظل هذه الحقيقة يجب أن نضع كل كلام قيل أو يقال عن الديمقراطية فى مصر فى المنظور الصحيح والحجم الحقيقى.

.. أيا كانت المزاعم والتحليلات فإن الثابت أيضا أنه فى عالم السياسة فإن المؤامرات الداخلية والخارجية لا تنقطع أو تتوقف أبدا، وهذا هو السبب فى أن كل دول العالم لديها أجهزة أمن ومخابرات، لها أدوار وأهداف وقدرات للتصدى للدسائس والمؤامرات، لكن هذا لا يعنى أن يلجأ المواطن العادى إلى تفسير كل حدث كبير أو غامض وفقا لنظرية المؤامرة اللهم إلا إذا كان يعيش فى أحد البلدان التى تحكمها أنظمة دكتاتورية قمعية متسلطة حيث يعانى فيها الأفراد من فقر مدقع فى الحصول على المعلومات.

إزاء الخلفية السابقة، .. وفى الخامس والعشرين من يناير 2011 وقع حدث جلل – إندلعت فى مصر ثورة شعبية حقيقية عارمة شدت أنظار العالم كله طوال ثمانية عشر يوما -،.. وقع زلزال هائل قوته مائة أو ألف درجة بمقياس ريختر، وفى منطقة لا تعرف الزلازل إلا نادرا، .. إنفجر بركان الغضب فى ميدان التحرير وفى كل أنحاء مصر من الإسكندرية إلى أسوان ومن السلوم إلى العريش...

كانت ثورة فريدة سوف يعكف على دراستها وآثارها آلاف من المؤرخين والباحثين والسياسيين فى أرجاء العالم لسنوات وعقود قادمة.

لم تكن ثورة الخامس والعشرين من يناير 2011 ثورة دينية، وإن حاولت بعض الجماعات الدينية أن تختطفها، كما أنها لم تكن ثورة أيديولوجية أو حتى ليبرالية، وإن حاول أصحاب الأجندات الخاصة أن يركبوا مطيتها،... ولم تكن ثورة الجياع أو العشوائيات التى حذر منها البعض دون كلل، .. بل كانت ثورة شعبية وطنية قومية خالصة، .. وكانت أهدافها تتعدى بمراحل إسقاط الحكومة والإصرار على رحيل الرئيس حسنى مبارك وأركان الفساد من كبار اللصوص والقوادين والمرتشين من أصحاب الياقات البيضاء أو حتى إسقاط النظام،.. بل كانت أهدافها أعمق وأبسط من هذا وهذا هو سر نجاحها .. لقد كانت ثورة شعب ضد الخوف والقهر  ، ثورة شعب يريد أبسط حقوق الإنسان فى وجوده الحقيقى الذى خلقه الله عليه،.. شعب يريد الحرية والمساواة والديمقراطية والعدل الإجتماعى وإستقلال القضاء وحياة آدمية كريمة لنفسه وللأجيال القادمة، .. كانت ثورة شعب يريد إستعادة بلد ووطن تم إختطافه منذ زمن فى وضح النهار،... ثورة لم يلجأ الثوار فيها إلى العنف أو الإرهاب أو إختطاف رهائن أو طائرات ركاب  مدنية - العنف جاء على يد البلطجية وأتباع النظام الذين أرادوا تشويه صورة الثوار الوطنيين الحقيقية . لقد شاهد العالم كله من خلال التليفزيون وعلى الهواء مباشرة صور مشرقة للشعب المصرى فى جوهره ومعدنه الأصيل،.. شاهد فى ميدان التحرير كل أطياف وفئات الشعب المصرى – شباب ورجال وشيوخ وأطفال، نساء بدون حجاب، ونساء محجبات ونساء ومنقبات،.. شاهد مسلمين وأقباط وأقباط يحرسون مسلمين أثناء الصلاة، ومسلمون يحرسون الأقباط، .. شاهد شباب الثورة وهم يعانقون قوات الجيش ويصعدون على الدبابات يهتفون الجيش والشعب يدا واحدة،.. هذه

الصور المشرقة هزت الضمير العالمى وهدمت الصور النمطية السلبية من تأثيرات الدعاية الصهيونية عن المصريين والعرب لدى الرأى العام العالمى طوال مايزيد عن نصف قرن من الزمان،.. لم يبالغ الرئيس باراك أوباما حين قال أن الثورة المصرية ألهمت العالم كله وألهمت الشعب الأمريكى.

خلال الثمانية عشر يوما مدة الثورة مر الموقف الرسمى للإدارة الأمريكية إزاء الثورة المصرية  بثلاث مراحل :

1- موقف الحياد

2- مرحلة التخبط والإنقسام

3- ثم أخيرا موقف الحزم والحسم

موقف الحياد:

خلال الأيام الأولى للثورة تبنى الرئيس الأمريكى باراك أوباما وأقطاب إدارته موقف الحياد من الثورة المصرية إستمرارا لموقف الإدارة المعلن قبل الثورة من أن الولايات المتحدة الأمريكية لا تتدخل فى الشئون الداخلية للدول، لكن فى نفس الوقت أكدت الإدارة من خلال البيانات الرسمية للبيت الأبيض ووزارة الخارجية والإتصالات الهاتفية لكبار المسئولين الأمريكيين مع نظرائهم المصريين على حق المتظاهرين فى التظاهر والإحتجاج السلمى ، كما دعت النظام المصرى إلى الإلتزام بضبط النفس وعدم إستخدام القوة ضد المظاهرات السلمية، .. فى تلك الفترة كان هناك إعتقاد أمريكى بأن نظام الرئيس مبارك الأمنى القوى سوف يستطيع فى النهاية السيطرة على الموقف، لكن بعد سقوط قتلى وضحايا ، والتزايد المضطرد فى أعداد المتظاهرين ليس فى القاهرة فحسب ولكن فى عدة محافظات أخرى مثل الإسكندرية والسويس والإسماعيلية والعريش والغربية والمنصورة والمنيا، وبعد فشل قوات الأمن فى السيطرة على المتظاهرين، وقرار الرئيس حسنى مبارك بنزول الجيش إلى شوارع مدن القاهرة والأسكندرية والسويس إبتداءا من يوم الجمعة 28 يناير بدأت الإدارة الأمريكية تشعر بقلق متنامى من تدهور الأوضاع الأمنية فى البلاد كلها خاصة بعد إنسحاب قوات الأمن المركزى ورجال الشرطة والهجوم على معظم السجون المصرية  وأقسام الشرطة وهروب  أكثر من عشرين الف مسجون ومسجل خطر.

التخبط والإنقسام:

فى يوم الأثنين 31 يناير 2011 أوفد الرئيس الأمريكى باراك أوباما مبعوث خاص إلى القاهرة هو فرانك ويزنر سفير سابق للولايات المتحدة فى مصر لتوصيل رسالة من الرئيس أوباما الى الرئيس حسنى مبارك ومحاولة إقناعه بالتخلى عن السلطة فى الحال وعدم الإنتظار حتى شهر سيتمبر القادم، وبعد مغادرة ويزنر واشنطن بساعات قليلة عقد مجلس الأمن القومى الأمريكى إجتماعا طارئا لبحث الأزمة فى مصر ضم أكثر من دستة من الباحثين والخبراء المختصين بشئون مصر والشرق الأوسط بالإضافة إلى أعضاء المجلس الدائمين، وأشارت تقارير صحفية وإعلامية مستندة إلى شهادة بعض الذين شاركوا فى الإجتماع إلى حدوث إنقسام حاد بين الحاضرين إلى فريقين : فريق السياسيين المخضرمين يمثله روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكى وهيلارى كلينتون وزيرة الخارجية وليون بانيتا رئيس وكالة المخابرات المركزية الأمريكية بالإضافة إلى أدميرال مايكل مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية ، وهذا الفريق ينصح بالتريث والتحرك بحذر وبطء وعدم الضغط على الرئيس حسنى مبارك للتخلى عن السلطة على إعتبار أن الرئيس مبارك من أقوى حلفاء الولايات المتحدة فى المنطقة وقدم العديد من الخدمات لأمريكا وحافظ على إتفاقية السلام مع إسرائيل طوال الثلاثين عاما الماضية، وأعربوا عن حرصهم على أمرين أساسيين: عدم زعزعة الإستقرار فى المنطقة وإثارة قلق الحلفاء التقليديين للولايات المتحدة من حكام الخليج إذا خرج الرئيس حسنى مبارك من السلطة بطريقة مهينة، والأمر الثانى هو ضمان إنتقال سلس للسلطة فى مصر بتصعيد نائب الرئيس اللواء عمر سليمان ليخلف مبارك فى الحكم.

أما الفريق الثانى فهو فريق جيل الشباب من أعضاء مجلس الأمن القومى الأمريكى والذى يرى ضرورة مناصرة شباب الثورة الذى يطالب بتحقيق الديمقراطية وبمشاركة جماعة الإخوان المسلمين، ويروا أيضا أن تأييد الرئيس مبارك وبقايا نظامه فى هذ اللحظات الحرجة سوف يفسر على أن إدارة الرئيس أوباما قد تخلت عن الشباب المتظاهرين المطالبين بالديمقراطية الأمر الذى يتعارض مع خطاب الرئيس أوباما فى جامعة القاهرة فى يونية 2009، وهذا الفريق يمثله د. دان شابيرو مدير شئون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا فى المجلس (42 عاما) ود. بن (بنيامين) رودز (30 عاما) نائب مستشار الأمن القومى لشئون الإتصالات وكاتب خطب الرئيس الأمريكى أوباما ومنها الخطاب التاريخى الذى ألقاه فى جامعة القاهرة فى 4 يونيو 2009، ودكتورة سامانتا باور (41 عاما) مديرة مكتب شئون المسارات المتعددة وحقوق الإنسان فى المجلس ، وهناك شبه إجماع بين آراء معظم كبار المحللين والمرافبين السياسيين فى واشنطن على أن هذه السيدة صاحبة أكبر تأثير على عقل الرئيس أوباما وأكبر مرشحة لخلافة هيلارى كلينتون فى وزارة الخارجية الأمريكية ، وسوف أفرد لها مقالا مستقلا فى القريب العاجل نظرا لشخصيتها الفريدة والدور الخطير الذى لعبته وتلعبه فى إدارة الرئيس أوباما.

لم يسفر إجتماع مجلس الأمن القومى الأمريكى عن أية رؤية واحدة أو موقف موحد يتم رفعه للرئيس أوباما وإنما إنقسام حاد، وقد شاهدت تسجيلا لمحاضرة لستيفن كليمونز – باحث أمريكى ومتخصص فى شئون الشرق الأوسط – وأحد الذين شاركوا فى إجتماع مجلس الأمن القومى الطارىء قال فيها أنه لاحظ  خلال الإجتماع أن : " الإستراتيجية الأمريكية فى المنطقة إستراتيجية مفلسة" ، وأنه عارض إرسال السفير فرانك ويزنر إلى القاهرة لمقابلة مبارك ، وكان من الأفضل للإدارة الأمريكية أن ترسل بدلا منه السيناتور ديك ديربان أو سيناتور جون كيرى .

الحزم والحسم:

كان إعتراض ستيف كليمونز على إرسال السفير فرانك ويزنر إلى القاهرة فى محله، فعقب إجتماعه مع الرئيس مبارك أدلى ويزنر بحديث عبر القمر الصناعى إلى مؤتمر دولى للأمن كان يعقد فى ميونيخ بحضور مستشارة المانيا أنجيلا ميركل وهيلارى كلينتون وزيرة الخارجية الأمريكية قال فيه إن وجود الرئيس المصري في السلطة حاسم جدا في الأيام المقبلة نحو المستقبل، وإنه يجب أن يبقى فى منصبه حتى يقود عملية إجراء التغييرات الضرورية ، وعلقت أنجيلا ميركل قائلة لن يحدث تغيير للسلطة فى مصر فى الوقت الحالى، وكانت هيلارى كلينتون مشاركة فى المؤتمر لحشد الدعم والتأييد لنائب الرئيس عمر سليمان لخلافة الرئيس حسنى مبارك،.. نزل تصريح السفير المتقاعد فرانك ويزنر على البيت الأبيض والإدارة الأمريكية كنزول الصاعقة، ودليلا آخر على تخبط سياسة الرئيس

أوباما بشأن التعامل مع الأزمة فى مصر، وتنصلت إدارة أوباما من التصريحات وقال مسؤولون أمريكيون إن تصريحات ويزنر أدلى بها بصفته الشخصية كخبير ولا تعكس موقف إدارة أوباما.

وصرح المتحدث باسم الخارجية الأميركية، فيليب كراولي في بيان: "نحترم بشدة فرانك ويزنر، ونقدر بعمق رغبته في السفر لمصر الأسبوع الماضي، لكنه لا يحمل صفة رسمية بعد تلك الرحلة".

فسر بعض المحللين والمعلقين السياسين موقف السفير ويزنر بسبب صداقته القديمة بالرئيس حسنى مبارك، لكن الحقيقة لا علاقة لها بالصداقة الشخصية على الإطلاق، وإنما بالمصالح، وكشفت صحيفة الإندبندنت البريطانية فى تقرير لها أن فرانك ويزنر يعمل لدى شركة محاماة أمريكية كبيرة هى شركة " باتون بوجز" وهى شركة للاستشارات القانونية في نيويورك وواشنطن تقدم خدمات للحكومة المصرية وقالت الصحيفة إن الشركة تفاخر بأنها تقدم خدمات استشارية للجيش المصري ووكالة التنمية الاقتصادية المصرية ومثلت حكومة مبارك في قضايا تحكيم وتقاضي في أوروبا والولايات المتحدة ، وذكرت تقارير صحفية أمريكية أن الشركة لها زبائن كثيرين فى الشرق الأوسط ومصر وأن من بين زبائنها كبار عائلات البيزنس فى مصر ومن بينهم الرئيس حسنى مبارك نفسه ونجلاه علاء وجمال وبعض كبار رجال الأعمال المصريين، وأن أتعابها تقدر بملايين الدولارات سنويا.

كان الموقف الأمنى فى مصر يزداد سوءا ساعة بعد ساعة، وبدأت تتوالى على الرئيس باراك أوباما وأركان إدارته تقارير المخابرات الأمريكية ووكالة الأمن القومى وصور أقمار التجسس الأمريكية عن حجم المظاهرات الضخمة فى كل أنحاء مصر،.. موجات بعشرات الآلاف من المتظاهرين تزحف على القاهرة وإلى ميدان التحرير، وتقول بعض التقارير الأمريكية والإسرائيلية أن الرئيس أوباما أدرك فى هذه اللحظة أن ما يحدث فى مصر ثورة حقيقية وأنه لا قبل لقوات الأمن أو الجيش أو حتى للأمريكيين بالسيطرة عليها، ونقل عنه قوله أنه إذا كانت هذه ثورة شعبية فإنه يفضل أن يكون فى المقدمة لا خلفها وحتى لا يفلت الزمام وقرر أن يتخلى عن تردده وأن يحسم أمره، وساعده على ذلك أحداث يوم الأربعاء الدامى الذى أربك الإدارة الأمريكية بعد أن دخل ميدان التحرير نحو 50 الفا من البلطجية الذين دفع بهم الحزب الوطنى وفلوله تحت سمع وبصر قوات الجيش، وظن المسئولون الأمريكيون أنه ربما حدث ذلك نتيجة قرار قائد عسكرى محلى فى ميدان التحرير وليس قرار القيادة العامة للقوات المسلحة، .. لم تكن الإدارة الأمريكية تعلم بعد أن الذى سمح للبلطجية وراكبى الجمال هى قوات الحرس الجمهورى المتواجدة أمام مبنى التليفزيون والتى تأخذ أوامرها من القصر الرئاسى وليس الجيش، وبدأت الإتصالات التليفونية  على الفور،.. روبرت جيتس وزير الدفاع الأمريكى يتصل بالمشير محمد حسين طنطاوى وزير الدفاع، وإدميرال مايك مولن رئيس هيئة الأركان المشتركة الأمريكية يتصل بنظيره المصرى الفريق سامى عنان رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، ونائب الرئيس الأمريكى جوزيف بايدن يتصل بنظيره المصرى عمر سليمان،.. وفى نهاية اليوم كان الرئيس أوباما قد حسم أمره وقرر أن يتبنى موقف جيل الشباب فى مجاس الأمن القومى الأمريكى ووجهة نظر سامانتا باور وبن رودز ودان شابيرو، وبعد أن أيقن أن الرئيس مبارك تشدد فى تصلب موقفه وعناده وأنه لن يتنحى دون عراك وربما لن يتنحى حتى فى سبتمبر القادم كما وعد ، وطالب فى خطاب تليفزيونى أذيع على الهواء بأن يتم الإنتقال السلمى المنظم للسلطة فى مصر فى الحال ، وبدأ الرئيس الأمريكى حملة إتصالات تليفونية مع الزعماء الأوروبيين فى إنجلترا وفرنسا وألمانيا وأسبانيا لممارسة الضغوط على الرئيس المصرى للتنحى ، وأصبح جميعهم يتحدثون بصوت واحد ويعزفون نفس اللحن الأمريكى.

وبعد تدهور الوضع الأمنى فى مدينة السويس تماما وسقوط مبنى المحافظة ، وخشية الولايات المتحدة من تسلل عناصر تخريبية من الخارج تقوم بإعاقة الملاحة فى قناة السويس، قامت الإدارة الأمريكية بتحريك حاملة الطائرات الأمريكية " يو إس. إس إنتربرايز" ناحية مدخل القناة الشمالى عند بورسعيد، .. وفى تقرير إخبارى لموقع " ديبكا فايل"  (وهو موقع إسرائيلى قام بتأسيسه منذ عشر سنوات مجموعة من ضباط المخابرات العسكرية الإسرايلية المتقاعدين، أصبح يعتمد عليه كثير من المشتركين ووسائل إعلام وصحف فى الغرب من خلال إشتراكات غالية، إلا أننى أنصح بالتعامل مع أخبار هذا الموقع بحذر شديد لأنهم أحيانا يضعون السم فى العسل ويدسون أخبارا مغلوطة لخدمة توجهات سياسية معينة ) يذكر الموقع أن الولايات المتحدة دفعت بقوة هجومية ضاربة اسمها " يو إس إس كيرسارج" – تتكون من ست سفن حربية بعضها يحمل طائرات هليوكوبتر لنقل وحدة مشاة البحرية الأمريكية ال 26 والتى يبلغ عدد أفرادها 2200 جندى وضابط، بالإضافة إلى كتيبتين من القوات الخاصة تدعمهما غواصة هجومية سريعة تسمى " يو إس إس سكرانتون"، وأشار الموقع إلى أن القوة الضاربة تمركزت بالقرب من الإسماعيلية بين الضفة الشرقية لسيناء والضفة الغربية للقناة فى حالة إستعداد لتأمين القناة ضد أى خطر لإعاقة الملاحة .

عمر سليمان ربما عجل بالإطاحة بالرئيس حسنى مبارك ودون أن يدرى

خلال إجتماع نائب الرئيس عمر سليمان مع رؤساء تحرير الصحف المصرية تحدث فى أشياء كثيرة وعدد مناقب الرئيس حسنى مبارك وأنه بطل من أبطال حرب أكتوبر ، وهاجم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل عندما أعربت عن إستعداد بلادها لإستقبال الرئيس مبارك فى ألمانيا لتلقى العلاج، وقال ساخرا : نحن نشكر المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل لكننا نعتبر كلامها تدخلا فى الشئون الداخلية" ،.. لكن أخطر ماورد فى تصريحاته هو أنه للخروج من الأزمة فإن مصر بين خيارين: إما الحوار وإما الإنقلاب ،.. وكان هذا التصريح بالذات وطبقا لتقارير صحفية أمريكية وإسرائيلية بمثابة ناقوس خطر دق فى واشنطن والبيت الأبيض، فالولايات المتحدة الأمريكية إعتادت على تدبير الإنقلابات العسكرية لكنها تكره أن تفاجأ بحدوث إنقلابات عسكرية لا سيما فى بلد صديق وحليف كبير للولايات المتحدة مثل مصر، وإذداد الموقف توترا وسخونة وألقى الرئيس أوباما خطابه الشهير بضرورة البدء الفورى فى عملية الإنتقال السلمى المنظم للسلطة فى مصر، وأن الوقت هو " الآن"  ... إلى أن ظهر نائب الرئيس فى السادسة مساء يوم الجمعة الموافق 11 فبراير 2011 ليعلن فى بيان مقتضب مدته 50 ثانية فقط عن تنحى الرئيس حسنى مبارك عن الحكم وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شئون البلاد خلال فترة إنتقالية.

لقد كانت ثورة 25 يناير 2011 مفاجأة للولايات المتحدة الأمريكية بقدر ما كانت مفاجأة للرئيس حسنى مبارك ونظامه، والدليل على ذلك هو مطالبة سيناتور ديان فاينستين ( من الحزب الديمقراطى الحاكم عن ولاية كاليفورنيا) رئيسة لجنة المخابرات فى مجلس الشيوخ الأمريكى بإجراء تحقيق حول فشل أجهزة المخابرات الأمريكية فى التنبؤ بقرب وقوع الثورة المصرية، .. لقد أربكت الثورة المصرية حسابات الإدارة الأمريكية وقلبت إستراتيجيتها الثابتة فى الشرق الأوسط منذ إنتهاء الحرب العالمية الثانية رأسا على عقب، وجعلها تطلق عليها وعلى الثورات العربية الأخرى إسم ثورات الربيع العربى، مع أن الثورة المصرية والثورات العربية الأخرى وقعت جميعها فى فصل الشتاء – لكنه شتاء ساخن ، علينا أن نلاحظ أن الرئيس أوباما فى خطابه الأخير عن الشرق الأوسط لم يذكر كلمة " ثورة" حين يتحدث عن الثورة المصرية أو الثورات العربية، وإنما استخدم كلمة " إنتفاضة" ، بعض وسائل الإعلام الإمريكية تستخدم كلمة ثورة أو الثورة المصرية، لكن الإدارة الأمريكية لا تستخدمها، والسبب فى ذلك أن الإدارة الأمريكية تؤيد الثورة المصرية باللسان فقط ، لكن " اللى فى القلب فى القلب" ،... كذلك فإن الولايات المتحدة تطالب ومنذ إدارة الرئيس جورج بوش الإبن بإجراء إصلاحات سياسية وديمقراطية فى مصر والعالم العربى، وهذا كذب بواح، لأن آخر شىء تريد أن تراه النخب الحاكمة فى واشنطون – وكما يقول الكاتب الأمريكى شيلدون ريتشمان – هو وجود ديمقراطية حقيقية فى مصر، ذلك لأنه إذا إجريت إنتخابات حرة ودون تدخل أو تزوير لإرادة الناخبين فإن الحزب الفائز بالضرورة سوف ينحاز إلى معاناة الشعب الفلسطينى المستمرة منذ عقود طويلة وسوف يطالب بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، وفى هذه الحالة سوف يصطدم بإسرائيل، وإذا حدث الإصطدام لا تتوقع أن تقف الولايات المتحدة مكتوفة الأيدى أو على الحياد فهى الضامن لأمن إسرائيل، ويدلل شيلدون ريتشمان على كلامه بما حدث فى الجزائر والإنتخابات التى فازت فيها حماس.

هذا هو ما قاله الكاتب الأمريكى ريتشمان، غير أننى أعتقد أن إدارة الرئيس باراك أوباما بعد التطورات الأخيرة فى المنطقة عازمة على التوصل لحل للمشكلة الفلسطينية، وبدأت تلوح فى الأفق بعض البوادر والشواهد على إجراء تغييرات إستراتيجية وجوهرية فى سياستها فى المنطقة والشرق الأوسط ، وهذا موضوع حديث آخر.

كاتب صحفى مصرى – كندى

[email protected]