رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ثم قلت له : " تسألنى أنا!.. ولماذا لم تسأل الرئيس السادات؟!”

مسعد حجازي

الثلاثاء, 31 مايو 2011 11:08
بقلم: مسعد حجازى

 

فى صيف عام 1978 كنت أعمل محررا فى القسم الدبلوماسى بوكالة أنباء الشرق الأوسط ، وحدث أن تم استدعاء أحد  الزملاء، وكان مندوبنا فى المطار ـ  الى خدمة الإحتياط فى القوات المسلحة، وكان ضابطا إحتياطيا أثناء خدمته فى الجيش، ووجدت إدارة التحرير صعوبة فى العثور على محرر آخر يحل محله فى المطار، نظرا لساعات العمل الطويلة فقد كانت "نوباتجية" العمل 12 ساعة متواصلة، وإحدى " النوباتجيات " تتطلب العمل المتواصل لمدة 24 ساعة كاملة مرة  فى الأسبوع ، ثم يحصل الصحفى على يومين متتاليين أجازة،..  ولما عرض على العمل فى مطار القاهرة الدولى لمدة ثلاثة أشهر فقط وافقت دون تردد على الرغم من ساعات العمل الطويلة وبعد المطار عن منزلى بأكثر من 30كم، ووجدتها فرصة وخبرة جديدة ثرية لصحفى شاب مفعم بالحماس والنشاط  ويحب مهنته حبا جما، فمطار القاهرة عالم قائم بذاته وهو البوابة الرئيسية لدخول مصر والخروج منها، وفرصة كبيرة للقاء كافة الشخصيات ... رؤساء دول وحكومات ووزراء وأمراء، ساسة وبرلمانيون ومن مشاهير الفنانين .. يعنى بإختصار مستودع هائل للأخبار والموضوعات.

واندهشت حين علمت أن بدء عملى فى المطار يتوقف فقط على الحصول على موافقة الجهات الأمنية قبل استخراج التصريح اللازم لى قبل العمل فى المطار، ولعل مبعث دهشتى هو أنه أثناء مرحلة تعيينى فى وكالة أ.ش.أ ، ومن ضمن مسوغات التعيين ضرورة الحصول مسبقا على موافقة أحد عشرة جهة أمنية، وحتى يومنا هذا لا أعرف على وجه الحصر ما هى كل هذه الأجهزة الأمنية ـ ربما أعرف 5 أو 6 أجهزة منها ـ  اللهم إلا إذا كان من بينها أجهزة الأمن الصناعى والأمن الغذائى والأمن الدولى،... لا أعرف لماذا فى مصر كل توقيع رسمى يتطلب حمايته بعشرة توقيعات فى الوقت الذى يتحدث فيه كبار المسئولين عن الثورة الإدارية والثورة التكنولوجية!!

ثلاثة أشهر قضيتها فى العمل فى مطار القاهرة تساوى فى نظرى ثلاثة أعوام ، وكانت فعلا تجربة مثيرة ومليئة بأحداث ووقائع وقصص وروايات يحتاج سردها إلى عشرات المقالات والكتب، وتعرفت فى المكتب الصحفى على كل الزملاء والزميلات من الصحفيين الشرفاء من مندوبى الصحف والمجلات المعتمدين فى المطار بإستثناء صحفى واحد كان يعمل مندوبا لصحيفة الجمهورية اسمه سمير رجب والذى لم أره فى المكتب الصحفى ولو مرة واحدة، والمرة الوحيدة التى التقيته فيها مصادفة ولبضع دقائق فقط كانت فى صالة الجمارك عندما قدمنى اليه أحد الزملاء، والذى سألته كيف لم أرى سمير رجب هذا فى المكتب الصحفى من قبل؟   فأجابنى زميلى قائلا : " لأنه مش فاضى" ، فعلقت فى سذاجة وحسن نية قائلا:

- يبدوا أن مصادره الصحفية فى المطار قوية ومتعددة تمده بالأخبار الهامة بالتليفون وهو مستريح فى منزله القريب من المطار!...

- ضحك زميلى من فرط سذاجتى وهو يقول: " مش فاضى لأنه " مشهلاتى "، وعرفت فيما بعد أن كل الصحفيين الزملاء إلا العبد لله يعرفون عنه صفة " المشهلاتى " أو " المخلصاتى " أى أن وظيفته الفعلية وشغله الشاغل هو المساعدة فى تخليص حقائب السفر من الجمارك والخاصة بالسادة كبار مسئولى التحرير ورئيس وأعضاء مجلس الإدارة فى صحيفة الجمهورية وأقاربهم عند سفرهم ووصولهم من الخارج !

كانت القاهرة فى ذلك الوقت محط أنظار العالم،  وبؤرة الإهتمام السياسى المشوب بالتوتر والقلق والترقب ، والمناخ السياسى العام فى مصر والشرق الأوسط ملبد بالغيوم والعواصف السياسية خاصة بعد قيام الرئيس السادات بمبادرته للسلام وزيارتة التاريخية للقدس وتداعياتها، ومرور شهور طويلة دون حدوث أى رد فعل إيجابى على المبادرة من إسرائيل ورئيس وزرائها مناحم بيجن، وتعثر عملية السلام والجهود الرامية لحل الصراع العربى الإسرائيلى والقضية الفلسطينية.

وكانت الحملات الإعلامية والتهديدات ضد الرئيس السادات والنظام المصرى من قبل كثير من الأنظمة العربية تتصاعد فى حدة، حتى أصبح الهاجس الأمنى الأول لأجهزة الأمن المصرية وشغلها الشاغل هو تأمين حياة الرئيس المصرى أنور السادات وحياة زوجته السيدة الأولى جيهان، .. وحياة كل الوزراء وكبار الصحفيين المصريين الذين رافقوا الرئيس السادات أثناء زيارته للقدس، وخاصة بعد حادث إغتيال الكاتب والأديب الكبير يوسف السباعى فى مطار قبرص، وبعد حادث إغتيال الصحفى البريطانى دافيد هولدن بعد دقائق من خروجه من مطار القاهرة الدولى  قادما من العاصمة الأردنية ، وهو الحادث الغامض الذى لم يحل لغزه حتى الآن أو يكتشف أحد هوية مرتكبيه.!!

وبطبيعة الحال كانت أجهزة أمن الدولة فى المطار فى حالة إستنفار دائم للقبض على أى عناصر مخربة أو إرهابية أو فرق إغتيال محترفة قد تأتى من الخارج وتستهدف حياة الرئيس المصرى، وكان تركيز الأجهزة الأمنية المصرية فى تلك الفترة الحرجة منصبا على متابعة وترقب أشهر المنظمات الإرهابية الدولية فى العالم فى ذلك الوقت وأبرزها منظمة " أبو نضال" أو صبرى البنا ـ أحد القيادات الفلسطينية المتطرفة ـ ، ومنظمة " بادر ماينهوف " الألمانية، ومنظمة  " الألوية الحمراء " الإيطالية ومنظمة الجيش الجمهورى الأيرلندى والتى كانت تحظى بدعم وتمويل خاص من العقيد القذافى ، ومنظمة الجيش الأحمر اليابانى،  وقد شاهدت بنفسى ولمست

عن قرب خلال تلك الفترة مدى إحتراف ويقظة أجهزة الأمن المصرى، وأنا أذكر هذا إحقاقا للحق وللتاريخ، ولذا فإننى قد أصبت بصدمة كبيرة وذهول عندما سمعت وأنا فى كندا بنبأ إغتيال الرئيس السادات فى أثناء حضوره العرض العسكرى فى 6 أكتوبر عام 1981، فقد كانت أجهزة الأمن تتوقع أن يأتى الخطر من الخارج، ولم يخطر ببال أحد أن يأتى الخطر فى مثل هذا اليوم التاريخى المجيد ، وبينما السادات وسط جنوده و " أولاده " ، وغاب عن أذهان الجميع القول المأثور : " ومن مأمنه يؤتى الحذر " !!.

كانت الشهور الثلاثة التى قضيتها  فى مطار القاهرة تجربة مثيرة شاهدت خلالها الكثير من الأحداث والمناظر، لكن هناك منظر بعينه لا يمكن أن يمحى من الذاكرة ما حييت... منظر عشرات التوابيت التى كانت تتوافد على المطار بصفة شبه  يومية قادمة من العراق الشقيق تحمل جثث لمصريين بسطاء كانوا يعيشون فى العراق، .. ومنظر مئات النساء من أهالى وأقارب القتلى المصريين الذين تكدسن على أبواب المطار لإستلام جثث ذويهن وهن متشحات بالسواد ، يصرخن ويولولن بعد أن فقد أكثرهن الأب أو الإبن أو العائل الوحيد لهن ومصدر رزقهن!! ..

وفى الحجر الصحى فى المطار كانت كل جثة لا تخلو من طلق نارى فى الرأس  أو القلب أو ضربة على الرأس بآلة حادة أو طعنة سكين أو " بلطة"... جرائم قتل بشعة ، ومع الجثة يأتى تقرير السلطات العراقية الرسمية عن سبب الوفاة: مشاجرة أو خناقة مع أحد الأشخاص أو قتل خطأ أو حادث طريق وما شابه ذلك من الأسباب الواهية ، وصدرت التعليمات  بعدم النشر  حفاظا على  " العلاقات الأخوية " بين الشعبين الشقيقين!!!!، ويتكرر نفس المشهد مع كل مرة تتوتر فيها العلاقات المصرية العراقية فلماذا ننسى أو نتناسى؟!!

!! لازالت عقلية درء الفتن وجلب المصالح تسود فينا ، فتزداد الفتن والجرائم والمؤامرات، ويدفع الثمن غالبا الآلاف والملايين من البسطاء الأبرياء.

منذ ذلك اليوم وأنا أكره صدام حسين ونظامه الدموى الفاشى، وأكره كل النظم المستبدة الغاشمة ، وعزائى أن ربك لبالمرصاد، فهو يمهل ولا يهمل!!

فى ذلك الوقت أيضا من صيف عام 1978 كان المدعى العام الإشتراكى يجرى تحقيقات شبه يومية ولعدة شهور مع الكاتب الصحفى الكبير الأستاذ محمد حسنين هيكل بسبب معارضته القوية لمبادرة الرئيس السادات، وكان هيكل يسبب صداعا مزمنا للسادات بسبب زياراته الخارجية وشبكة علاقاته الدولية المتشعبة والأحاديث التى كان يدلى بها ،والمقالات التى كان ينشرها فى كبريات الصحف العالمية وخاصة الإنجليزية والأمريكية، فتفتق ذهن السادات عن فكرة التحقيقات التى كان يجريها معه المدعى العام الإشتراكى إلى مالا نهاية ، وبالتالى تكون هناك ذريعة مقبولة لمنعه من السفر خارج البلاد، ولكن خاب ظن الرئيس السادات،  فبدلا من أن يسافر هيكل للخارج ويتصل بأجهزة الإعلام والصحافة الغربية والعالمية، كانت هذه الأجهزة وكبار الصحفيين الدوليين هم الذين يأتون إليه فى القاهرة لإجراء أحاديث معه.

وفى أحد أيام شهر يوليو وأثناء تواجدى فى صالة " الترانزيت "  فى المطار شاهدت الصحفى والمعلق التليفزيونى الأمريكى الكبير " رولاند إيفانز " يستعد لمغادرة القاهرة، وكنت قبلها بيومين قد كتبت برقية تفيد بوصوله إلى القاهرة لإجراء حديث خاص مع الرئيس السادات ضمن جولة لعدد من دول الشرق الأوسط يزور خلالها مصر وسوريا والأردن وإسرائيل، ويلتقى خلالها بالرئيس السادات والرئيس السورى حافظ الأسد والملك حسين عاهل الأردن ومناحم بيجن رئيس وزراء إسرائيل، وكانت لدى خلفية من قبل عن هذا الصحفى الأمريكى الكبير والذى كان يكتب مقالاته وتنشر تحليلاته السياسية بالإشتراك مع صحفى أمريكى آخر شهير هو " روبرت نوفاك " وتنشر مقالاتهما فى أكثر من 250 صحيفة أمريكية وأجنبية، وهذا النوع من الكتاب الصحفيين يطلق عليهم فى أمريكا وفى الغرب لقب  " Syndicated Columnist " ، وهذا النوع من الصحفيين والكتاب لا تعرفه الصحافة العربية أو ينطبق على أى صحفى عربى باستثناء كاتب صحفى واحد فقط هو  محمد حسنين هيكل، وحين أقرر هذه الحقيقة فليس ذلك بالضرورة إعجابا منى به ، ولكن هو حقه الذى لا يجب أن نبخسه إياه مهما كانت مساحة إختلافنا مع بعض آراءه أو توجهاته.

كان الصحفى الأمريكى رولاند إيفانز فى ذلك اليوم غاضبا متجهما الوجه ، ووجدته يجذب حقيبته  " الهاند باك " فى ضجر وهو يزعق فى أحد العاملين بالمطار، فتقدمت نحوه مخاطبا إياه بإسمه لأرحب

به وأسأله عما إذا كان قد فقد إحدى حقائبه؟ فأجابنى بالنفى، ولاحظت على قسمات وجهه الذى كان للتو غاضبا ابتسامة خفيفة لا تخلو من الدهشة ربما لأن أحدا قد تعرف عليه فى هذا المكان المزدحم، وبادرت على الفور بتقديم نفسى له، ودعوته على فنجان قهوة فى " الكوفى شوب " الوحيدة فى صالة الترانزيت، وكان هناك متسعا من الوقت وقبل إقلاع طائرته،  فجلسنا على " الكاونتر" الدائرى الذى كان خاليا تماما، هو يجلس على يمينى والزميلة ماجدة الجندى مندوبة روزا اليوسف أو مجلة صباح الخير فى ذلك الوقت تجلس على يسارى، طبعا كنت أعرف أنه التقى فى صباح ذلك اليوم مع الرئيس السادات فى لقاء خاص وأردت أن أعرف منه ما الذى دار بينهما من حديث ، حاولت التمهيد لذلك بأن أسأله أولا عن سبب غضبه فقال لى أنه غاضب من الطريقة التى عومل بها بعد انتهاءه من لقاء الرئيس السادات، فسألته عما حدث فشرح لى أنه منذ اللحظة التى وصل فيها إلى القاهرة قبل  يومين وحتى موعد اللقاء مع الرئيس السادات عامله المسئولون فى المطار وفى المكتب الصحفى وهيئة الإستعلامات معاملة " شخص مهم جدا " VIP ... استقبال فى المطار عند الوصول وترحيب حار به فى صالة كبار الزوار،  وسيارة ليموزين ومرافق حتى الفندق الذى نزل به وكل طلباته أوامر، ولم يكد ينتهى اللقاء مع الرئيس السادات حتى وجد نفسه وحيدا مهملا ، وبقدرة قادر اختفى المرافق واختفت السيارة الليموزين، وكان عليه أن يستقل أحد التاكسيات العادية، ويبدو أنها كانت قديمة متهالكة أو انتهى عمرها الإفتراضى، فتعطلت به فى الطريق إلى المطار، وكان عليه أن يبحث عن تاكسى آخر فى هذا الجو الحار وعند وصوله الى المطار كان عليه أن يقف فى طابور طويل من المسافرين بينما هو عند وصوله الى مصر كما ذكرت كان قد تم استقباله فى صالة كبار الزوار.!!!

سألت " مستر إيفانز "  عن سبب زيارته للقاهرة ومقابلته للرئيس السادات وقيامه بجولته فى الدول الأربع فى ذلك التوقيت بالذات فقال لى إن الهدف الوحيد من كل هذه الجولة الشاقة هو الإجابة على سؤال واحد فقط لا غير :

- ماذا سيكون رد فعل الرئيس السادات والموقف المصرى،  وردود الفعل العربية إذا استمر تعنت رئيس الوزراء الإسرائيلى مناحم بيجن ورفض أن يرد إيجابيا على مبادرة  السادات؟!

- وهل أجابك الرئيس السادات على سؤالك ؟

- لقد قال لى أنه لازال متمسكا بمبادرته للسلام، وأنه سوف يحاصر بيجن بالسلام وسوف يكون صبورا معه إلى أقصى حد.

- وهل إقتنعت بما قاله السادات؟

- لقد أحسست بالصدق فى كلامه، وأعتقد أنه مخلص فى توجهه نحو السلام... لا تنس أن الرئيس السادات أصبح يتمتع بشعبية كبيرة داخل أوساط الشعب الأمريكى ( نفس الجملة سمعتها فيما بعد من بيير إليوت ترودو رئيس وزراء كندا حين حدثنى عن شعبية الرئيس السادات داخل كندا بعد مبادرته للسلام ) والولايات المتحدة والعالم كله يريد لهذه المبادرة أن تنجح.

وأخذت ألقى على مستر ايفانز الأسئلة واحدا تلو الآخر، وكان الرجل كريما معى وأجاب على كل أسئلتى، وبعد أن أخذ رشفة من فنجان القهوة العربية ، وقبل أن أسأل سؤالا جديدا وجدته فجأة يلتفت نحوى وهو يقول:

- دعنى أسألك سؤالا: ماذا عن محمد (حسنين ) هيكل ؟ ما الذى يجرى معه؟

كان سؤال مستر ايفانز لى مفاجأة لم أكن أتوقعها ووجدت الزميلة ماجدة الجندى تميل ناحيتى وتهمس فى أذنى قائلة:

" حاسب وبص حواليك " ، ونظرت أمامى فوجدت الكاونتر الذى كان خاليا منذ ثلث ساعة أصبح يجلس عليه نحو ثلاثة أو أربعة أشخاص من رجال الأمن والمخبرين السريين،  يحاولون الإنصات لحديثى مع الصحفى الأمريكى ومعظمهم يتظاهرون بقراءة الجرائد ، وقلت لزميلتى وأنا أبتسم " ولا يهمك فلن يفهم أحد منهم شيئا من حديثنا " ، ثم بادرت أجيب مستر ايفانز على سؤاله متظاهرا بعدم الإكتراث:

- لا شىء سوى أن المدعى العام الإشتراكى يجرى معه تحقيقات سياسية منذ فترة ولازالت التحقيقات معه مستمرة حتى الآن.

- أعرف هذا ولكن لماذا؟ وهل قبض عليه؟

- لا لم يقبض عليه .

- وما هى التهمة الموجهة إليه؟

- حقيقة لا أعرف.

- دعك من هذا الهراء . أنت بالتأكيد تعرف السبب.. ألست تعمل صحفيا فى MENA ؟ ( إختصار الحروف الأولى لوكالة أنباء الشرق الأوسط بالإنجليزية )

-

وهنا أحسست بالصحفى الأمريكى الكبير يضيق الخناق حولى بأسئلته التى كانت أشبه بالإستجواب، ومنظر " حبايبنا الحلوين " الجالسين على الكاونتر يسترقون السمع لحديثنا يجعل من الصعب على الإحتفاظ برباطة الجأش، وكان لابد لى من الخروج من هذا المأزق وبطريقة مشرفة فبادرته قائلا وفى لهجة مليئة بالثقة والتحدى ولا تخلو من التهكم:

- مستر إيفانز : إن الذى أصدر أمر التحقيقات مع هيكل هو الرئيس السادات، وأنا مجرد محرر صحفى صغير، ولم أقابل الرئيس السادات لأسأله بل أنت الذى قابلته صباح اليوم فلماذا لم تسأل الرئيس السادات هذا السؤال؟!!

-

صمت الصحفى الأمريكى الكبير برهة مرت على كالدهر  ( وكانت أحاديثه الصحفية والتليفزيونية  تتسم بالجدية والصرامة ) وتألقت عيناه وهو يصوبهما نحوى كالسهام وبادر يسألنى:

- كم يبلغ عمرك؟ فأجبته على الفور ضاحكا:

- أقل من عمرك كثيرا .

ابتسم رولاند إيفانز ابتسامة عريضة أحسست أنها طبيعية وغير متكلفة ، وكانت من المرات القليلة التى رأيته فيها مبتسما.

بعد هجرتى إلى كندا، ولسنوات طويلة، كنت أحرص على قراءة مقالات رولاند إيفانز وتحليلاته السياسية، وعلى مشاهدة برنامجه التيفزيونى الشهير الذى كان يقدمه على قناة الـ سى إن إن بالإشتراك مع الصحفى المخضرم روبرت نوفاك بعنوان " إيفانز آند نوفاك" ، وأعترف أن حواراته التليفزيونية التى تميزت بالجدية والحرفية والموضوعية وبحثه عن الحقيقة قد أفادتنى شخصيا عندما كنت أقدم برنامجا أسبوعيا فى التليفزيون الكندى، لذا شعرت بالحزن والأسى عندما  علمت بالصدفة أن الصحفى والمعلق التليفزيونى الكبير " رولاند ايفانز " قد رحل عن عالم الصحافة وعن العالم كله،.. ولازال الصحفى الكبير محمد حسنين هيكل يثير الجدل والنقاش ، ويطل على ملايين العرب من خلال أحاديثه فى قناة الجزيرة رغم أنه تجاوز الثمانين عاما، أطال الله فى عمره، ومهما كانت مساحة الإتفاق أو الإختلاف معه، فهو ظاهرة فريدة فى الصحافة العربية لن تتكرر مرة أخرى.

كاتب صحفى مصرى – كندى

[email protected]