القضية أكبر من مبارك أو موسى أو البرادعى أو حتى المجلس العسكرى:

الحقيقة العارية: لا تغيير حقيقى فى ظل الوصاية على الشعوب

مسعد حجازي

الأربعاء, 11 مايو 2011 10:32
بقلم : مسعد حجازى

 

عندما ينظر أى محلل أو مراقب للشأن المصرى سرعان ما يصاب بالدهشة والتعجب من كم المتناقضات الكثيرة فى الشئون المصرية السياسية والإقتصادية والإجتماعية ربما الى حد يشعر معه المرء أن النظام الحاكم له مصلحة فى وجود مثل تلك التناقضات، وكأنه يتبع سياسة " راقب ووازن"  Check And Balance الأمريكية ، ولكن على الطريقة المصرية، فعلى سبيل المثال إذا نظرنا الى قضية الديمقراطية وحرية التعبير، نجد أن النظام السابق كان يتباهى منذ عقود بأن مصر تعيش أزهى عصورها الديمقراطية، .. ومن حقه أن يدعى كما يشاء ، لكن النظام لم يسأل نفسه كيف يستقيم هذا التباهى مع إستمرارية العمل وفق قوانين الطوارىء التى تم فرضها منذ إغتيال الرئيس أنور السادات فى أكتوير 1981 وحتى يومنا هذا؟!

قبل خلع الرئيس مبارك من الحكم بأيام قليلة ذكر نائب الرئيس اللواء عمر سليمان خلال حديثه التليفونى مع نائب الرئيس الأمريكى جوزيف بايدن أن الشعب المصرى غير مؤهل بعد للديمقراطية ، وقبل ذلك  ببضعة أعوام  صب المصريون جام غضبهم، ووجهوا سهام نقدهم اللاذع صوب رئيس الوزراء الجديد الدكتور أحمد نظيف بعد أن صرح للمعلق التليفزيونى الأمريكى  " تيم راسرت" فى برنامجه الشهير " واجه الصحافة"  Meet The Press  بما معناه أن المصريين غير ناضجين بعد لتقبل جرعة كبيرة من الإصلاحات الديمقراطية فى مصر والتى كان يطالب بها الرئيس الأمريكى جورج دبليو بوش، وأعتبر البعض أن تصريح نظيف كارثة وإهانة لا تغتفر.

فى الواقع إن ما قاله عمر سليمان أو أحمد نظيف لا هو كارثة ولا يحزنون وإنما هو قول حق لا مراء فيه، .. قد يفتقر إالى الدبلوماسية والكياسة أوالحنكة السياسية، وهذا ليس ذنب دكتور نظيف فهو أولا وقبل كل شىء مجرد " تكنوقراط" وليس وزيرا سياسيا شاءت الأقدار والظروف السياسية أن اختاره الرئيس حسنى مبارك رئيسا للوزراء، فهو لم يتبوأ منصبه عن طريق الإنتخاب الحر الديمقراطى وإنما بموجب إرادة الرئيس مبارك.. الكارثة الحقيقية تكمن فى أن دكتور نظيف وهو رئيس وزراء لم يسأل نفسه أو لم يسأله أحد: وما الذى فعلته يا دولة رئيس الوزراء أنت وأسلافك الصالحين ورئيسك المفدى والذى كان  بيده كل مقادير الحكم والسلطات طوال العقود الماضية كى تعينوا شعب مصر الكادح القاصر الغير ناضج على أن يصبح راشدا وناضجا؟!!

وكيف ينضج هذا الشعب أصلا  بينما الحكومات المتعاقبة عليه شجعت سياساتها المتضاربة على تفشى المظالم وتقنينها بقوانين ما أنزل الله بها من سلطان، وعلى انتشار الفساد حتى استشرى فى المجتمع كالسرطان؟!

فى الحقيقة لو أننا أمعنا النظر فى تصريح دكتور نظيف فى جوهره – أو كلام اللواء عمر سليمان - لأكتشفنا عدة حقائق بالغة الخطورة:

أولا هذا التصريح يقدم الدليل الدامغ على النظرة الحقيقية التى ينظر بها السادة الحكام فى مصر الى الشعب المصرى.. نظرة فوقية متعالية من جانب طبقة حاكمة احتكرت لنفسها وحدها الرشد والرشاد والحكمة وحق الوصاية على شعب قاصر لم ينضج بعد، وليس كما قيل لنا ونحن صبية صغار أنه " شعب زاحف خطوته تولع شرار"!.

ثانيا: أن تصريح د. نظيف يكشف عن تناقض صارخ بين لغة الخطاب السياسى داخل مصر ولغة الخطاب السياسى للساسة المصريين خارج مصر، خاصة عند زياراتهم لدول الغرب ، ذلك لأنه لا يجرؤ أى مسئول مصرى على الإدلاء بمثل هذا التصريح داخل مصر لتعارضه مع النغمة السائدة التى ظل يرددها الإعلام الرسمى لسنوات طويلة بأن مصر تعيش فى عصر مبارك أزهى عصور الديمقراطية والحرية!!.

ثالثا: النظام الحاكم فى مصر – سواء قبل الثورة أو بعدها - يتبع أسلوب الجزرة والعصا، وهو أسلوب أشتهرت به السياسة الأمريكية ولكن أيضا على الطريقة المصرية،  فالجزرة هى فى تقديم مصر للغرب كما لو كانت جزءا من الغرب، وطبقا لهذا فإن التعددية السياسية تصبح أمرا مقبولا، .. طبعا بشرط أن تكون هذه التعددية  فى حدود.

اذا قارنا الوضع الحالى بفترات سابقة فى مصر فبلا شك يوجد قدر معين من حرية التعبير، فتوجد صحف معارضة ذهبت فى النقد فى بعض الأحيان الى مدى بعيد، ومع ذلك ولعقود طويلة وحتى وقت قريب كانت هناك بعض القضايا ممنوع تناولها بالنقد تماما مثل شخصية الرئيس وأفراد أسرته، والجيش والشرطة، .. أحيانا يحدث تعذيب فى السجون، وبعض حوادث التعذيب قد جرى تسريبها للصحافة. الشىء الذى ظل خارج دائرة الحوار الوطنى هو الدفاع عن وجهات نظر المتطرفين الإسلامويين والذين ينظر اليهم على أنهم التهديد الرئيسى والعدو الأول ، سواء كان هذا صحيحا أم مجرد فزاعة سحرية للغرب.

رابعا : قذ يظن المواطن المصرى أو القارىء أن المتناقضات الكامنة فى لغتى الخطاب السياسى والدينى للنظام الحاكم بين الداخل والخارج هى سياسة اصطنعها النظام عن عمد للمحافظة على استمراره فى الحكم أطول مدة ممكنه ، غير أن النظرة التحليلية الموضوعية والمتعمقة للأمر تكشف لنا أن هذه الظاهرة هى فى الواقع نتاج عقلانى للموقف .. كيف؟!

النظام الحاكم فى مصر يريد لنا أن نكون جزءا من العالم الديمقراطى ولكننا غير قادرين على أن نكون ديمقراطيين، وهناك سبب رئيسى لذلك هو:

فلتقل أن العالم مقسم الى دول متقدمة وأخرى نامية.. المشكلة الرئيسية للدول النامية أو المتخلفة تكمن فى اللحاق بالدول المتقدمة بينما  الدول المتقدمة لديها كل المصلحة فى أن تكون ديمقراطية لأنه لا توجد دول أخرى أكثر تقدما، وأن قيم الديمقراطية تنبع من داخل المجتمع وتصبح التعددية السياسية ممكنة ويزداد التنافس ويتحسن التطور والأداء.

فى الدول النامية نحن نحاول أن نلحق بالركب وأصبحت المحاولة أكثر صعوبة، فكل مدرسة من مدارس الفكر السياسى ترى نفسها أفضل من المدارس الأخرى لتحقيق التقدم.، لهذا فإن الآخر بدلا من أن يعد عامل ثراء أصبح ينظر اليه على أنه مصدر ازعاج أو عقبة من وجهة نظرك، لذا فإن غياب الديمقراطية أو ضعفها يصبح فى صميم بنية المجتمع نفسه، .. عندما يتحدث النظام عن الديمقراطية فإنه يعرض صورة للغرب، ولا يعنى بالضرورة أنه يريد أن يطبق هذا النظام الديمقراطى كاملا وعمليا فى مصر ، فمن ناحية النظام يرى أن ثمة حاجة فى بيع هذه الصورة للغرب لأن له معه مصالح حيوية واستراتيجية، ومن ناحية أخرى فإن المشكلات التى تظهر من داخل المجتمع تضطره لأنتهاك الفكرة أو الصورة على الدوام .

ثمة إشكالية أخرى أو معضلة بالغة الصعوبة وحلها يكاد يفوق قدرة النظام الحاكم فى مصر أو أى بلد عربى على حلها تتعلق بالمفهوم المصرى وأيضا العربى والإسلامى للديمقراطية نرى أنه يختلف تماما عن المفهوم المتعارف عليه والمطبق فى المجتمعات الغربية، وأستأذن القارىء فى الإسهاب فى توضيح هذه الإشكالية وأبعادها.

الديمقراطية مصطلح يونانى يتكون من كلمتين: " ديموس " بمعنى حكم، و" قراتس "  بمعنى الشعب، أى حكم الشعب أو بمعنى أدق حكم الشعب بالشعب ولصالح الشعب، وكثيرا ما يحلو لتيار " السلفيون/ النصوصيون" الإدعاء بأن الشورى فى الإسلام هى الديمقراطية ويستندون فى ذلك على آية " وشاورهم فى الأمر"، وهذا ينم عن جهل فاضح أو خلط غريب للأمور عن عمد ، فشاورهم فى الأمر ليست ديمقراطية بمعناها ومفهمومها المتعارف عليه والمطبق فى المجتمعات الغربية المتحضرة أو فى الهند مثلا – أكبر ديمقراطيات العالم. . الشورى فى الإسلام يمارسها الحاكم الرشيد على القاصرين لكنها غير ملزمة له، فقد يحدث أن يدلى القاصر برأيه للرشيد فى أمر من الأمور لكن الرشيد غير ملزم أن يأخذ به إلا إذا كان موافقا لرأيه هو، وهذا هو ما تعنيه آية " وشاورهم فى الأمر فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين".

فالشورى إذن ليست ديمقراطية لآنها لوكانت كذلك فلماذا إذن تنشد الشعوب العربية الديمقراطية وتطالب بها؟!

الشعوب العربية تريد الديمقراطية الحقيقية لا ديكورا ديمقراطيا،  فمن أين وكيف تحصل عليها؟  هل تحصل عليها من باراك أوباما أو نيكولاى ساركوزى أو أنجيلا ميركل ؟! ، ولماذا وهى فى الأصل موجودة فى أيدينا بين دفتى المصحف فى آية : "  فذكِّر إنما أنت مذكر .. لست عليهم بمسيطر".

إن الديمقراطية فى جوهرها تعنى حق الخطأ .. تعنى أن تقول ما تشاء، وأن تعمل ما تريد شريطة أن تتحمل المسئولية الكاملة عن قولك وعملك.

إن آية "وشاورهم فى الأمر هى آية " وصاية"، وأما " فذكر إنما أنت مذكر .. لست عليهم بمسيطر" فهما آيتا " مسئولية، ولكى تتحقق الديمقراطية الحقيقة فى المجتمعات العربية على أرض الواقع ومن منطلق إسلامى صحيح ومستنير فإنه لا مفر أمامنا من سبيل سوى تفعيل كل آيات المسئولية.، ولكن توجد إشكالية كبيرة : هذه الآية -  " فذكر إنما أنت مذكر" -  منسوخة!! ، ولا أريد هنا أن أدخل فى تفاصيل وشرح ماذا يعنى النسخ، وأسبابه أو شرح الناسخ والمنسوخ وحتى لا نخرج عن السياق، وأكتفى بالقول أن حل هذه الإشكالية ليس عندى وإنما عند كبار رجال الدين من الثقات المستنيرين والمجددين وهم قلة، وليس عند شيوخ الفضائيات العربية وأصحاب "النيو لوك" الذين أصبحوا يمطروننا طوال الفصول الأربعة بفتاوى ما أنزل الله بها من سلطان - فتاوى باتت مصدرا للسخرية والبلبلة والإساءة لجوهر الدين الإسلامى الحنيف والذى هو منها ومن أصحابها براء، وكيف لا يكون هذا هو حالنا ومآلنا وقد سمحت الفضائيات الحكومية والخاصة لكل من هب ودب أن يعظ ويفتى بغير علم بعد أن تحول الدين فى زمننا الأغبر هذا إلى أكبر تجارة وأسرع طريق للثراء .

إن المراقب للبرامج الدينية وبرامج  "حوار الطرشان " حول المسائل الفقهية والدينية التى تبثها الفضائيات العربية يشعر بقدرة

قادر أنه يعيش فعلا فى زمن القرون الوسطى البالية وليس فى القرن الواحد والعشرين.

رحم الله الإعلامى الكبير أحمد فراج وبرنامجه التليفزيونى " نور على نور"، والذى كنت أحرص على متابعته كل يوم جمعة وأنا دون العشرين،...  كان رحمه الله إعلاميا قديرا، ومحاورا متمكنا من أدوات حرفته، واسع الإطلاع والثقافة الدينية والعامة، يحترم نفسه وضيوفه من العلماء الأجلاء وكبار رجال الدين من الأزهر الشريف، وقبل كل شىء كان يحترم المشاهد ولا يستخف بعقله، وكان يستضيف فى برنامجه علماء وشيوخ ورجال دين أفاضل من أمثال الدكتور عبد العزيز كامل والشيخ الدكتور عبد الحليم محمود والشيخ الدكتور عبد الرحمن البيصار والشيخ سيد سابق والشيخ محمد الغزالى والشيخ محمد أبو زهرة والدكتور أحمد شلبى والدكتور البهى الخولى وآخرين غيرهم، وكان أحمد فراج هو أول من استضاف فى برنامجه الشهير الشيخ محمد متولى الشعراوى بعد عودته الى مصر من السعودية فى أوائل السبعينات من القرن الماضى، وقدمه للمشاهد المصرى حتى ذاع صيته فى الآفاق وأصبح أشهر داعية دينى فى مصر والعالم العربى.

لم يكن " نور على نور" مجرد أحد البرامج الدينية التليفزيونية بل كان درسا دينيا أسبوعيا تتلقاه ملايين المشاهدين على أيادى علماء ورجال دين ومفكرين، .. يناقشهم أحمد فراج ويحاورهم على إختلاف مشاربهم وأطيافهم واجتهاداتهم الدينية بلغة راقية وأسلوب هادىء مهذب، والجميع يتحاورون بأسلوب متحضر ودونما احتداد فى النقاش أو مقاطعة أو غلو أو تطرف فى الآراء، فأين برامج الحوار الدينى التليفزيونى اليوم من برنامج نور على نور؟!!

إن التليفزيونات الحكومية والفضائيات العربية دون استثناء هى أحد الأسباب الرئيسية لإنتشار الفكر الدينى المتطرف، ولا أظن أن الأمر محض مصادفة وإنما سياسة ومخطط إعلامى مدروس ومبرمج ذو نوايا وأهداف خبيثة، ذلك لأنى على قناعة تامة بأن الأمة فيها علماء ورجال دين أفاضل يتميزون بالإعتدال فى آرائهم والحكمة والموعظة الحسنة ويعرفون صحيح الدين ولا يبتغون سوى مرضاة الله ومع ذلك لا يستضيفهم أحد فى هذه البرامج المسماه بالدينية.

لقد ذكرت فى أحد مقالاتى السابقة أن المشكلة تكمن فى أن " فولت " المشاعر الدينية المتأججة هو " فولت عالى " ، .. يحتاج إلى " منظم " يضبط قوته وسرعته قبل أن ينفجر" ، واليوم أقول أن المشاعر الدينية المتأججة قد أصبحت حالة من الهوس الدينى الذى نشاهد آثاره فى كل مكان.

لقد أصبح واضحا للعيان أن كافة النظم العربية الإستبدادية تستغل الدين فى استغلال شعوبها لخدمة مصالحها الذاتية، وتكريس البقاء على كراسى الحكم والسلطان، ولذا فهى تسخر شعوبها لمصلحتها، وتعمل على انتشار الجهل والأمية، .. لا توجد ديمقراطية حقيقة أو حرية حقيقية بغير توعية رشيدة، والتوعية الرشيدة لا يمكن أن تتحقق فى مجتمعاتنا العربية إلا بنشر الفكر الإسلامى الصحيح لا فقه البداوة الصحراوى أو من خلال فوضى الفتاوى الدينية لكل من هب ودب التى تبثها علينا الفضائيات العربية!.

 

إن المجتمعات الغربية المتقدمة بلا شك تغلب عليها النزعة المادية العلمية أكثر من النزعة الروحية العقائدية، فالمرء فى تلك المجتمعات غالبا ما يشعر أنه إذا توافرت لديه كل أو معظم احتياجاته المادية فهو عندئذ تقل حاجته إلى الروحانيات، وأما فى مجتمعاتنا العربية الشرقية فإن الناس البسطاء وهم الأغلبية تغلب عليهم النزعة العاطفية، ..  يلجأون للدين لأنهم البؤساء فى الأرض يحيون حياة البؤس والقهر والحرمان.. والفوضى والزحام وتأثيرهما على الجهاز العصبى للإنسان.

إن الناس فى المجتمعات الشرقية أغنياء فى العقيدة، إلا أنهم فقراء فى العلم والمعرفة، والناس فى المجتمعات الغربية أغنياء فى الماديات والعلم والمعرفة لكنهم فقراء فى الروحانيات والعقائد، ولقد بدأت المجتمعات الغربية فى العقود الأخيرة تدرك أن الماديات وحدها ليست كافية لتحقيق حياة الإستقرار والسعادة، فعادوا يبحثون فى الروحانيات ليس فى المسيحية لكن فى الديانات الهندية والبوذية والإسلام.

إن الشعوب العربية تتعرض لعملية ضغط مستمرة نتيجة للتخلف الحضارى الذى تعانيه، والرضوخ تحت نير أنظمة قمعية مستبدة وفاسدة من ناحية، ونتيجة للتحديات الغربية والغزو الحضارى والتكنولوجى من ناحية أخرى، وبناء عليه يجد المواطن العربى نفسه أمام أربعة خيارات عليه أن يلوذ بأحدها: الدين أو الهجرة أو المخدرات أو الجريمة.!!

غير أن غالبية الناس فى مجتمعاتنا العربية حين يلجأون للدين لا يتمسكون بصحيح الدين، .. أصبحوا يتمسكون بالقشور، بالشكل والمظهر لا بالجوهر والمضمون .. يتمسكون بالحجاب أو النقاب أو إطلاق اللحى أو إرتداء السراويل الباكستانية لا بالصدق فى الحديث والإخلاص فى العمل ونصرة المظلوم، ونبذ النفاق والموبقات واحترام المواعيد وحقوق الآخرين .. الخ،  وكأن المظهر نهاية المطاف. .. كل هذا من شأنه أن يمنع حدوث التغيير الحقيقى، والذى لا يمكن أن يحدث إلا بفهم جديد للدين وبتطوير التشريع الإسلامى.

إن التغيير الصحيح لا يأتى فجأة وإنما بالتدريج، وهو يأتى نتيجة لتغيير الأفكار وتطورها وليس بتغيير الشكل أو الزى أو الملابس.

إن التغيير الحقيقى لا يمكن أن يفرض من الخارج، وإنما ينبع من الداخل .. داخل الإنسان عن إقتناع، وداخل المجتمع عن رؤية إصلاحية مستنيرة، ولكى يتحقق من الداخل لا بد من وجود مفكرين وعلماء وفلاسفة وتنويريين ومصلحين فى كل مناحى الحياة، وهؤلاء للأسف أصبحوا قلة فى مجتمعاتنا العربية لأن الأنظمة الإستبدادية كانت دائما ولا تزال لهم بالمرصاد، فإما أن تعمل على شرائهم أو إفسادهم، وإما بقمعهم والبطش بهم.

عندما يعم الفساد وتنتشر المظالم، وتتهاوى أعمدة الحكمة، وترتفع معدلات البطالة والعنوسة، وتضيق سبل الحياة، وتوصد أبواب الرزق فى وجه المواطن المغلوب على أمره، عندئذ يلجأ إلى المطلق، ويصبح الدين لهذا المواطن هو الملجأ والملاذ، وقد يقع فريسة للتطرف والغلو، وهذه وحدها مأساة جرت وتجرى فصولها عند بعض أتباع دين يتميز فى جوهره  بالإعتدال والوسطية ولكن أكثر الناس لا يعلمون.!

مشكلة التيار المتأسلم أو الإخوانى الأصولى أو /السلفى/النصوصى هى أنه تقوقع على نفسه وحصرها فى قوالب جامدة ... كثير من الصراخ والعويل، وقليل من الفكر والتأمل فى أحوالنا ومآلنا.

التغيير الحقيقى يمكن أن يحدث إذا نحن جميعا بدأنا نفكر بصوت عال، بدلا من الصراخ بصوت عال ودون تفكير.

التغيير الحقيقى سوف يحدث عندما ينتهى عهد الوصاية على الشعوب، ويبدأ عهد المسئولية.

مسئولية الحاكم والمحكوم من خلال عقد إجتماعى جديد – دستور جديد - ينص على ضمان حقوق المواطنة للجميع، وليس فقط للراشد دون القاصرين. دستور جديد يا أسيادنا.

سئل " فولتير" عمن سيقود الجنس البشرى فأجاب:

" الذين يعرفون كيف يقرؤون ".

*كاتب صحفى مصرى - كندى

[email protected]