الإخوان المسلمين بين قدسية الدين ودهاليز السياسة!!

مسعد حجازي

الأحد, 01 مايو 2011 14:47
بقلم - مسعد حجازى:


الناس معادن،  كالذهب والفضة، والنحاس، والرصاص، .. والدين هو المصهرة الذى ينقى  المعادن من الشوائب، لكنه لا يحول رجلا  معدنه مصنوع من نحاس إلى رجل معدنه من ذهب، .. ولقد نزل الدين على سيدنا عمر بن الخطاب رضى الله عنه كما نزل على أبى لهب وعلى عبدالله بن سلول، ولكنه لم يجعل من الأخيرين إلا مثالين من أمثلة  قساوة القلب، وغلاظة اللسان، ومن  الخسة، والنفاق.

إن الخوض في أصول الدين ـ أى دين ـ هو سير في الوادي المقدس، تخلع فيه النعلان، والدخول إليه يكون من باب الخشوع والرغبة المخلصة الصادقة فى البحث عن الحقيقة، والرشد والهداية، ممن يطلبون الآخرة بحسن العمل في الدنيا.. والذى يمكن أن يتحقق بالعمل على نشر السلام، وإشاعة المحبة والخير بين الناس، والعمل بجدية وإخلاص في إصلاح أمورهم وأحوالهم، والمساواة بينهم فى الحقوق والواجبات، وإقامة العدل، ونشر الحق، والخير بين الناس، بالحكمة والموعظة الحسنة، وبكل السبل والوسائل المشروعة...، وأما إذا دخل المرء فيه من باب السياسة ودهاليزها أو العكس ـ أى دخول السياسة من باب الدين ـ فهو دخول من " الشباك " أو الأبواب الخلفية يقلل من وقار الدين ويفسده، وينذر بأخطر العواقب والشرور وجلب الفتن ... لماذا؟

لأن السياسة هى فن الممكن، وفن التعامل مع الواقع وفى نفس الوقت محاولة خلق البدائل، وهذا هو التعريف المهذب، أما التعريف غير المهذب فهو أنها أيضا فن " السفالة وقلة الأدب " حول طاولة المفاوضات ومن فوقها وتحتها،  والضرب تحت الحزام، والتحالف مع الشيطان فى سبيل المصالح،.. حتى الحروب نفسها ما هى إلا سياسة لكن بوسائل أخرى تستخدم فيها كافة أنواع الأسلحة من دبابات وطائرات وسفن حربية.

والسياسة فن وعلم له أصوله وقواعده ولا علاقة له بعلم الأخلاق أو قيم ومثل الأديان العليا، ولا مجال فيه للعواطف.

وفى السياسة لا توجد صداقات دائمة ولا عداوات دائمة إنما توجد فقط المصالح الدائمة ...

السير فى السياسة هو سير فى حقل ألغام ملىء بالدسائس والمؤامرات والطموحات والمصالح الشخصية والأهواء وأطماع النفس البشرية الأمارة غالبا بالسوء.!

والسير فى طريق السياسة هو سير فى واد " غير مقدس "، لا تخلع فيه النعلان، بل هى تستخدم عند الضرورة للضرب على الرءوس فى البرلمان!!.

إن من يريد أن يتسلق سلم السياسة وبسرعة ( غالبا على أكتاف البسطاء) سرعان ما سيكتشف وهو فى منتصف الدرج أن كلبا من فصيلة الــ " دوبرمان " يتبع خطواته اسمه " الأنا ".

والعلاقة بين قضية الدين والسياسة هى فى الواقع علاقة " الدين والدولة "، وهى مسألة تاريخية ومتعددة الجوانب والزوايا والأبعاد، وإذا كانت أوروبا  بعد تجارب طويلة لها خصوصيتها،  وأبرزها سيطرة الكنيسة الكاثوليكية فى العصور الوسطى على كل مقدرات الحياة باسم الدين قد أرتأت ضرورة فصل الدين عن الدولة، وهو ما يطالب به جموع فريق العلمانيين فى مجتمعاتنا العربية ـ الأمر الذى أدخلهم فى " حرب بسوس " طاحنة مع فريق الأصوليين/ النصوصيين/ السلفيين ومنهم جماعة الإخوان المسلمين فإن حل المشكلة، ودون مراعاة خصوصية المجتمعات العربية القبلية الطابع وتاريخها الشائك لا يكون حلا إنما يصبح مشكلة جديدة تضاف إلى جبل المشكلات المتراكمة، لأنه يتعين أولا القيام بعمليات " فض اشتباك " لعدة قضايا بالغة الأهمية يعانى منها الواقع فى مجتمعاتنا العربية، ثم القيام ثانيا بعملية تصحيح لكثير من المفاهيم الخاطئة أو المغلوطة نعرض لأهمها  فى النقاط والأسباب التالية:

أولا: إن المجتمعات العربية كلها ـ ولا أقول مجتمعات العالم الإسلامى ـ هى فى جوهرها مجتمعات دينية أو يغلب عليها الطابع الدينى، تحكمها جميعا أنظمة حكم علمانية بلا استثناء بما فيها نظام الحكم فى المملكة العربية السعودية.

ثانيا: هذا الواقع الكائن منذ عقود وأزمنة طويلة، والمتناقض فى وضوح بين طبيعة المجتمعات العربية الدينية الطابع، وأنظمة الحكم العلمانية فى جوهرها، رغم تمسكها فى الظاهر بالدين بالقدر الذى يضمن لها الحفاظ على كراسى الحكم والسلطان ... هذا كله قد أصاب الواقع العربى والجسد العربى  بحالة من " انفصام الشخصية " يعانى منها الحكام والشعوب، وأنا أعتذر عن هذا التوصيف الذى يبدو قاسيا  لكنه الواقع الذى يتعين علينا جميعا أن نواجهه بشجاعة وبدلا من أن نخفى رءوسنا فى الرمال كالنعام.

ثالثا: هذ الواقع والتناقض الصارخ والشاذ بالضرورة يضع قيم الحرية والديمقراطية التى

تنشدها الغالبية العظمى من الشعوب العربية فى مأزق تاريخى حرج، ذلك لأن الديمقراطية تتعارض فى  مرجعيتها مع الدين، فالعقل لديها يصبح مقابلا للوحى، والبشرى المتغير يكون فى مقابل المقدس الثابت، وينصب اهتمام الديمقراطية على الدنيا مقابل الدنيا والآخرة معا، وهذا لا يعنى بالضرورة أن الديمقراطية تلغى الدين تماما أو تنفيه، بل هى فى تطورها عبر مراحل وتجارب التاريخ أصبحت تتعايش معه، وإن كانت لا تتعايش معه إلا إذا كانت لها الغلبة والهيمنة عليه كما هو الحال فى النموذج التركى، أو يصبح الدين مسيطرا على الديمقراطية فى الدولة الدينية كما هو الحال فى التجربة الإيرانية.

رابعا: ما يقال فى عالمنا العربى عن فصل الدين عن الدولة فى المجتمعات الأوروبية والغربية هو قول فيه قدر كبير من الصحة لكنه أيضا غير دقيق، ذلك أن الفصل التام هو ما يبدو فقط على السطح، لكنه فى حقيقة الأمر لا وجود له على أرض الواقع، وسأضرب مثلا على ذلك بمجتمع الولايات المتحدة الأمريكية ـ قلعة الرأسمالية ومعقل النظم العلمانية فى العالم ـ وموقف هذا المجتمع من قضية " الإجهاض " ، فمن المعروف هنا وفى الغرب أن الشعب الأمريكى والمجتمع الأمريكى بأسره بما فيه رجال الحكم والسياسة يكاد يكون منقسما على نفسه إلى قسمين إزاء مسألة الإجهاض ".. نصف يؤيد حق المرأة فى الإجهاض، تحت زعم أن الدولة لا يحق لها  أن تتدخل فى أى أمور شخصية، ويطلق على كل من ينتمى الى هذا النصف المؤيد اسم " أنصار حق الاختيار "  Pro Choice  والنصف الآخر من الشعب الأمريكى يعارض الإجهاض، بل يجرمه ويرى فيه جريمة قتل تحت زعم أن الجنين هو مواطن أمريكى وإن كان لم يكتمل نموه بعد، وله حقوق ينص عليها الدستور والقوانين الأمريكية، ويطلق على كل من ينتمى إلى هذا النصف الآخر اسم " أنصار الحياة " ـ Pro Life ـ  ، ومعظم أنصار هذا النصف ممن ينتمون للكنيسة خاصة الكنيسة الكاثوليكية والتى تتبنى موقفا متشددا فى تحريم الإجهاض..

وهذا الانقسام بين الشعب الأمريكى قد خرج إلى السطح منذ عام 1973 بعد حكم المحكمة الدستورية العليا فى القضية الشهيرة المعروفة باسم " رو ضد ويد "  Roe V. Wade (قضية رفعتها امرأة أمريكية تدعى "جين رو" ضد وكيل نيابة أمريكى يدعى هنرى ويد) ولا يزال الجدل والنقاش مستمرا بشأنها فى المجتمع الأمريكى حتى اليوم، ولسنا هنا بصدد الحديث عن تفاصيل هذه القضية التى يعتبرها الأمريكيون أخطر قضية جدلية فى تاريخ النظام القضائى الأمريكى كله.

غير أنه يحق لنا أن نوجه الى فريق  النصوصيين/ السلفيين الذين يدعون عن جهل بأن العلمانية تعنى الإلحاد ومحاربة الأديان  السؤالين التاليين:

-          على أى أساس يستند عليه نصف الشعب الأمريكى  من فريق " أنصار الحياة " فى قضية الإجهاض؟ أليس على أساس دينى يتبعون فيه تعاليم الكنيسة؟ ـ طبعا بالإضافة إلى أسباب أخرى تستند الى القوانين الأمريكية وحقوق المواطنة

-          لماذا يحرص رجال السياسة ومرشحو الرئاسة فى الولايات المتحدة الأمريكية وكافة الديمقراطيات الغربية على خطب ود رجال الدين من جميع الأديان السماوية وغيرها خلال الحملات الانتخابية سعيا لكسب أصواتهم؟

هم فى المجتمعات الغربية يتعايشون مع الدين ـ الأديان ـ كلها، وحرية الإيمان والعقيدة وممارسة الشعائر الدينية وبناء دور العبادة جميعها يكفلها القانون الذى يسرى على الجميع، ربما أكثر بكثير من مجتمعاتنا العربية، ولكن غير المسموح به هو سيطرة الدين على الدولة.

وفى مدينة تورونتو وحدها يوجد مالا يقل عن خمسين مسجدا، وبالقرب من منزلى يوجد ثلاثة مساجد أحدهم يعد أكبر مسجد فى أقليم أونتاريو ويبعد عن منزلى نحو خمسة كيلو مترات، وعلى بعد ستة كيلو مترات من منزلى تقع أكبر كنيسة قبطية فى شمال

أمريكا كلها ومساحة أرضها قد تزيد على مساحة كاتدرائية الكنيسة القبطية فى القاهرة، وقد افتتحها البابا شنودة فى عام 1996 فى احتفال رسمى كبير، كما أنه يوجد بالمنطقة أيضا معبد يهودى ومعابد لطائفة السيخ وغيرها من الطوائف والديانات الأخرى، وبعد أحداث الحادى عشر من سبتمبر فى عام 2001 بأيام قليلة، ذهب جون كريتيان رئيس وزراء كندا الى أحد المساجد فى العاصمة الكندية أوتاوا والقى خطبة أذاعتها جميع وسائل الإعلام الكندية أعلن فيها تقديره لأفراد الجاليات الإسلامية فى كندا والإشادة بإسهاماتهم الكبيرة فى بناء المجتمع الكندى فى كافة المجالات، كما أعلن أن الحكومة الكندية لن تتهاون مع أى أعمال تخريبية قد يقوم بها بعض المتطرفين أو المتعصبين ضد دور العبادة الإسلامية، وأن القانون سيطبق عليهم بحزم دون رأفة أو هوادة... فبالله عليكم هل نصدق ادعاءات الأخوة النصوصيين/ السلفيين عن العلمانية فى الغرب ومحاربتها للأديان والدين الإسلامى على وجه الخصوص أم نصدق الواقع الذى نعيش فيه هنا منذ سنين ونلمسه كل يوم؟!!!!

لقد عشت نصف حياتى خارج بلدى الأصلى مصر، فى عدة دول أوربية أولا ثم فى أمريكا الشمالية، وشاهدت  واشتركت فى العديد من المظاهرات السلمية لكنى لم أر أو أسمع عن أى مظاهرة هنا ترفع شعارات مثل " الإسلام هو الحل " أو " المسيحية هى الحل "، أو " اليهودية هى الحل " وهذا فى حد ذاته أكبر دليل على أنه لا توجد مشكلة بين الدولة أو النظام الحاكم وبين الأديان فى تلك المجتمعات، والحل قدمته الدولة ذاتها وارتضاه أتباع جميع الأديان .

- قدمته فى احترامها لكل الأديان ودون تفرقة بينها، وفى ضمان حرية العقيدة وممارسة الشعائر الدينية.

- وقدمته فى إعلاء سيادة القانون الذى يطبق على الجميع، وعلى المسئول الكبير قبل المواطن العادى.

- وطبقته بالانتقال السلمى للسلطة وتداولها خلال فترة محددة كل عدة سنوات، ودون صراع لمراكز قوى.

-وطبقته بإطلاق حرية العمل والمشاركة السياسية والاجتماعية لمنظمات المجتمع المدنى فى كل المجالات، بل تقوم الدولة بتدعيمها ماديا كل سنة تقديرا للدور الكبير الذى تلعبه تلك المنظمات فى بناء هذه المجتمعات.

-           قدمته ـ وهذا هو الأهم ـ بضمان حد أدنى من العدالة الاجتماعية، وتوفير كافة الخدمات الأساسية لمواطنيها من دافعى الضرائب، والعمل دوما على تحسينها والارتقاء بمستوى المعيشة.

-          قدمت الحل دونما حاجة إلى " مرشد عام " أو " بابا " أو " آية الله " لا ينتخبه إلا حفنة من الأفراد داخل الغرف المغلقة.!!

-          قدمته دون حاجة لــ " مرشد عام " يرى نفسه ويجاهر بأن منصبه أكبر من منصب رئيس الجمهورية نفسه!!!

-          قدمت كل هذا وأكثر دون رفع شعارات براقة رنانة تدغدغ العواطف لكنها جوفاء، ومبهمة جعلت عقول الناس حبيسة قماقم من الظلام لا ينفذ إليها النور.

أو ليس كل هذا هو ما تحض عليه كل الأديان فى جوهرها ونصوصها؟!!

أما فى مجتمعاتنا العربية فحدث ولا حرج!! ... ففيها أمور وبدع ما أنزل الله بها من سلطان، وفيها الكثير من العجائب والمضحكات المبكيات التى تشيب لها شعور الأجنة فى الأرحام ..!!! ولا يسعنى إلا أن أردد كلمات الإمام على بن أبى طالب رضى الله عنه، وكرم وجهه:

لا علم كالتفكير، ولا ميراث كالأدب، ولا إيمان كالحياء والصبر، والناس أعداء ما جهلوا .

خامسا: إن منطقتنا العربية هى مهبط الوحى والديانات السماوية، وبها الأماكن الدينية المقدسة، ويتطلع إليها أتباع الديانات السماوية من كافة أرجاء العالم بما فى ذلك الدول العلمانية، ولهذا فإن الدين فى تلك البقعة الكبيرة من هذا الكوكب لايمكن أن يلغى بقرار جمهورى أو أمر ملكى أو رغبة للبيت الأبيض، ...

المشكلة تكمن فى أن " فولت " المشاعر الدينية المتأججة دائما هو " فولت عالى " لأن الدين توظفه النظم الحاكمة فى خدمة كراسى السلطة وعروشها، فيتولد الاستبداد، وهو فولت عال لأن الخطاب الدينى يغلب عليه الطابع " التعبوى" ... يخلط السياسة بالدين عن جهل ونقص فادح فى المعرفة والمعلومات الصحيحة، وتكون المحصلة النهائية هى خسارة الخطاب السياسى والخطاب الدينى معا.

 

هذا الفولت العالى يحتاج إلى " منظم " يضبط قوته وسرعته قبل أن ينفجر، وهذا يتطلب عدة آليات أهمها هو انهاء استبداد النظم الحاكمة، وفض اشتباك العديد من الإشكاليات الخاصة بالعلاقة بين الدين والدولة، ومقاومة الفساد الذى استشرى كالسرطان، وبإطلاق الحريات الأساسية ووضع ضمانات دستورية لها، تتضمن فى المقام الأول حقوق مواطنة لا تمس للإنسان العربى، وديمقراطية حقيقة لا ديكور ديمقراطى.

إن مصر والمجتمعات العربية كلها لن تتقدم وترقى إلى مصاف الأمم المتقدمة فى ظل الاستبداد أو فى ظل حكومة دينية تتستر خلف الدين، انما تتقدم وترقى بالعمل الجاد لأننا لا نعمل بما يكفى، وبالأخذ بأسباب العلم الحديث وأسس المعرفة الحقة، وأول خطوة على هذا الطريق هى البدء الفورى فى إصلاح جذرى لنظام التعليم.

إن جماعة الإخوان المسلمين فى مصر تتمتع بقدرة تنظيمية خارقة يعترف بها الخصوم قبل الأصدقاء، وهى لها مصادرها المتعددة من التمويل الذاتى، فلماذا لا يستغل قادة الجماعة قوتهم وقدراتهم التنظيمية وتغلغلهم فى قواعد الشارع المصرى فى وضع خطة تفصيلية وبرنامج زمنى محدد لإنهاء مشكلة " الأمية" فى مصر ـ إذا كانوا حقا ينشدون الإصلاح الحقيقى، كما فعلت كوبا وإيران إبان حكم الشاه ؟!

يقول العالم العبقرى ألبرت أينشتين:

" إن العلم بغير دين كائن أعرج، والدين بغير علم كائن أعمى "

 

كاتب وصحفى مصرى ـ كندى

[email protected]