رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

التليفزيون والنظام الحاكم ... الأزمة والحل

مسعد حجازي

الاثنين, 11 أبريل 2011 11:09
بقلم :مسعد حجازى

منذ نشأته فى عام 1960 وحتى الآن والتليفزيون الرسمى  تحت السيطرة الكاملة من جانب النظام الحاكم فى مصر إذ أن النظام خلال عهود ناصر والسادات ومبارك كان ينظر دائما إلى التليفزيون بإعتباره أداة من أهم أدوات الحكم والسيطرة مثل الجيش والحرس الجمهورى والبوليس لتثبيت أركان النظام الذى يرى علاقته بالتليفزيون كما لو كانت علاقة زواج كاثوليكى لا طلاق فيه ولا نقض ولا إبرام، .. وقد بلغ حرص النظام على التليفزيون ذروته جليا فى أعقاب إندلاع ثورة الخامس والعشرين من يناير الماضى عندما أسرع بدفع وحدات من الحرس الجمهورى إلى مبنى التليفزيون فى ماسبيرو لضمان تأمينه – حدث هذا بالرغم من التواجد الدائم ومنذ سنوات طويلة لقوات خاصة من الأمن المركزى مدججة بالسلاح والعتاد خصيصا  لتأمين مبنى التليفزيون.

إن هذا التواجد الأمنى المفرط حول التليفزيون الذى لا مثيل له فى أى بلد متحضر من الدول التى دأب الرئيس المخلوع حسنى مبارك على زيارتها هو فى الواقع علامة واضحة على ضعف النظام وليس على قوته.

لقد عشت سنوات طويلة على مقربة من مبنى شبكة تليفزيون ال سى. بى.سى الكندية – أكبر شبكة تليفزيون حكومية فى كندا – وهو برج هائل فى وسط تورونتو وأكبر من مبنى ماسبيرو – ولم يحدث أبدا أن رأيت قوات جيش أو بوليس لتأمين المبنى ، بل فقط موظفى أمن مثل أولئك الذين تجدهم فى أى مؤسسة أخرى حكومية كانت أو خاصة ، وهذا ليس تقصيرا من الحكومة لا سمح الله، أو علامة على ضعف النظام الحاكم ، على العكس تماما ، فالنظام الحاكم فى كندا نظام برلمانى، والبرلمان هو أعلى سلطة فى البلاد من خلال نوابه المنتخبين بإرادة شعبية فى إنتخابات حرة نزيهة دون تزييف أو تزوير..، لذا فهو نظام قوى راسخ ومستقر ولا يعتمد فى بقاءه على تليفزيون الدولة الذى لا يتورع عن مهاجمة ونقد الحكومة نفسها أو رئيس الوزراء إذا ظهرت أى مخالفة للقانون الكندى – يحدث هذا على الرغم من أن

تمويل وميزانية السى بى سى  بالكامل والتى لا تقل سنويا عن مليار دولار كندى تدفعها الحكومة الكندية من المال العام الذى هو أموال دافعى الضرائب من الشعب الكندى.. وهذا لا يعنى أن هيئة الإذاعة والتليفزيون الكندية منفلتة العيار تفعل ما تشاء دونما رقيب أو حسيب بل هى وكل شبكات ومحطات الإذاعة والتليفزيون فى كندا تخضع لرقابة هيئة حكومية مستقلة تعرف بإسم ال سى. آر. تى. سى – هى الجهة الوحيدة التى تملك حق منح الرخص أو سحبها ومراقبة أى مخالفات للقوانين الكندية المعمول بها، وغير مسموح للحكومة أن تتدخل فى عملها  وتقدم تقاريرها السنوية  للبرلمان .

إن النظام الحاكم فى مصر كان يعتبر التليفزيون الرسمى ملكية خاصة وأداة فعالة لا غنى عنها لتثبيت أركانه وضمان استمراره فى الحكم وترويض الشعب وتطويعه وعند الضرورة لا مانع من نشر الأكاذيب وإخفاء الحقائق عن الشعب، وهذه وحدها مفارقة عجيبة ومأساة فى آن واحد، لأن الشعب المصرى هو المالك الحقيقى والفعلى لتليفزيون الدولة فهو الذى يدفع من ضرائبه أجور ومرتبات كل العاملين فيه.!!

إن التغييرات الأخيرة فى قيادات الإذاعة والتليفزيون لا معنى ولا قيمة لها طالما ظل النظام الحاكم ينظر إلى هذا الجهاز نظرة أمنية، وطالما ظل يحرك كل الأمور ويتخذ كل القرارات كبيرها وصغيرها من وراء الستار أو بتأشيرة قلم أو بمكالمة تليفون.  إن إى إصلاح حقيقى للتليفزيون فى مصر لن يحدث، بل مستحيل أن يحدث قبل أن تجرى عملية فض إشتباك وإعادة صياغة جديدة للعلاقة بين التليفزيون والدولة، وهذا لا يمكن أن يحدث قبل أن تستقر الأوضاع السياسية فى البلاد،.. إن الكثير من مؤسسات الدولة فى حاجة إلى إعادة بناء على أسس جديدة ،.. وشخصيات كثيرة على كل المستويات

فى حاجة إلى إعادة تأهيل من الألف للياء.

إن التليفزيون المصرى – حكومى أو خاص – فى حاجة ماسة إلى تطوير جذرى فى المضمون والشكل، والإبتعاد عن التقليد الأعمى لبرامج أوروبية وأمريكية، وقبل كل شىء فى حاجة إلى إيقاع سريع وإستغلال جيد لعنصر الوقت خاصة فى البرامج المذاعة على الهواء والتى تتطلب توافر فريق هائل من المعدين والمذيعين الأكفاء والعمل بروح الفريق الواحد بهدف توصيل أكبر قدر من المعلومات الصحيحة للمشاهد، ومن مصادرها الأصلية.

لقد تغير مفهوم الحرية فى المجتمعات الغربية خلال العقود الثلاثة الماضية وتطور من المفهوم التقليدى للحرية السياسية إلى حق المواطن فى الحصول على أكبر قدر من المعلومات، وصدرت قوانين فى هذا

..، Freedom of Information Act الشأن فى كل من كندا والولايات المتحدة الأمريكية فى مطلع حقبة الثمانينيات من القرن الماضى

إن التليفزيون هو صورة وصوت، وإذا كانت الصورة الفوتوغرافية تساوى ألف كلمة فإن الصورة المتحركة – فيديو-ديجيتال أو سينما – تساوى مليون كلمة..، ولا يزال التليفزيون هو أخطر وسيلة إتصال حتى الآن من حيث التأثير المباشر والغير مباشر على المشاهد إذ أنه بالفعل يستحوذ ويكاد يسيطر على أكبر قدر من الحواس ، بل على الجهاز العصبى نفسه كما قال المفكر الكندى الكبير دكتور مارشال مكلوهان – العبقرى الذى تنبأ منذ أكثر من أربعين عاما بالثورة الهائلة التى يشهدها العالم الآن فى عالم الإتصالات.

إن العمل التليفزيونى خاصة الوقوف أمام الكاميرا كمذيع ليس وظيفة حكومية، وإنما يتطلب مواهب حقيقية وقدرات خاصة طبيعية ومكتسبة، ومصر مليئة بالكثير من أصحاب المواهب والقدرات، ولكن تم وأدها وإهمالها وحل محلها أصحاب الحظوة والواسطة الذين يفتقدون حتى للحد الأدنى من المواصفات والقدرات، وتم فرضهم قسرا على الشاشة والمشاهدين .

إن تزييف الحقائق وترويض المعلومات جريمة لا تغتفر ، كما أن عرض أنصاف الحقائق هو إما جهل أو تضليل عن عمد للمشاهدين ، وكلها جرائم لا ينبغى أن تسقط بالتقادم.

لقد ولد التليفزيون المصرى عملاقا، رغم قلة الإمكانيات، والآن وبعد نصف قرن من الزمان وإمكانيات وتقنية عالية تقزم وافتقد الريادة والصدارة، وأصبح طاردا لأصحاب المواهب والكفاءات فى كل المجالات.

فى منتصف الستينات من القرن الماضى قال المفكر الكندى الكبير مارشال مكلوهان مقولته الشهيرة:

" إن أخشى ما أخشاه أن ندخل القرن الحادى والعشرين ونحن نجر فى أذيالنا قيود وأغلال القرن التاسع عشر".

وعلينا جميعا كمصريين أن نسأل أنفسنا :

كم من القرون نجر فى أذيالنا من أغلال وقيود؟؟

*كاتب صحفى ومذيع ومعد برامج سابق فى التليفزيون الكندى

[email protected]