وفاء

مريم توفيق

الخميس, 06 سبتمبر 2012 09:08
بقلم: مريم توفيق

لاأدرى اليوم ، أكان حلما أم كابوسا ماأيقظنى فى الفجر ، شئ أطبق على صدرى أفزعنى
بهذه الكلمات دار الحوار بين أم أحمد وولدها
- لاأعرف ياأحمد خالتك ، على بالى ،أتت لى فى المنام أكثر من مره ، ثلاث سنوات لم أعرف عنها شيئا
-        ربما أكثر ياأمى فلتطمئنى عليها ، على الأقل إتصلى بها
- الرقم ضاع من بالى لم أعد أتذكره

وأنت تعلم مشاغلنا الكثيرة ، الفيلا مازالت تحت التشطيب ، وأجهز لزفاف أختك التى وعدتها بحفل فخيم ، كل الدنيا تتحدث عنه ، ومشروعك الجديد مع والدك ، أين الوقت ؟ ،على كل ، سأحاول الأسبوع القادم الإطمئنان عليها ، وأستغل الفرصة لأبتاع أنواع الجبن الذى تشتهون ، تلك المدينة مشهورة بالأجبان اللذيذة
أسبوع إثنان ثلاث ، شهر إثنان ، سنة
ثم قررت أم أحمد السفر ، وأعدت حقيبة صغيرة تحتوى على قميص واحد للنوم ، فسوف تبيت ليلة واحدة ، لايمكنها أن تتأخر على ابوأحمد ، والأولاد وخطيب الإبنة الذى يأتى لزيارتها كل يوم ويشرف على أعمال البناء ،
إستقلت القطار ، وعادت بالذاكرة أربعين عاما الى الوراء
ياه يافتحية ، ٍأتذكر وأنت تحفظين معى الدروس ، كم كنت تعشقين اللغة العربية ، مرت الأيام مسرعة ، كما القطار
حان النزول الآن ، فى الطريق تذكرت أن شقيقتها مريضة بالسكر إذن ، لن تشترى الحلويات الشرقية التى تفضلها ،
على الناصية يقف بائع الموز
-        من فضلك كيلو موز
-        سارت قليلا ليضيع من ذاكرتها رقم البيت ترى 52 أ م 56
لن أحير نفسى سوف أسأل فالكل يعرفها ،فقد كانت مدرّسة وكم تتلمذ على يديها معظم أبناء الحى ، وكلهم ماشاء الله الآن فى أعلى المراكز
- السلام عليكم ، حيت بها محل البقالة الأقدم فى الشارع
- وعليكم السلام ورحمة الله
- بيت الست وفاء المدرسة من فضلك
- رقم 56 لكنى لم أرها منذ فترة طويلة تزيد على السنتين ، مشاغل الدنيا
ومضت أم أحمد متباطئة الخطى ، ترى هل ألم بفتحية مكروه ، لا....لا
لو حدث كان الجيران أول من يتصل بنا ، مسكينة ياأختى لم ترزقى بأولاد ، ورحل عنك الزوج وكنت فى

ريعان الشباب
حاولت أن تدق الجرس مرة ومرات ، ربما فقدت السمع ، لكن دون جدوى ، الباب عليه آثار أتربة وعنكبوت ورائحة عفنة ، طرقت بيدها طرقات عنيفة ، ثم نادت بأعلى صوتها ياوفاء ، ياوفاء
بعض الجيران فى صعود وهبوط للدرج ، لم يستوقفهم الأمر كثيرا فالأمر لايعنيهم ، فاضطرت أن تطرق باب شقة الجيران الملاصقة
- أنا أخت الست وفاء طرقت الباب عدة مرات فلم تجب
-لانعلم عنها شيئا منذ ثلاث سنوات ، إعتقدنا أنها سافرت للأهل فى الأسكندرية
- لم تأت لزيارتنا
بدأ الخوف والقلق يعترى وجه أم أحمد ، وجارة فتحية
- ما العمل ؟
- ندعو الحارس لكسر الباب
فتح الباب ، وهرعت أم أحمد للداخل ، ربما وجدت الشقيقة فى غرفة نومها
لتروّع ، إذ وقعت عيناها على جمجمة ، وبقايا عظام متحللة متناثرة ، والى جوارها بقايا من عظام لقطط كثيرة
ترى بماذا كانت تفكر قبل أن تصعد روحها لخالقها ؟
دواء يشفيها من مرض عضال ؟ ، رشفة ماء ؟ البوح بسر ؟ ، نظرة وداع للأحبة والأقرباء ؟
ربما أرادت أن تصلى ، وتسجد بين يدى الله ، تقرأ بعض الآيات الكريمة ثم تنطق بالشهادتين ، فتنام قريرة العين
بخطوات متهالكة ، جلست أم أحمد على الأرض تلملم العظام والجمجمة ؟
يشق الزحام شيخ جليل راح يتمتم ببعض الكلمات
ناداه البعض : فلتقرأ آيات الرحمة والغفران على روح الست وفاء يامولانا
وطالع الشيخ الوجوه بنظرة شاردة