كانت عروس الدلتا !!

مريم توفيق

الجمعة, 27 أبريل 2012 08:28
بقلم: مريم توفيق

إنها مدينة الشموخ التى بناها سليل صلاح الدين ، فى حضن نهر الخصوبة وعلى فرع دمياط يستوطن أبناء المنصورة مدينة السحر والجمال
رجالها من سلالة جند نجم الدين ، المنصورة التى تشهد لها الأوطان ، وفى التاريخ يظل أسمها خالد على الأزمان ، أسرت لويس التاسع الذى سجن فى دار ابن لقمان ، المنصورة عنوان للحضارة والفنون ،  أهدت لمصر العلماء والشعراء على محمود طه ، إبراهيم ناجى ، كوكب الشرق أم كلثوم ، السنباطى  ، أنيس منصور ، الدكتور عاطف العراقى ، الدكتور العالم محمد غنيم وغيرهم من الأعلام

كلما أخذنى الحنين الى مدينتى أهرب اليها  ، الى ممشاها ومصابيحها التى تعكس أضواءها على صفحة وجه نيلها ، أمرّ على  صخرة الملتقى التى كانت تضم كبار الشعراء يسطرون أروع القصائد التى مازلنا نتغنى بها
تحولت المنصورة  الى مدينة الضوضاء والصخب ، القبح يغلف شوارعها الرئيسية التى تتكدس فيها القمامة ، الزحام الرهيب والمركبات تسير جلها عكس السير ، وإذا عاتبت أيا منهم نظر إليك شذرا وكأنك أنت المخطئ ، ولامانع لديه من إفتعال أى موقف لن تحمد عقباه ، فعليك أن تذكر نفسك دائما ألا تقف فى وجه الريح فأنت الخاسر الوحيد ، فحاول أن تنأى بنفسك ، ولتغض الطرف عن كل  ماتواجهه من تجاوزات ، فليس هناك أهم من إحترام الذات
المارة يترجلون بين الحافلات يستوقفونك

رغما عنك ليعبرون  ، أم وأطفالها وبين يديها رضيع  ، بائع يحمل طاولة الخبز إذا سقط بعض منه على الأرض عليك الإنتظار حتى يلملم ماسقط على التراب والروث 
بعض المعاقين أوالمرضى المقعدين يجرهم البعض الآخر من أجل التسول أطفالا كانوا أو كهول  
هذا حنطور يقطع الطريق ، هذه عربات تجرها الخيول والحمير محملة بالفواكه والخضروات تعسكر أمام بوابات المستشفيات الهامة كالطوارئ والجهاز الهضمى وأمام بوابات الجامعة ، فى مشهد يعكس حجم الإستهتار واللامبالاة التى باتت أهم مايميزنا
الباعة بكل ثقة  ينادون ثم يكيلون الموز والبصل والليمون ولامانع من شى الذرة ، يحتلون الأماكن المخصصة لسيارات الإسعاف 
وآخرون يرون أن بضاعتهم لاتقل أهمية ( وأكل العيش يحب الخفية ) يفترشون الأسوار والأرصفة هذه مناديل وهذا سميط وجبن ،  وللشواكيش والمفكات مكان لاتخطئه العين ، الشوارع تعج بالمطبات ،  وكلما خطوت خطوة فإذا برك الماء تحيطك من كل اتجاه  
فى المساء تصعقك الدهشة ، فقد تفاجأ بعدد رهيب من السيارات ترتفع أبواقها فى آن واحد ، تتلوى فى نهر الطريق يخرج بعض سائقيها ، يطلقون الألعاب النارية فى الهواء ثم يرقصون كالحواة ، وعليك أن تنتظر هؤلاء وإلا اسطدمت بهم وحتما 
سيتجمهرون حولك وتصبح أنت المخطئ الذى أفسد عليهم فرحتهم بالعريس والعروس فى ليلة العمر 
الشراسة عنوان يطل من المآقى ، فحين تهدئ من سرعتك أمام المدارس أو عند خروج موظفى المصالح الحكومية ، لاتعرف من جاء هؤلاء  الصبية الذين يرفعون مساحات سيارتك لتلميعها فإذا أشرت لأحدهم شكرا  ، دق بعنف على الباب أو الشباك فترتعد فرائصك ، ربما لص سيخطف هاتفك ، أو لص  ينوى تثبيتك على الطريق لأخذ الجمل بما حمل ، السيارة والحقيبة وكل ماتملك من حطام الدنيا
عدد  المتوسيكلات يفوق تعداد السكان ، إذا سرت على قدميك فأنت تخشى سائقيها  لأن سرعتهم الزائدة وهم يتلوون بين السيارات تصيبك بالرعب
رائحة الجو تبدلت ، ولم يعد هناك عطر الزهور الفواحة خاصة فى أيام الربيع التى نعيشها الآن  ، الجو قاتم كئيب ،  واللون الرمادى يغلف الأجواء
الكل يسير كما يحلو له دون رقيب أو حسيب ، أعلم أن ذلك أصبح  حال مصر كلها خاصة بعد الثورة التى لم تكتمل بعد ،  لكننا كنا نظن أن عروس الدلتا وهى جزء من الوطن الكبير ، ستظل بتميزها وتألقها وجمالها عنوانا للروعة نأنس اليها ، نهرع الى حضنها حينما تتكالب علينا الأزمات ، نتوق لأعظم نهر فى الأنهار ، نتوق للخضار والأشعار
تلوث ماء النهر  ، فمن تسبب فى ذلك الصدع  ؟
من تركنا نهبا للعشوائيات فى السكن والأخلاق ؟
النظام البائد  بفساده فلم يكن طاهر اليد والقلب ، بل  كانت  له اليد الطولى فيما آلت اليه أحوالنا على كل الأصعدة ،  لكننا لايمكن أن ننكر أننا أيضا شعب يكره النظافة والنظام ،  يكره الإلتزام بأى قواعد وأولها المرور
أملنا فى الرئيس القادم أن يضع الخطط المستقبلية الجادة للدولة الحديثة ، فيعيد الإنتماء والى عروس الدلتا نعود