رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

ربنا موجود

مريم توفيق

الثلاثاء, 03 أبريل 2012 09:17
بقلم: مريم توفيق

تدفقوا من كل حدب وصوب ، من النجوع والقرى والمدن ، فى الصباح والبكور ، هرعوا الى مزاره حيث يرقد جثمان البابا شنوده ، فى دير وادى النطرون  ، تدافعوا بالآلاف فسقط ثمانية من الأقباط  ، أدى الزحام الغير مسبوق الى وفاتهم ،  وإصابة العشرات بحلات إغماء واختناقات

رحل البابا تاركا فراغا رهيبا ، فالظروف القاسية  التى تمر بها مصر بصفة عامة ، والأقباط بصفة خاصة  ، خلقت لديهم جميعا الشعور  باليتم ، الشعور الوحدة والخوف من المجهول ، الخوف على ماسوف تؤول اليه البلاد ،  فى ظل التجنى على الأقباط ،  فلم يمثلوا  إلا تمثيلا شكليا لاوجود له ،  سواء فى البرلمان أو فى  اللجنة التأسيسية المختصة بوضع الدستور فاضطروا للإنسحاب منها ،
أحد المرشحين للرئاسة المحسوبين على التيار السلفى
قال فى إحدى مؤتمراته : مستحيل أن أعين قبطى نائبا لرئيس الجمهورية ، وكأنه يزف بشرى للمواطنين فهو لايؤمن بحق شركاء الوطن فى البذل والعطاء
ولم يكد يمر يوم إلّا وحدثت فتنة طائفية  هنا أو هناك
التناحر وليس التنافس هو عنوان انتخابات الرئاسة ، خاصة بين التيارات الدينية ، التى تسعى لجنى الغنائم ، فمصالحها فوق الجميع
كان البابا شنوده ملجأ آمنا ،  حينما يتعثر الطريق ن وتغلق الأبواب
وضع السادات المسمار الأول فى نعش الوحدة الوطنية بنفيه لقداسه البابا لرفضه التطبيع من

الكيان الصهيونى،  ولتلاها المخلوع لمدة ثلاثين عاما ، وقامت الثورة العظيمة  ، فظننا أنها  وأدت الفرقة
ثورة استطاعت أن  تلم الشمل فى ميدان سقاه مينا ومحمد بالدم ، وماهى إلا أيام  قليلة ، حتى عدنا  الى نقطة الصفر،  الغيوم تلبد سماءنا ،
هذالخوف منطقى و له مايبرره ، لدرجة أن عشرات الآلاف هاجروا ،  أو يفكرون  بجدية فى الرحيل ، ترتعد فرائصهم إذا حكم الإسلامييون وسارت مصر على خطى طالبان ، كل المؤشرات تلوح أننا نقترب من الخطر الحقيقى ، وخوفنا ليس على المستقبل ،  بل على حضارتنا العريقة إذا  اندثرت بفعل الجهل ،  فمحونا التاريخ إرضاء للفكر المستورد الآتى من بلاد النفط ، تدعمه الريالات والدنانير
كان البابا شنوده يعوض كل مغبون ،  لم يجد ضالته فى دولة تعيد الحقوق وتطبق القانون ، يحتوى المظلومين والتعساء ، كم سقطت دموعه دما على أبنائه فى نجع حمادى ، والقديسين يوم الميلاد ،  وماسبيرو وأطفيح وامبابة والعمرانية
خفف على الأقباط أحزانهم ،  طمأنهم أن هؤلاء شهداء فى السماء ،  ليفرحوا ،  وللحقيقة هم قتلوا برصاص مصريين تطرفت أفكارهم ، أوغرت  فى صدورهم أن الطريق
الى  الجنة يستلزم القضاء على الكفار وهدم دور عباداتهم
لم يكن البابا شنوده مجرد رمزدينى ووطنى كبير ،  بل  كان إنسانا محبا متواضعا حكيما حصيف للسان ، حينما يعظ الكل يستمع ويقتنع فيمتص  الغضب
كان بعيد النظر يستشرف المستقبل فرفض الطبيع ، ودفع الثمن حينما نفاه السادات  الى الدير عدة سنوات
الآن رحل عن الأقباط المعلم والمنقذ من الرياح التى أتت بما لاتشتهى السفن ، لم يستوعبوا أو يصدقوا أنهم فقدوا الحصن ،  وعليهم أن يتقبلوا إرادة الله،  فخرجوا بالالاف يحملون نعشه يبكون ويصرخون ، ومات عدد ليس بالقليل  ، وسقط آخرون مغشى عليهم من شدة الحزن عند وداعه الى مثواه الأخير
وهاهم الآن  يهرولون عند قبره يقبلونه ، يبكونه بالدمع والدم ،  يتحاورون معه ، يستنجدون به ، يسألونه تركتنا وحدنا  ، نحتاجك فالغد أسود مظلما ، تهدّم الجدار وسقط السقف على رؤوسنا ، بركان غضب ياسيدنا ، يا من كنت الملاذ والسند  
كل هذا الحب ، بل كل هذا الخوف ماجعلهم يسقطون قتلى بعد وفاته
الضباب يعكر صفو الأيام ، وكل مرشح يحاول أن يبث الإطمئنان فى قلوب الأقباط  ،  لكن الحقيقة أن الثقافة تبدلت ملامحها ،  شعارها إقصاء الآخر فلا تعاون أو حوار ، رسالتهم أن الأقباط هم الأقلية ، وعليهم أن يفهمون أن مصر إسلامية إسلامية  ، ويوم ما ليس بالبعيد الى الجزية  نعود
الخوف والرعب على مستقبل لاتلوح  نهاياته  ،حديث الناس فى البيوت والهواتف
والى أن تتضح الأمور هاهم يرقدون حول المزار ، يذرفون الدمع ربما يسمع البابا عويلهم  ، ربما يبعث برسالة  من السماء تعيد الى قلوبهم الأمان المفقود 
والحقيقة الوحيدة أن  البابا رحل ولن يعود ، فلنأخذ كلمته نبراسا يقينا الهجير
ربنا موجود