لئلا أنام نوم الموت(3)

مدحت بشاي

الجمعة, 13 فبراير 2015 22:00
مدحت بشاي

«أنر عيني لئلا أنام نوم الموت» بتلك العبارة تضرع داود النبي في مزمور (13) من مزاميره الرائعة، وهي الآية التي يرددها المسيحي في صلاة باكر كل فجر يوم جديد استقبالاً ليوم جديد بعد الشكر على اجتياز ليله بسلام أن يمنحه الله نعمة الاستنارة للعين والقلب والعقل، حيث صاحب المزامير في تأكيده على أن الله هو النور الحقيقي، يرى أن نومه عن فعل الخير والتعبد والتسبيح والأهم التنوير بتعاليمه، فإنه سيظل نائماً نوماً يفصله عن نيل دخول ملكوت السماوات، فهو يطلب المعونة الإلهية التي هي الاستنارة التي يرى أن البعد عنها يجعله في مرمى سهام الشيطان وحبائله الخبيثة الشريرة..

والمزمور (13) هو الإصحاح الذي يبدو فيه أن داود قد واجه تجارب وتحديات لا تنتهي في فترةٍ ما من حياته. فجاء هذا المزمور بمثابة تضرع يسكبه أمام الله حتى يعينه ضد الشيطان، وكانت تلك الآية

التي يبتهل فيها النبي داود إلى خالقه، متضرعاً «أنر عيني لئلا أنام نوم الموت».
لقد شعر داود النبي باحتياجه إلى الله الذي حجب وجهه عنه بسبب خطيته، فكتب في عدد كبير من مزاميره أن يعود خالقه فيطل بنوره البهي نحوه، وينير إنسانه الداخلي بنوره الإلهي، حتى لا يستمر في خطاياه، فلا ينام مع الذين ماتوا في خطاياهم. صرخة المرتل «إلى متى» ليست صادرة عن يأس إنما عن نفس متألمة تعرف كيف تحول الشكوى إلى صلاة، لتنطلق بإيمان إلى الله تطلب منه الاستنارة ببهاء وجهه.
وصلاة باكر فكرتني بما كتبه الصديق «ابرام راجي» حول وصف المستشرق الفرنسى جورج لورجين حال العائلة القبطية عندما زار مصر نهاية القرن الـ19 قبيل الاحتلال الإنجليزى لها فى كتابه (العائلة القبطية).
فقال: إن حياة القبط هى الحياة البطريركية، فالعائلة لا تتكون من الأب والأم والأولاد فحسب، بل والجد والجدة وأولادهما والأحفاد الكل يعيشون فى تآلف عجيب وحينما يتحدث الولد أو البنت عن العم أو الخال يقول (أبويا فلان) وهكذا عن العمة أو الخالة (أمى فلانة)، ويوم الأحد له كرامة خاصة، فالكل يذهب للكنيسة صائمين حتى الذين لن يتناولوا من الأسرار المقدسة ليجتمعوا بعد القداس فى غرفة ملحقة بالكنيسة لتناول وجبة (أغابى بمعنى المحبة) فكل عائلة مقتدرة تعد وجبات لإطعام الشعب وبعد ذلك يخرجون للمتنزهات والحقول للمسامرة حول الإنجيل وتفسير التعاليم والطقوس، وكان الخدم معتبرين من ضمن العائلة فلهم حق الاشتراك فى المناقشات والسؤال عما لم يفهموه.. ويمكن تلخيص حياتهم فى أنها حياة الارتكان إلى الله والاستشفاع بالقديسين والترابط المجتمعى.. قال المستشرق معبراً عن تلك الحالة «اصطبحت بيك يا رب كل الناس/ يا بانى الدنيا من غير أساس/ وحياة الإنجيل والصليب والكأس / أبعد عنى الهم والغم والوسواس/ جعانة؟ تغدينى / عطشانة؟ تروينى/ اجعل البركة تحت شمالى ويمينى».
آمين يا رب ارحم... «كده كان الغرب شايف العيلة المصرية والقبطية المستنيرة بنور الحب والسلام».
[email protected]

ا