الكنيسة القبطية.. الأزمة والمصير

مدحت بشاي

السبت, 30 يوليو 2011 09:16
بقلم: مدحت بشاى

تابعنا فى العقد الأخير الكثير من المؤلفات والمقالات والندوات والمقابلات الإعلامية تتناول أحوال وتوجهات مؤسساتنا الدينية بالنقد وطروح رؤى التغيير. الحديث الكثير حول أهمية استقلالها، والكلام عن تنمية دورها الروحى لدعم قيم وسلوكيات لتعود بنا إلى أزمنة البساطة والتسامح والتعايش، مؤسسات وطنية كما عهدناها فى مواجهة تيارات التشدد من أصحاب القراءات الخاطئة للكتب المقدسة، والتأويلات المتعسفة لحروف التعاليم الربانية.

وهبت رياح الأيام الينايرية البديعة، وحركت ما حركته فى العقول والأفئدة من آمال قائمة فى النهاية على قناعة فطرية لشعب تؤكد «نعم نحن شعب نستطيع التغيير».. نعم، وقرر الشعب أن يثور ونورت مليونياته ميادين التحرير بطول البلاد وعرضها، وكانت كل مؤسسات الدولة فى مرمى هدف الثوار ينشدون إصلاحها، بل وحلم نسف بعضها، وإعادة البناء.. وتدافعت الجهود لاستقبال الرياح الينايرية على أعتاب مؤسساتنا الدينية، وبات لدينا الجموع الرائعة من الشباب الذى يمتلك جرأة الاقتحام والرغبة فى التغيير.. وتابعنا مبادرات بيت العيلة وغيرها تستجيب لطلائع الثوار، وخرج الشباب المسيحى من حضانة الكاتدرائية وتمترسوا فى ماسبيرو يعلنون أن عقارب الساعة لن تعود للوراء.. نعم كانت هناك مقاومة ومازالت ولكنها مسألة وقت، فالثوار يتحدثون عن إصلاح الإدارة، ولا يبغون التدخل فى أمور لا تخصهم فى مجال التعاليم والروحانيات.

من بين أهم تلك المؤلفات التى صدرت مؤخراً دراسة مهمة للباحث المهندس ممدوح شفيق ضمنها كتابه الأخير «الكنيسة القبطية.. الأزمة والمصير»، وعنوانه هو ما استعرته عنواناً للمقال.. وتأتى أهمية مادة الكتاب أنها تأتى بمثابة شهادة ورؤية لابن فعال من أبناء الكنيسة الذى التحق مبكراً وانخرط فى نشاط مدارس الأحد فى مرحلة المراهقة، كمعلم للأطفال، وتدرج فى نشاطاته فى مجال العديد من مجالات خدمة التعليم فى الكنيسة، والتى يقول عنها: «لقد أدركت الفجوة بين ما يتم ترديده فى المحاضرات، وبين ما يشغل الناس من هموم»، ولكنه يكفى الباحث والناشط الكنسى أنه قد حاول تقديم منهج للتفكير لتأصيل وتنمية ما وصله من معارف من سبقوه بدأب

وإخلاص عبر عشرات الأبحاث والكتب.

عن أعمال ثقافة الغيبيات لدى المواطن المصرى المسيحى يذكر الكاتب: منذ سنوات ترددت شائعة عن صور دينية مسمومة تلقى أمام الكنائس، حيث إن المسيحى عندما يرى هذه الصور يرفعها عن الأرض ويقبلها، فيسقط ميتاً! ويردد الناس هذه «الحواديت» فى تلذذ وحماس حتى يتضح زيفها، ورغم هذا فالجميع مستعدون لترديد أية «حدوتة» جديدة بالشغف نفسه، ولا يتوقفون لبحث معقوليتها، وهذه هى النتيجة الطبيعية لعقود من تغييب العقل، ومادام العقل فى إجازة فالبديل هو إلقاء المقادير على الغيبيات، وتعليق أهم القرارات على أمور غريبة، مثل رش بعض الرمال على ورقة الإجابة، أو تقديم نذر وانتظار التفوق حتى لو لم يكن الطالب مستعداً على الإطلاق!

وحول تكريس مفاهيم أحادية التوجه والرأى يقول: إن أسلوب التلقين وربط الرأى بصاحبه، يجعل الناس يطلبون فى كل مسألة رأياً واحداً بينما توجد أمور من الممكن أن يكون فيها أكثر من رأى وكلها سليمة، وهناك قصة فى بستان الرهبان عن راهبين عادا إلى الدير بعد فترة ابتعاد ليقضيا فترة للتوبة والاعتكاف فى نهايتها ظهر أحدهما سقيماً عابس الوجه بينما بدا الثانى مبتهجاً باسم الطلعة!، قال الأول إنه كان كل يوم يذكر خطاياه والعذاب المعد للأشرار، بينما قال الثانى إنه كان يشكر الله كل يوم إذا أتاح له فرصة للتوبة، وكانت توبة كل منهما مقبولة، أما الآن فالناس يتساءلون: ما هو الأسلوب الصحيح، هذا أم ذاك؟! ويتكرر كثيراً عقب مناقشة موضوعات معينة أن يطلب الناس آخر كلام!، بينما من الطبيعى أن أسئلة كثيرة تحتمل أكثر من إجابة، ولكن عديداً من المعلمين يعتبرون هذا تشتيتاً وبلبلة للناس!

ويسأل الباحث: كيف نتصور أن شبابنا سيقبلون

باهتمام على الاجتماعات الروحية والمطلوب منهم، دائماً وأبداً، أن يكونوا مستمعين؟ وكيف يمكن أن يتكون جسد واحد من أعضاء متطابقة تقوم كلها بالعمل نفسه وتردد الرأى نفسه.

وعن الحرص على دعم مفاهيم الطاعة يقول: مع كل هذا كان طبيعياً أن تصير القيمة المحورية فى التربية القبطية الأرثوذكسية هى الطاعة، ولكن السؤال هنا عن نوعية الطاعة ومجالات الطاعة.

إن الطبيب له أن يطلب من المريض أن يتناول دواء محدداً، وأن يقرر عليه راحة مقننة، وأن يفرض عليه أن يتناول أعطمة معينة، ولكنه ليس له أن يلزم المريض بقراءات أو صداقات محددة! فبديهى أن هذا لا يدخل فى مجال سلطاته على المريض، وهكذا أيضاً المرشد الروحى، إن له مجالاً للعمل وهو البناء الروحى الداخلى للإنسان وله أن يطلب من الناس الطاعة فى هذا، مثل مقاومة أفكار البغض والحسد والشهوة والكبرياء، ولكننا نحمل مرشدينا الروحيين مسئولية القرار فى أشياء بعيدة عن هذا المجال: مثل اختيار التخصص أو جهة العمل أو اختيار شريك الحياة.

وعن موقف الكنيسة من الطوائف المسيحية غير الأرثوذكسية غير تاريخها لم تتحمس الكنيسة القبطية للتحالف مع أية طائفة، حتى التى تتفق معها فى العقيدة، إلى أن انضمت فى عهد البابا كيرلس إلى مجلس الكنائس العالمى، وفى بداية عهد البابا شنودة بارك ما سمى باللجنة المسكونية وهى حركة أسسها عدد من الخدام، بهدف أن يتعاون الشباب بعداً عن الخلافات العقائدية، وكان الأمل أن ينشأ تدريجياً مناخ من الاحترام المتبادل وأن تتكامل الجهود، فالكنيسة الأرثوذكسية تتميز بتراثها النسكى الروحى، بينما تملك الكنيسة الكاثوليكية خبرات متعددة فى مجالات الخدمة الاجتماعية، أما الكنيسة الإنجيلية فقدمت أشمل الدراسات فى الكتاب المقدس، لم يعترض البابا، ولكنه لم يكن موافقاً تماماً، وتابعنا فى الفترة الأخيرة، كيف قام الأنبا بيشوى ومعه آخرون بزرع الكراهية بين المسيحيين داخل مصر مؤكدين أن الأقباط الأرثوذكس هم فقط الذين سيدخلون الأبدية!.. لقد أقام نيافته وأشرف على مؤتمرات تصادر فكر كل من اختلف مع قيادة الكنيسة، ليزداد الانقسام ويعم البغضاء وينغرس التعالى فى أذهان كثيرين من الأقباط.. ولم لا؟ أليسوا هم وحدهم الذين فازوا بالحياة الأبدية!

كما تم استبعاد أهل الفكر المسيحى، بل والسخرية منهم لأنهم يلقبون أنفسهم بالمفكرين، والمفكر فى المصطلح الثقافى هو شخص يهتم بالشأن العام وله رؤية مستقبلية هدفها تغيير الواقع إلى الأفضل، وهم فئة مطلوبة فى المجتمعات المتحضرة، حيث تنشأ مراكز الدراسات خصيصاً لاستثمار الإنتاج الثمين لهؤلاء المفكرين فى حل مشاكل المجتمع.