رؤية

شروخ فى جدران قبطية قديمة

مدحت بشاي

السبت, 18 مايو 2013 00:08
بقلم:مدحت بشاي

لاشك أن المواطن المصري (مسلم/مسيحي) قد عانى تبعات المتغيرات التاريخية والسياسية الناجمة عن تبدل شكل ومضمون السياسات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والثقافية مع بداية عصر كل حاكم.. نعم، واكب زمان كل حاكم الكثير من الظروف التاريخية المؤثرة على تشكيل ملامح عصره

، فقد كان لكل حاكم تعامله الخاص جداً مع ظروف عصره حتى لو تشابه بعضها مع ظروف عصر آخر.. وتأثرت علاقة شركاء الوطن (سلباً/إيجاباً) بتوجهات الحاكم ونظامه، وكذلك علاقة النظام بالمواطن المسيحي بشكل خاص في التعامل مع حقوقه ومشاكل ممارسة البعض ممارسات تمييزية ضده على أساس الهوية الدينية.. ولقد انعكست ملامح تلك المتغيرات في الفنون والآداب بكل أشكالها الإبداعية، ترصد وتقدم ما اكتسب المواطن المسيحي من مكتسبات أو تراجع أحواله عبر التغير الحادث في تركيبة شخصيته.. وتسأل الكاتبة والباحثة الرائعة الدكتورة نيفين  في دراسة تمت الإشارة إليها في جريدة الشروق: كيف انعكست ممارسات جماعات التطرف والإرهاب فى أوراق الأدب المصرى المعاصر؟.. وتقول في الواقع إن الأديب المصرى انشغل دائما بسؤال: لماذا يتعصب الإنسان؟ وذلك قبل أن تنشط جماعات التطرف منذ مطلع سبعينيات القرن الماضى.
فرواية «السكرية» لنجيب محفوظ سبق أن طرحت هذا السؤال قبل أربعين عاما مع صدور الطبعة الأولى للرواية، وتحديدا فى عام 1957 فلقد سأل كمال السؤال المذكور آنفا، وقد نوهت أعمال محفوظ ببعض نماذج هذا التعصب غير المبرر وغير المقبول. وأقول مؤكداً نعم  لقد تعددت الأشكال التى تناول بها الأدباء شخصية القبطى فى القصص والروايات. فهناك من لجأ إلى التاريخ مثل الأديبة سلوى بكر فى عملها المتميز «البشمورى»، والكاتب يوسف زيدان فى عمله

المثير للجدل «عزازيل»، وهناك من تعامل مع نماذج واقعية معاصرة مثل الكاتب علاء الأسوانى فى «عمارة يعقوبيان»، و«شيكاغو».. وتأتى أعمال الرائد إدوارد الخراط كتجارب مستقلة فريدة فى لمس الجانب المثيولوجى والأساطير الروحية القبطية فى روايات عديدة منها رامة والتنين وصخور السماء وحجارة بابيللو وغيرها. وكل هذه النماذج والأشكال تستحق دراسة مستقلة لهذه الأعمال الإبداعية وكيفية تناول شخصية القبطى فى الأدب. ومراحل تطورها. ولكنى هنا بصدد الاقتراب من شكل جديد لتناول الشخصية القبطية فى إبداع شاب صاحب رؤية جديدة ومتميزة هو الكاتب روبير الفارس، والذى صدرت له مؤخرا رواية (جومر جريمة فى دير الراهبات) عن وكالة سفنكس للإبداع والفنون، وعنوان الرواية تتبعه جملة غريبة تقول كلماتها (شروخ فى جدران قبطية قديمة لمن يريد أن يفهم) فى إيحاء أن الرواية تناقش مورثات قديمة، وعلى من يريد أن يفهم بعض التصرفات القبطية أن يتعرف على هذه المورثات، وبالفعل تتعرض الرواية للشروخ المحركة لنفسية القبطى المعاصر، والتى توارثها من تاريخ طويل. وقد تضمنت حلقات مريرة من الاضطهاد والأوجاع كان أكثرها شراسة الاضطهاد الرومانى للأقباط والذى جاء فى عشر حلقات من خلال عشرة أباطرة أذاقوا الأقباط الويل وجعلوا دماءهم تسيل كالأنهار فى الشوارع. الأمر الذى عبر عنه الفلكلور الشعبي فى إطار من المبالغة بالقول أن دماء الأقباط وصلت إلى ركب الخيول. وقد تميزت صياغات «روبير» أنه يكتب
من الداخل، أى أنه مُلم بشكل جيد للتاريخ والموروث الشعبى، فتظهر انعكاساته على السياق الدرامي والشخوص، لأنه يمتلك ناصية الحكى بأسلوب بليغ. وبذلك يشكل في النهاية عالم مدهش يجمع فى خيط واحد بين الواقعية والخيال السحرى ببساطة وعمق. وأجد الكاتب قد حالفه التوفيق عندما استهل أحداث روايته من معطيات الوقت الحاضر، فقد اختار الفارس أن يغرس قلمه بين شروخ وجروح التكوين الثقافى والروحى لشخصيات قبطية تئن من حمل تراث كبير ومتراكم يجمع بين الخيال النُسكى والنصائح الروحية، الأمر الذى يعرقل مسيرتهم فى الحياة المعاصرة، يأتي ذلك من خلال شخصية جومر - الاسم مستوحى من سفر هوشع بالعهد القديم - ويعنى حرفياً امرأة من النار، والتى تولد لأم بائعة صور فى منطقة السبع كنائس (محطة مارجرجس بمصر القديمة) بكل ما يحمله المكان من موجودات تترك أثرا نفسيا وروحيا دفينا للمتابع لها، أما الأب فهو نازح من الصعيد هارباً من الفقر والحر.
هذه الأسرة البسيطة والتى تضم بين أعضائها شقيقتها مريم والأخ الأصغر يوسف تواجه إلى جانب مشقة الحياة مشقة أخرى قاسية وهى جمال جومر الذى يجلب لهم المصائب، وتلجأ الأم إلى مارجرجس لتكون جومر فى حمايته ويلعب الكاتب على المزج بين القصص الإعجازية التى تحكيها الأم عن مار جرجس والعذابات التى تتعرض لها جومر، ومع فسخ خطوبة جومر من الشاب المرشح للكهنوت تتفكك الأسرة الصغيرة.. جومر تشهر إسلامها، الأم تموت..الشقيق الأصغر يقتل زميله الذى عايره بأخته.. مريم تتزوج ابن عمها الصعيدى الذى يذيقها العذاب. يتم العثور على جومر مقتولة داخل أحد الأديرة تحوم الشبهات حول كثيرين. وهنا يدخل الكاتب إلى عمق التراث ليقدم قراءة إنسانية جديدة عن نشأة الرهبنة ويتعرض لمحاكمة التراث القبطى فى جرأة وحدة ليصل إلى قاتل لا يتوقعه.. الرواية مكتوبة بلغة شاعرية عميقة وتستحق قارئ أدب متمرسا للتوغل فى أعماقها الناضجة ومواجهة أسئلتها الشوكية.. روبير سبق أن صدر له رواية «البتول» ومجموعة قصصية بعنوان «عيب إحنا فى كنيسة» إلى جانب عدد كبير من الدراسات والأبحاث.
[email protected]