استجماتيزم في مخ مناهضي الثورة

مدحت بشاي

السبت, 09 أبريل 2011 09:27
بقلم :مدحت بشاي

 

»استجماتيزم في المخ«.. عنوان كتاب صدر في نهاية العام الماضي، وقبل الثورة الينايرية بشهر واحد، ويمثل بأطروحاته تجربة بديعة سطرها شباب جامعي.. مصطفي الصياد مع مينا شنودة قدما نموذجا لشباب قرر أن يتقدم خطوة في مجال التشابك والتعامل مع مشكلة السلوك الطائفي المرضي بين شركاء الوطن الواحد برؤية شابة جديدة.. الكتاب يقدم مجموعة من الحواديت الجذابة، والرؤي الصادقة لواقع العلاقة بين الأقباط والمسلمين دون تزييف، ويؤكد الكتاب علي إصابة أصحاب الفكر الطائفي والمذهبي بعلة الاستجماتيزم، حيث يعانون الرؤية القاصرة غير الكلية، والنظرة الأحادية ضيقة المجال والقدرة علي فك شفرة تفاصيل الصورة المصرية الأصيلة الضامة الحانية..

إنها حالة الاستجماتيزم التي أصيب بها رجال السلطة والسلطان في عهد الرئيس المخلوع، والتي نبه إليها بقوة وغضب جماهيري لخطورتها وتبعاتها علي البلاد والعباد تظاهرة شباب 6 أبريل العبقرية، والتي احتفل بعيدها الرابع شبابنا وكل أبناء مصر منذ أيام.. حركة نضالية مثلت إرهاصة وطنية قوية، كما حركة »كفاية« التي كسرت حواجز الخوف من المواجهة المباشرة لرموز القهر، والنزول إلي الشارع المصري، بعد الاكتفاء زمناً طويلاً بالعمل النضالي المتحفي الحنجوري في الغرف المغلقة، والصراخ الممل بمُعلقات التنظير السياسي في دواوين الفعاليات الثقافية، ومختبرات البحث الأكاديمي..

إنها حالة الاستجماتيزم التي أصيب بها رجال السلطة والسلطان في عهد الرئيس المخلوع، والتي واجهها شباب الجامعات، ومن منا يمكن أن ينسي وقفة الطالب عبد الله أحمد بظاظو في مواجهة الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء الأسبق، عندما هتف قائلا »أشعر بالفساد في كل مكان وبقيت أتنفسه ومش حاسس بمقاومة من جانب الحكومة. كل يوم الصبح أحس بالغربة، وإن البلد مش بلدي. ليه المواطن يشعر أن كرامته بره أو جوه مش موجودة« وقام بتذكير نظيف بواقعة بكاء أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وقوله »إذا تعثرت دابة في العراق فسوف يسأل الله عنها عمر«، وسأل رئيس الحكومة: هل

بكيت عندما سمعت عن غرق أكثر من ألف مصري في عبَّارة ممدوح إسماعيل.. افرج عن شباب 6 إبريل.. مصر حزينة.. ثم يقول تحت قبة الجامعة الأم ساخراً »الرغيف موجود والديمقراطية موجودة والحرية موجودة والتعليم زي الفل« ثم صارخاً »افرج عن شباب الإنترنت ياريس«.. بظاظو من مواليد 3 ديسمبر 1989 بمدينة دسوق بمحافظة كفر الشيخ، وكان حين واجه نظيف طالباً بكلية الطب، ولا ينتمي إلي أي حزب أو تيار سياسي..

والآن نُعاني ـ بعد الثورة ــ من مرضي بنفس حالة العمي، وإلا بماذا نفسرتوالي الأحداث الانفلاتية، والتصريحات الخطيرة التي يتم بثها بغباوة تضر بمصالح الوطن والمواطن، ليس فقط لضررها أمنياً وإنسانياً واجتماعياً، ولكن لتجاهل عن عمد / بغير عمد الظرف التاريخي الذي نعيشه في بداية فترة تحول ثورية رائعة، بعد أن انشق عن الصف الوطني نفر من الانتهازين والموتورين ومن كانت لهم مصالح  في زمن النظام الذي نجحت ثورة يناير في البدء بإطاحة رأسه، وبعض القيادات، وصولاً لتحقيق كامل أهدافها علي الأرض.. تحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية عبر تفعيل آليات محاربة الفساد وتأمين شفافية المعلومات وتوفيرها، وإطلاق حرية العيش والإبداع والابتكارالإنساني..

نعم منا ـ للأسف ـ من يعانون استجماتزم، بل حالة عمي يناهضون بها فورة فرحنا بإنجازات الثورة.. إحراق مسكن »أيمن أنور ديمتري«، وقطع أذنه وإجباره علي التنازل بصلح عرفي بحضور عدد من القساوسة والمشايخ بقنا ( وكأننا في زمن ما قبل الثورة !! )، وإطلاق شيخ سلفي علي استفتاء 19 مارس مُحتفلاً بانتصار أنصارالإدلاء بــ  نعم »غزوة الصناديق«، ثم موجهاً حديثه للأقباط »البلد بلدنا واللي مش عاجبه يروح لأمريكا

أو كندا«، وكأنه يواصل حالة السجال الطائفي ( التي كانت قائمة  قبل الثورة ) التي شهدت تطاولاً غير مقبول من أسقف قال برعونة: »إحنا أصل البلد وانتم ضيوف علي أرضها«.. ثم حالة احتفاء إعلامي بنجوم التطرف والتشدد إثر خروجهم من السجون، وفي مقدمتهم قاتل الرئيس السادات، وهو يطالب بروح الزعيم بأمور من شأنها وأد حلم بناء دولة مدنية،  فضلاً عن جرائم فوضوية هنا وهناك لترويع الآمنين وفرض إتاوة علي أهالي قرية بأسيوط، وتجمهر 500 سلفي أمام كنيسة الفادي بمنطقة حدود البراجيل التابعة لقسم إمبابة، ومنع الأقباط من الصلاة داخل الكنيسة.. ثم هدم الأضرحة، وأخيراً فضيحة موقعة الجلابية علي استاد القاهرة !

ولأننا شعب حاله كحال كل شعوب العالم، لا ينتسب إلي عالم الملائكة، ولأنه من الطبيعي أن الشعوب عندما تثور تُخرج للدنيا أعظم قيمها وتُقدم للعالم أطيب نماذج بنيها، إلا أنها أيضاً قد تكشف أحياناً عن وجود عناصر خبيثة شريرة انتهازية غير وطنية، لذا وفي المقابل فإن أمر الاتجاه لتعظيم القيم الإيجابية عبر بث رسائل عاجلة من مؤسسات العمل الثقافي والتعليمي والديني والاجتماعي لدرء مخاطر حدوث ثورة مضادة بات أمراً ملحا ًوضرورياً.

لقد كان النظام الذي رحل لايسعي لإقامة دولة دينية، ولكن كان يستند إلي مؤسسات دينية لمنحه شرعية لتأييد قراراته، ولا ينبغي ألا يتكرر المشهد بعد ثورة يناير.. لابد أن نرفض الاستعلاء علي الناس  باسم الدين مسيحيا كان أو إسلامياً.. لابد أن نقرر خيار الشعب، ونسأل: هل نريدها دولة دينية أم دولة مدنية ؟

وأسأل: هل يمكن ــ علي سبيل المثال ـ قبول حديث داعية شهير، وأحد الوقوف بشكل دائم متحدثاًً علي منصات الميدان والمتحدث باسم شباب الثورة علي  شاشات التلفاز قوله  لشباب كلية الهندسة جامعة أسيوط: »أنه لولا شباب الإخوان قد دافعوا عن الثوار لكان ذبح الشباب في ميدان التحرير«.. في وقت لابد أن نحرص علي التقريب بين الشباب، هل حل أوان توزيع نياشين البطولة لفصيل فئوي طائفي، مخاطباً شباب الجامعات؟!

لقد دفع الشباب جميعهم في الميدان وخارجه لإقامة دولة مدنية ضريبة الدم، وقدم قرابين فداء الأمة في حالة نقاء عبقرية أصر فيها علي تطهير البلاد من الفساد والمفسدين.. ويؤكد الجميع أنه في ظل دولة مدنية سيسود بين الناس في مصر قيم العدالة الاجتماعية، فضلا عن تطبيق مبدأ سيادة القانون، ومن ثم ننعم بنسائم الحرية في وطن عبقري..

[email protected]