رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

الديمقراطية بكام النهاردة؟!

مدحت بشاي

السبت, 02 أبريل 2011 08:41
بقلم: مدحت بشاي

 

»إقامة حياة ديمقراطية سليمة«.. هدف من الأهداف الست التي رفعتها ثورة يوليو 1952 كنا نتذكره بأسي في غمرة الاحتفال كل عام بعيدها.. ولم يكن ذلك الهدف مجرد شعار ترفعه الثورة، بل كان بمثابة إعلان حماسي موجه لأبناء الوطن وللعالم العربي، ولكل شعوب العالم الحر علي أرض المعمورة، وكأن قادة الثورة ما خلقهم المولي، وأتي بهم في تلك المنطقة إلا لإرساء معالم الديمقراطية وإعمال آلياتها الناجزة الفاعلة في مسيرة عبقرية لتحقيق التقدم، وحتي تاريخه نعيش حالة انتظار الحلم!

ولم يكن هناك مجال لتضييع الوقت لإثبات مدي تدفق آليات المد الثوري في هذا الاتجاه، ففي إطار ما أطلق عليه شرعية الثورة تم إلغاء الأحزاب حيث لا ديمقراطية في وجود أحزاب، ولأنه بات من المعروف أن من تحزب خان (كما يشير الفكر الأخضر لجيراننا الآن من بيت لبيت ومن زنقة إلي زنقة!).. نعم الديمقراطية التي نقصدها هي خيانة لحركة المد الثوري الديمقراطي التحرري التقدمي الشعبي الطليعي الوحدوي الجماهيري.. بل هي خيانة لدافعية حركة التاريخ وواقع الجغرافيا، وكل مبادئ العقائد الثورية، والمنطلقات الأيديولوجية لفكر قيادات المثابات الثورية وتطلعهم لتحرير العباد من تطبيق ديمقراطية الأحزاب اللعينة التي تساهم بالضرورة في إنشاء صراع غير منطقي بين فكر يساري وآخر يميني وثالث مستقل، أو بين من يرون مصر مصرية وآخرون يجزمون أنها عربية، أو بين من يسعون لأن تكون مصر دولة دينية في مقابل من يصرون علي بقائها دولة مدنية!

لقد أصر القائمون علي تفعيل برامج الثورة أنه لا ديمقراطية إلا من خلال تنظيم ضخم واحد هو الاتحاد الاشتراكي لتتفاعل داخله كل القوي تحت مظلة وطنية راعية تمثل الأم الحانية الرؤوم التي تصون ولا تبدد، تحمي ولا تهدد، تجمع ولا تفرق.. تفرز الغث من السمين في ظل توجه وطني قومي واحد رشيد.. تنظيم تحتفي بهمومه وطموحاته المستقبلية صحافة وإذاعة ثم في مرحلة تالية تليفزيون تم تأميمها جميعاً ليتحولوا إلي هيئات حكومية ضخمة لضمان الاستقامة، وعلي جانب آخر ولضمان استقرار حياة الناس (وحياة الاتحاد الاشتراكي أيضاً)، ولسد احتياجاتهم اليومية كانت المجتمعات الاستهلاكية وأسواق وسلع وخدمات تعمل حسب التسعيرة الحكومية (كان هناك برنامج إذاعي صباحي شهير يومي يعلن أسعار السلع الاستهلاكية)، وللخدمة العلاجية وحدات صحية ومستشفيات عمومية تنتشر في طول البلاد وعرضها توفر العلاج والدواء المفيد من الزرنيخ والحديد والنوفالجين العلاج الناجع لكل الأمراض!!

وفي ظل هذا التوجه الثوري الديمقراطي غير المسبوق كان لا يمكن السماح بالخروج عن الشرعية الثورية لأن البلاد والعباد كان يحكمهم نظام دقيق محكم الحلقات، وأي خلل أو عطب يمكن أن يتسبب في هدم جميع أرجاء المنظومة التاريخية العبقرية، وهو الأمر الذي لا يمكن السماح به.. وعليه وبمجرد رسوخ تلك المنظومة كان لابد من تأهيل الأجيال الطالعة في المدرسة والجامعة عبر معسكرات وطنية يتم من خلالها تأمين ثقافة ثورية وحدوية وقومية وعربية يحتشد لغرسها نخبة من أولاد

الثورة المخلصين.

أما ما حدث بعد ذلك فقد عشناه ونحن نتابع الحصاد المر الوفير في نكسة يونيو 1967، وعليه كان ينبغي أن تكون هناك وقفة ليبدأ التفكير علي استحياء في هذه الديمقراطية التي قالوا إنها الحل فكانت منابر السادات الشهيرة، ثم الأحزاب بتكليف لأشخاص ، ثم حدوث الانفراجة الشكلية في عهد الرئيس السابق بالموافقة علي تشكيل أحزاب وفق آليات وخطوات كوميدية مفزعة، عبر لجنة يرأسها المسئول عن الحزب الحاكم في نكتة تاريخية غير مسبوقة، وبآليات داعمة للحزب الأخطبوطي يأتي في مقدمتها  صحافة  وتليفزيون وإذاعة ومجلسا شعب وشوري الحزب!!

وبعد هذه الرحلة التي امتدت أكثر من نصف قرن من الزمان - وهي وإن كانت ليست بالطويلة في عمر الأمم - أصبحنا للأسف نعاني مما يمكن أن نطلق عليه تطبيقات الديمقراطية الشكلية العليلة، وأري أنه يشاركنا فيها - ويا للغرابة - أعتي وأقدم النظم الديمقراطية في العالم من حيث الشكل.. وأقصد المعاناة من "فن صناعة الأغلبية" .. نعم للديمقراطية أسس ومبادئ يأتي في مقدمتها أن القرار يكون بحكم الأغلبية.. وعليه كان القرار الديمقراطي الأمريكي باحتلال العراق وشبيهه القرار البريطاني وفي مرحلة ما القرار الأسباني.. ولا يهم أن يعود ضباطهم وجنودهم موتي في صناديق بالآلاف مادام القرار ديمقراطياً.. لا يهم إنفاق مليارات الدولارات من حصيلة ضرائب المواطن الأمريكي أو البريطاني للصرف علي حروب خاسرة، وإقامة القواعد والمحطات العسكرية علي اليابسة في كل الدنيا وأساطيل في البحار ومعتقلات تعسف بكل حقوق الإنسان مادام القرار ديمقراطياً..

وقد يدعي البعض أن القرارات التي تخص حياة الناس اليومية وأحلامهم وطموحاتهم في تلك الدول العريقة في ممارسة الديمقراطية تظل في غاية الديمقراطية.. انتخابات نزيهة.. تداول في السلطة.. إمكانية المحاسبة والمساءلة للمسئولين تصل إلي حد إقصاء الحكومات وعزل الوزراء.. حق التظاهر والتعبير عن الرأي بكل الوسائل المتاحة... إلخ ، ولكن تظل جراح نقض ملامح الديمقراطية وآلياتها أمراً ينبغي حرص الشعوب علي الاكتفاء بوجهها الأبيض..

نعم نقدر تطبيقات الديمقراطية العتيدة في داخل تلك الدول، ولكن ما جدوي نعيمها لدي المواطن في الغرب وهو يخشي نزول محطات مترو الأنفاق أو ركوب طائرة أو حافلة أو عربة قد يقبع الموت في مقدمتها أو مؤخرتها أو تحتها بدعوي أن بلاده قد قررت خوض حرب عالمية ضد الإرهاب بأغلبية تم حشدها في رد فعل غير موضوعي وغير علمي علي أحداث 11 سبتمبر فيكون الحصاد خسائر بشرية ومادية هائلة تفوق ما خسروه في ذلك اليوم الحزين ودون جدوي، بل يمكن التأكيد علي

تصاعد الخسائر في العراق وأفغانستان وكل موقع يرون أنهم يكافحون الإرهاب فيه خارج حدودهم لتأمين المواطن في الداخل، فإذا بهم يزيدون من مرارة واقع هذا المواطن الذي ينتقل إليه الإرهاب بأشكال تتجدد وتتنوع وتزداد جسارة وبشاعة وإيلاماً..

وقد يدعي البعض أن مشكلة الإرهاب ومكافحته قد تشكل مرحلة ما في حياة الأمم وتظل النظم الديمقراطية هي السياج الآمن لمنطلقات الشعوب نحو الحرية واستقلال القرار.. وأري أن الديمقراطية التي يتم اختراقها بآلية صناعة الأغلبية هي ديمقراطية هشة مخيفة..

وإذا عدنا إلي الحرمان من ممارسة الديمقراطية في ظل ثورة ناصر، فإنها لم تنل من إنجازات تلك الثورة بقدر كبير (علي الأقل في الفترة الأولي)، التي لا يمكن أن ينكرها جاحد في مجالات البناء والتنمية والصناعة والثقافة والفنون وغيرها بعد أن باتت تمثل محطات بناء هامة في حياة الوطن والمواطن، حيث كان البديل لنعمة الديمقراطية وجود أكثر من مشروع وطني، لعل أبرزها حلم بناء السد العالي، والبعد السياسي والاقتصادي للمشروع، وإنشاء صورة عبقرية لإدارة شعب عظيم أراد فقرر وأنجز عبر تخطيط ومنهجية أداء مُحكمة، ولكن يظل الأمل لدي الناس الابتعاد عن فنون صناعة الأغلبية بالتدليس والقهر داخل بيت الشعب، فتنشأ مهنة تفصيل وحياكة القوانين من جانب بشر خانوا الوطن والمواطن، وأن يكون لآراء ومشاكل الفئات القليلة العدد الاحترام الواجب والإصرار علي مجالستهم، وألا نقدمهم دائماً قرباناً لديمقراطية الأغلبية.. حتي لا نتخيلهم عندما يصبحون كل يوم يسألون بخوف وريبة عن حجم قربانهم الذي يجب أن يقدموه علي مذبح الديمقراطية وهم يسألون "هي الديمقراطية بكام النهاردة؟"، كما كان يسأل المواطن في الستينات هي الطماطم بكام النهارة لمذيع  برنامج حسب التسعيرة؟!!.. وحتي لايفيض الكيل بالناس ويكفرون بالديمقراطية التي يتم اغتيالها عبر تحالف رذيل بين ممثل الأغلبية وسيد قراره، فتظهر الورقة القبيحة التي تشير إلي رغبة عدد معين من ممثلي الأغلبية للانتقال إلي جدول الأعمال القاتل لمحاولة إقامة أي إصلاح!

في اجتماع وزاري في العهد البائد تم استعراض آليات مواجهة الفساد الإداري وتقرر كما أشارت الأخبار الواردة من مجلس الوزراء السير في 4 اتجاهات رئيسية هي "استحداث نظام رقابي داخلي بكل إدارة حكومية والتوسع في نظام الميكنة بما يضمن عدم التعامل المباشر بين الموظف والجمهور والتعديل التشريعي الذي يشدد من خلاله العقوبات التي ستكون رادعة لكل من تثبت إدانته مع تحسين دخول الموظفين ورفع كفاءتهم التدريبية والتأهيلية"، وقيل إن الحكومة بدأت في مواجهة الفساد منذ فترة وستستمر في هذه المواجهة التي كانت سبباً في احتلال مصر المركز الـ 47 من إجمالي الـ 117دولة التي حددت التقارير الدولية وجود فساد إداري بها..

وباندلاع ثورة يناير العبقرية ، ظهر لنا كم الفساد وأشكاله الخيالية، التي بات من الصعب تصديق أن تستمر حياة أمة في وجودها، والتي كانوا يتحدثون أنها تكمن فقط في موظف الشباك المسكين الذي سيحولون بينه والتعامل المباشر مع المواطن ، فإذا بنا نري الكبار وقد بات معظمهم محل اتهام وتحقيق والسجن الاحتياطي وتجميد أرصدتهم المالية!!

لا شك أن فتح النوافذ ليدخل منها هواء الحرية حتي يتنفس الناس أكسجين نقياً متجدداً أمر يبعث علي الأمل في أن تتقلص مساحات العفونة وتختفي بالتدريج الروائح الكريهة التي باتت تزكم الأنوف وتمنع عن الناس حلم أن يحيوا في سكينة وهدوء وسعادة..

ويا كل صناع الأمل الينايري العبقري هل لي كمواطن مصري التذكير بأن أعظم فوائد دخول رياح الديمقراطية إلي أي مجتمع هو دعم وتحفيز الناس علي كشف مناطق الضعف التي تشكل تربة صالحة لنمو آليات الفساد، ووجود المفسدين وتحفيز الفاسدين علي مواصلة دورهم التخريبي الهادم لكل أعمدة البناء، والمحبط لأمل وضع أسس معمار التقدم..