رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

شاليط فى مواجهة أمة!

مدحت بشاي

السبت, 05 نوفمبر 2011 00:49
بقلم : مدحت بشاى

نشرت الصحف البرياطنية صباح 8 من نوفمبر بيان بلفور وكان نصه كالآتى: وزارة الخارجية فى 2 من نوفمبر 1917

عزيزى اللورد «روتشلد»، يسرنى جداً أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالى الذى ينطوى على العطف على أمانى اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته: إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومى للشعب اليهودى فى فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينيةالتى تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن فى فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسى الذى يتمتع به اليهود فى البلدان الأخرى، وسأكون ممتناً إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علماً بهذا التصريح، توقيع: المخلص (آرثر بلفور).
ورغم بشاعة هذا التصريح، وعدم حيادية ومنطقية إصداره، وما تردد عنه بحق أنه جاءمن جهة لا تملك حق الوعد إلى جهة أخرى لا تستحق أى حق، إلا أن القارئ لنص الوعد يلاحظ العبارة التالية  على أن يكون مفهوماً بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التى تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن فى فلسطين، ويبقى السؤال لماذا حول الصهاينة الوعد (غير المقبول) إلى واقع فى مقابل عدم استبسال العرب فى التمسك بالحد الأدنى (غير المقبول أيضاً) الذى جاء فى تلك العبارة؟!
وفى منتصف ليل 14 مايو 1948 أعلن المجلس اليهودى الصهيونى قيام دولة إسرائيل، وقد اعترفت بقيامها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفيتى، وكان أن انسحبت القوات البريطانية فى 15 مايو، وكانت حرب 1948 بين الجيوش العربية (مصر، العراق، الأردن، سورية، لبنان) تنفيذاً لقرار الجامعة العربية الصادر فى 12 أبريل 1948.
وكان تشكيل القوة العربية كالتالى: القوات المصرية 10.0000، القوات الأردنية 4.500، القوات العراقية 2.500، القوات اللبنانية 900 قوات غير نظامية 3000، فيكون إجمالى القوات العربية 22.776، بينما بلغت القوات الإسرائيلية 62.000 إضافة إلى قوات الأرجون وقوات

البوليس اليهودى ومنظمة شتيرن الإرهابية، وقد ظلت الحرب قائمة ولكنها كانت لصالح العدو الإسرائيلى حتى تم التوقيع على اتفاقيات الهدنة الأربع بين 24 فبراير و20 يوليو 1949، وفى 7 مارس 1949 قُبلت إسرائيل عضواً كاملاً فى الأمم المتحدة.
وبدون تعليق لأن الأرقام تشى وتفضح وحدها تخاذل أمة تضم كل هذه الدول بأعدادها التى تقدر بالملايين فى تقديم قوات بأعداد تقارب ما قدمته شراذم اليهود فى دول الشتات، حتى كان فرض ذلك الواقع الأليم.
وباستثناء حرب أكتوبر العظيمة والانتصار المصرى والعربى فإن هزائم أمتنا العربية وإخفاقاتها تتوالى على المستوى العسكرى والاقتصادى والدبلوماسى والثقافى والحضارى، هزائم تتعلق بتراجع علاقات بينية لدول تلك الأمة، وأخرى فى مواجهاتها للعدو الصهيونى والعالم!!
دولة تغزو جارتها فى وضح النهار، جبهة للصمود والتصدى لمواجهة دولة تُعيد أراضيها بالتفاوض، ملاسنات فضائحية على طاولات جامعة الدول العربية بين قادتها، تراجع التجارة البينية فى مقابل تقدم أرقام معاملاتهم التجارية، صراعات فلسطينية داخلية وفشل عربى فى تحقيق تصالح، معارك إعلامية تقودها قنوات إخبارية تسللت لشوارع وحوارى مدن وأرياف الدول العربية للإثارة والاتجار بمشاكلهم وآلامهم بشرط عدم الاقتراب من دول أصحاب تلك القنوات، تعاون مكشوف ومستتر مع نظام الكيان الصهيونى بأشكال وألوان ومسارات متعددة إلى حد إمداده بالغاز من قبل النظام المصرى الذى سقط مؤخراً.
وتبقى القضية الفلسطينية مادة يقتات عليها أدعياء العمل السياسى العربى والقومى، وشعراء الحس الحنجورى، ورسامى اللوحة القومية، ومن ينشغلون بالبحوث والدراسات والمقالات التنظيرية، وقد ساهمت تلك القضية فى تقديم ورفع شأنهم، ولكنهم أبداً لم يرتفعوا بالقضية!
لم أكن أبداً من بين من تندروا، أو سخروا من فكرة القومية العربية فى يوم من الأيام، حتى لو بات أمر حالنا كعرب مخزياً ومتراجعاً، وإلى
حد لم يعد يجمعنا سوى أننا فقط مجموعة من الدول الناطقة بالعربية، فلا جغرافيا تسمح بتجاوزنا ومؤامرات التقسيم يتم تفعيلها على قدم وساق، ولا تاريخ بعد أن سطرنا الحروف الأبرز فى زمن التشرذم، ولا حدوتة أننا مهد الأديان بعد أن سادت الطائفية الشارع العربى وبتنا أمة تفتى بعد أن كانت أمة تصلى لبارئها للهداية.. نعم رغم كل تلك الأمارات أرى أن الشعوب مازال لديها ما تقوله.. نعم هبت الشعوب لتقول كلمتها، فأسقطت عبر ما أطلق عليه «الربيع العربى» أعتى الديكتاتوريات فى المنطقة عبر ثورات شعبية عظيمة، ونشرت دعواها عبر الضمير العربى الجمعى لتؤكد أن الأنظمة ومهما حاولت قطع كل أواصر التواصل، سيظل عين المواطن العربى وفؤاده على الأحداث فى كل بقاع الوطن الأكبر، ليس من واقع إحساس وانتماء عروبى وقومى لدى المواطن المسكين، ولكن لتشارك معظم الشعوب فى ألم العيش تحت نير عبودية نظم حاكمة مستبدة لحقب مظلمة، تتفاوت درجة الظلم ومساحات العتمة من دولة لأخرى، فقد جمع بينهم الغضب العارم على أحوال بلادهم وبشاعة النيل من كرامة المواطن العربى على أرضه.
نعم.. إنها الكرامة التى استشهد من أجلها محمد البوعزيزى الشاب التونسى الذى قام يوم الجمعة 17 ديسمبر 2010 بإضرام النار فى نفسه أمام مقر ولاية سيدى بوزيد احتجاجاً على مصادرة السلطات البلدية فى مدينة سيدى بوزيد لعربة كان يبيع عليها الخضار والفواكه لكسب رزقه، وللتنديد برفض سلطات المحافظة قبول شكوى أراد تقديمها فى حق الشرطية فادية حمدى التى صفعته أمام الملأ وقالت له: degage أى ارحل «فأصبحت هذه الكلمة شعار الثورة للإطاحة بالرئيس وكذلك شعار الثورات العربية المتلاحقة» وكان أن أضرم على الأقل 27 مواطناً عربياً النار فى أنفسهم لأسباب اجتماعية متشابهة تقليداً لاحتجاج البوعزيزى، وبالمناسبة فقد أقيم تمثال تذكارى تخليداً له فى العاصمة الفرنسية باريس!
إنها الكرامة التى من غير المقبول أن يكون قيمة المواطن العربى تساوى أقل من مواطن فى مقابل أكثر من ألف إسرائيلى فى صفقة شاليط، مهما قيل إن علينا القبول بالأمر الواقع الذى تفرضه موازنات القوى فى المنطقة، لقد قدم المواطن العربى على مذابح الحرية الآلاف فى تونس ومصر وليبيا واليمن وسوريا من أجل رفع سقف طموحات الوطن والمواطن فى العيش بكرامة، ولا يمكن أن يقتصر تعاملنا مع العدو على مظاهرات صبيانية عبيطة، أو صعود مراهق ساذج فوق عمارة السفارة الإسرائيلية، فنحتفى به كبطل قومى فى فضيحة غير مسبوقة لوطن قام شبابه بثورة عظيمة لتحقيق تقدم وتغيير فى المفاهيم القومية الساذجة!

[email protected]