هي دي روح البلد

مدحت بشاي

السبت, 15 يناير 2011 07:13
بقلم: مدحت بشاي

إلي برنامج »صباح دريم« تحدثت طفلة صغيرة من علي فراش أحد المستشفيات التي استقبلت الحالات المصابة عقب حادثة تفجير كنيسة القديسين بالإسكندرية.. قالت الطفلة بعفوية: »أنا مش عايزة حد غريب يدخل إسكندرية«، وعندما سألتها المذيعة والإعلامية المثقفة والفنانة التشكيلية دينا عبدالرحمن في حلقة من البرنامج هي الأروع في متابعة الحدث، سألتها: وإيه رأيك في الناس الكتير اللي زاروكي من كل محافظات مصر مش إسكندرية بس، كان رد الطفلة بتلقائية بديعة وإيجاز: هي دي روح البلد.. نعم يا طفلتنا الجميلة هي دي روح البلد.

يسأل البعض منا في ذعر، قد لا يخلو من مبالغة، هل خفت النور أمام طغيان الظلام؟ كلا فإن الكلمة العليا ستظل للسلام لا للعنف والطائفة.. هناك أمل ورجاء متي أدرك الإنسان أن القوة الحقيقية تكمن في التسامح والغفران لا في التشفي والانتقام.

أما وقد هدأت نسبياً موجات الغضب وعنف القول، أستأذن القارئ التوقف عند بعض المواقف والأحداث والأخبار التي صاحبت كارثة الإسكندرية بحلوها ومرها قبل وأثناء وبعد حدوثها.

يبدو أن الشدائد باتت ترق لها المشاعر، وصارت تحرك فينا مناطق الإبداع، وتذهب بنا إلي رياض الحزن النبيل، حتي لو تخيل البعض منا أن الأحاسيس الجياشة المتدفقة تخص أهل الشعر والنغم واللون والفن السابع فقط، وحتي لو ظن الناس أن أهل الاقتصاد ودنيا الأعمال والمال قد غادرتهم محفزات النفس للتعاطف الإنساني، والتشكيل الجمالي البديع.

> في رد فعل متوقع من جانب مجتمع تزداد فيه نبرة الجنوح الطائفي والتعصب المقيت، كان التعامل عنيفاً مع حدوثه تافهة كحدوتة الست كاميليا في غياب الشفافية والوضوح من جانب العديد من مؤسسات الدولة بما فيها المؤسسات الدينية.. حدوتة رذيلة لزوجة كاهن قررت الخروج من بيتها غاضبة ليخرج زوجها بغرابة وسلوك غير مسئول ليعلن خطفها ويوجه الاتهام إلي زميل لها، وما تلي ذلك من تبعات مريرة لعب علي نتائجها الكثيرون.. حتي كانت كارثة أزمة »بيشوي ــ العوا«، وأحاديث

تافهة غير مسئولة أيضاً عن أصحاب البلد والضيوف، ثم ردود أكثر تفاهة وبشاعة عن كنائس مسلحة وقضية قبطية لا تخلو ملفاتها من وجود إسرائيلي، ثم فتاوي دينية تحمل توصية »لا تشاركوا أخوتكم أعياد الكريسماس«.. لتتصاعد وتيرة مظاهرات لشباب تم شحنه بأفكار متعصبة متشنجة.. كانت تلك هي الأجواء التي استقبلنا بها حادثة الإسكندرية.

> نعود للحلقة التليفزيونية البديعة من برنامج »صباح دريم« واللقاء المُبشر مع كاهن كنيسة القديسين.. الذي أري أهمية تكريمه من قبل الكنيسة وقداسة البابا وأجهزة الدولة، ليعلم كهنة التشدد وأصحاب ردود الفعل الغبية في أزمنة الأزمات، من أمثال كاهن دير مواس، وكهنة تظاهرات رفض أفلام وأعمال إبداعية.. ليعلم أمثال هؤلاء دور الراعي المأمول في الكنيسة المصرية.. بكل الثقة والإيمان في رحمة الله خرج القس من الهيكل مناشداً الناس بحب ومسئولية »ماتخافوش«.. ثم واصل إدارة الموقف بحكمة رائعة.. الرجل يتحدث إلي دينا عبدالرحمن بوطنية، رجل قرر الاحتفاظ بقيم التعايش الجميلة، رغم كونه عاش في قلب الأحداث الملتهبة، ولم يخش غضب القلة المتشددة من أبناء الكنيسة من تصريحاته.. تحدث عن علاقته الحميمة بإخوته في المسجد المقابل.. تحدث عن أمله في استمرار اشتعال جذوة مشاعر الحب والتعاطف والتشارك في مشاعر الحزن النبيل.. وحدث مشاهديه عن حلول واقعية قابلة للتطبيق، وبغير مبالغة في استثمار سلبي للحدث.. لم يتحدث كموظف عند أسقفه أو لدي قداسة البابا.. لم يحدثنا عن توجيهات وحكمة ورعاية الرؤساء.. كرموا الرجل في كل المنتديات والتجمعات الوطنية ليتعلم الأغبياء.

> أما بعد الحدث، وردود الفعل في الشارع فقد عودتنا الأغلبية الصامتة أصحاب »الكلام الساكت« التحرك فور استدعاء مشاعره المصرية النبيلة.. ظاهرة إيجابية

يجب أن تحتشد لها كل مؤسسات البحث للوصول إلي كيفية استثمار تلك الانتفاضة الإيجابية.

> وكانت الخطابات الرائعة المسئولة والوطنية لفضيلة شيخ الأزهر، ومفتي الديار المصرية، وقداسة البابا.. وكانت مبادراتهم المهمة والمحترمة والمثالية.

> وعلي الجانب السلبي كانت خطابات خطيرة عبر مقالات لا يمكن فهمها في أجواء مشحونة بالغضب.. أعرض مثالاً لها دون تعليق.. جوانب من مقال لأستاذ في كلية الاقتصاد.. يقول: إنه يتلقي بشكل منتظم رسائل من منظمات قبطية عديدة، منها »الجمعية الأمريكية القبطية« التي يترأسها محام يدعي موريس صادق، ومقرها واشنطن، وقال إن هذه المنظمات لا هم لها إلا إشعال فتيل فتنة طائفية في مصر، فهل يجوز لنا استبعاد فكرة أن تكون لهذه المنظمات علاقة مباشرة أو غير مباشرة بجريمة الإسكندرية؟!

لقد طالعت في جريدة »المال« مقالاً لرئيس تحريرها حازم شريف، أراه الأروع والأكثر رقة وعذوبة وإنسانية منذ وقوع كارثة الإسكندرية، لا يمكن أن تتوقع أن تأخذ مكاناً وسط زحام الأرقام، وجداول حركة التداول اليومية.

دفع الكاتب الشاب لكتابة مقاله علي نص رسالة هاتفية تلقاها من زميلة مسيحية هذا نصها: »من 50 سنة كان فيه حسن ومرقص وكوهين، ودلوقتي بقوا حسن ومرقص، وكلها 5 سنوات وحسن هيبقي قاعد لوحده«.. يقول الكاتب واصفاً الرسالة: »إنها كنصل السكين الذي لا تملك أن تمنعه من أن يتسلل في صرامة إلي قلبك بعد أن ينثر سمه في مروره القاتل علي ثنايا الجلد، وبحور الشرايين وقفصك الصدري، وكان بناء المقال علي فكرة تلقائية رد فعل المواطن العادي لحدث، ومدي تكثيف تلك الرسالة لفيض من مشاعر الألم رغم مفرداتها البسيطة.. قد يعقب البعض، أن كاتبة الرسالة حالة فردية لا تعكس حال الشارع المصري، ألم يتابع كاتبنا هذه الانتفاضة الشعبية الرائعة الرافضة لكل نعرات الطائفية المقيتة، والمحاولات الإرهابية لشق الصف الوطني؟.. ألم يشاهد شعار الهلال والصليب، وقد رفعه شبابنا في كل ربوع المحروسة؟.. وهنا يجب أن نتوقع بسعادة واحترام عند تلك الانتفاضة، ولكن وبكل موضوعية أيضاً لابد من الاعتراف والإقرار بوجود حالة من الجنوح الطائفي، وبأن هناك مساحات باتت تكبر وتزداد لتكريس التدين الشكلي المرضي في الشارع المصري، وشيوع الامتثال الفولكلوري لتراث ساذج عبر سلوكيات تعتمد تغييب العقول، وكراهية العلم والتفكير العلمي، مؤسسات دينية تتورط في تبني مواقف سياسية، ومؤسسات سياسية تتخذ قراراتها بحسابات دينية، لقد بتنا نعيش حالة فوضوية عشوائية خطيرة.. ولكن لن يغادر الوطن مرقص.. وهي دي روح البلد.

[email protected]