"وما زال في العمر بقية"!

محمود زاهر

السبت, 18 يناير 2014 00:05
بقلـم ـ محمــود زاهــر:

مرحلة ما بعد بلوغ "الأربعين".. مختلفة عن ما سبقتها، حيث يتملك الإنسان شعورًا بأنه اكتسب كمًا لا بأس به من الخبرة والدراية لبدء مرحلة جديدة، يُكرِّسها في توفير حاجات أسرته وهموم مجتمعه، كما يصحبها تحولًا جذريًا في أفكاره وسلوكياته وتصرفاته.

في هذه المرحلة "الحرجة" يعتقد الإنسان أن خطواته أصبحت محسوبة ومتأنِّيَة، مدفوعًا على كل ما يطرأ فيها من واقع شعوره بالمسؤولية الاجتماعية، بعد أن يستقر أُسريًا ووظيفيًا.. وقد أثبتت التجارب أن هناك مَن تغيَّر بالفعل إلى الأفضل بعد ما بلغ أو اقترب من هذا العمر.

مرحلة ما بعد بلوغ "الأربعين".. مظاهرها مختلفة، قد تبدو عند البعض أزمة أو مراهقة منتصف العمر، أو سن اليأس، وعند آخرين؛ ربما تكون قمة النضوج.. إنها حقًا مرحلة مختلفة بكل ما تحملها من أبعاد إنسانية واجتماعية وسلوكية.

سألت صديقي الطبيب الشاب: "لماذا تكون علامات التوتر والاكتئاب أكثر ظهورًا وبروزًا في العقد الرابع من العمر، ولماذا يغلب على الإنسان في هذه المرحلة طابع الحزن، وتبدو عليه ملاح الكآبة أكثر من أي وقت مضى؟".

أخبرني؛ بأن لا سبب محددًا لحدوث الاكتئاب، ولكن توجد بعض العوامل المحفِّزة له، فيصاب الإنسان باستمرار الحزن والقلق والخوف والإحساس بالذنب والعجز واليأس، إضافة إلى قلة الطاقة والنشاط وصعوبة التركيز، وهناك من تكون لديه نظرة تشاؤمية للمستقبل، والشعور بهبوط الروح المعنوية والانشغال بالأفكار السلبية في معظم الأوقات.

قال صديقي إن العلاج ليس فوريًا، ويحتاج إلى وقت وصبر وجهد، ويجب أن يعتاد الإنسان على الإيحاء الذاتي لنفسه، لإزالة الهم والحزن، عن طريق الإرادة القوية والعزيمة، وتقوية الإيمان، وطرد الكآبة بالتأملات.

أعطاني صديقي مجموعة نصائح؛ علَّها تكون مفيدة؛ قائلًا: إن يومك هو اليوم الذي أظلتك شمسه وأدركك نهاره، فاعتبر عمرك يومًا واحدًا، حتى لا تتعثر حياتك بين هاجس الماضي وآلامه، واترك المستقبل حتى يأتي، ولا تقطف الثمار قبل النضج، فلا تحمل همه، وتعوَّد على كيفية مواجهة النقد، فلن تستطيع أن تغلق أفواه الناس، وإن أصغيت لكلامهم وتفاعلت معه، حققت أمنيتهم في تعكير حياتك وتكدير عمرك.

وجَّه كلامه إليَّ بعبارات دقيقة: إن كنت تريد أن تكون مقبولًا عند الجميع ومحبوبًا، فقد طلبت المستحيل، فلا تنتظر شكرًا من أحد، لأن طبيعة البشر، الجحود والجفاء، ولا تُعر انتباهة إن وجدت أحدًا أنكر جميلك ونسيَ إحسانك ومعروفك.. يجب عليك أن تطرد الفراغ بالعمل، وأن تؤمن بالقضاء والقدر، فابتسم وتفاءل وتحمَّل مسؤولياتك، ولا تتطلع إلى ما عند غيرك.

أصغيتُ إليه باهتمام وهو يختتم نصائحه بالقول: إن الذي يطلب ما لنفسه، إنما يُضَيِّع نفسه، فالمحبة لا تفكر في ذاتها، ولكن فيمن تحب.. فكِّر في الذي تحبه كيف تُرضيه، وكيف تُعطيه، وكيف تُريحه وتجلب السرور إلي قلبه، وإن كان من طبيعة الأنانية أنها دائمًا تريد أن تأخذ، فإن من صفات المحبة أنها تريد أن تُعطي.


لا تنظر للوراء حتى لا تسقط.. ولا تُضَيِّع وقتك مع مَن خدعك، وانظر حولك ستجد كثيرين أحبوك، وحين تُراجع دفاتر العمر سوف تجد رصيدًا كبيرًا من المحبة وطابورًا طويلًا من الأحباب.


فى حديقة أيامك؛ لا يؤلمك كثيرًا أن تجد بعض الحشائش الضارة التى أدمت قدميك، ولكن انظر إلى السماء؛ ستجد أشجارًا عالية؛ تظلل مسيرتك، وشمسًا مشرقة تضئ أيامك، ووجوها تستحق أن تراها وتسعد معها.