رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

اعتـذارٌ واجـبٌ للثـورة

محمود زاهر

الثلاثاء, 24 ديسمبر 2013 00:40
بقلـم ـ محمــود زاهــر:

أسابيع قليلة فقط، تفصلنا عن الاحتفال بالذكرى الثالثة لثورة 25 يناير، تلك الثورة المجيدة الخالدة، التي كانت حُلمًا لشعب يتوق للعيش والحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.. فكانت وستبقى، ثورة عظيمة بلا قائد، مَن أطلق شرارتها الأولى ودفع ثمنها؛ ولا يزال؛ تلك الكتلة الكبيرة "الصامتة" من غالبية الشعب، التي عانت طويلًا من الاستبداد والقهر والظلم والفقر، وتكبدت ثمنًا باهظًا لفساد فاق كل تصور، وتجاوز حدود اللامعقول.

لقد أفرزت الأعوام الثلاثة الماضية، العديد من الظواهر السلبية التي طغت على كل ما هو إيجابي.. فلا شيء ملموس تحقق على أرض الواقع، يشعر به المواطن البسيط المطحون في دوامة الحياة، والذي أنهكته الهموم والديون وأصابه اليأس والإحباط، وتبدّدت آماله وأحلامه في الابتعاد عن شبح الفقر الذي يطارده أينما حلَّ وارتحل.

الآن.. وبعد ثلاث سنوات عجاف، أصبح لسان الحال يعبِّر عن خيبة أمل لازمت الكثيرين، خاصة مع ماضٍ بائد يُطلُّ برأسه على حاضر غير مكتمل النمو، ليقول بعض المتحوِّلين والأفَّاقين وتُجَّار الثورات ومصَّاصي الدماء وفاسدي الذمم: "عودٌ أحمد، مرحبًا بك 24 يناير 2011، لقد افتقدناك طويلًا.. عُدتَ إلينا بعد طول انتظار".

نقول لهؤلاء، إن التاريخ لا يعيد نفسه دائمًا، والماضي لا يكرر نفسه مرتين.. قد تتشابه بعض التفاصيل، لكن سنن الكون ماضية في طريقها إلى الأمام، ولا رجعة عن مشوار بدأه الأحرار، للتخلص من براثن العبودية وأفكار الجاهلية الأولى.

نعتقد أن هناك كثيرًا من الأفراد والجماعات والمؤسسات، يجاهدون في سبيل تفريغ الثورة من

مضمونها السامي والساعي للتغيير نحو الأفضل، ليجعلوها مطيَّة للوصول إلى مقاعد مَن قامت الثورة لعزلهم، وهم معروفون.. كما نعتقد بأن "متربِّحي الثورات" و"المستفيدين" تاجروا بالكثير من المبادئ والقيم، وبجراح الشعب وحقه في الحياة الكريمة.

إن ملامح أي ثورة تتبلور في التغيير السياسي، ومستوى صناعة القرار، والموقف من القضايا السياسية الكبرى، وبالطبع فإن للحرية والديمقراطية أثمانًا، قد تكون باهظة، لكنها ضريبة يجب أن تُدفع، حتى لو كانت من الدماء الذكية الطاهرة.

ولعل المؤشر لكل ما يجري الآن في مصر، يمكن التقاط دلالاته من المناخ العام للناس، وهو مؤشر يؤكد أن غالبية الشعب المصري تريد الأمن والأمان والاستقرار، وتحقيق مبادئ وأهداف ثورة يناير، بعد أن تم اختطافها من "الغرباء".

إننا نعتقد بأن الثورة تحققت في وعي ويقظة الشعب.. وما حالة الإحباط واليأس التي أصابت المجتمع بكل فئاته وخاصة الشباب لا تعدو كونها سحابة شتاء ممطر، وموجة صقيع أتلفت محصول الثورة، إلا أن الأرض ما زالت خصبة، وسرعان ما تستعيد عافيتها لتنتج "ملاحم" إنسانية، متجددة على الدوام.

ورغم مرارة حالة الانقسام الموجودة حاليًا في المجتمع، ومحاولة البعض شقّ الصفوف وبثّ الوقيعة بين مختلف مكوِّنات الشعب، إلا أننا على يقين من أن هذه المحاولات ستبوء بالفشل، لأن التلاحم من شيم المصريين المتجذّرة

في نفوسهم، ولا يمكن النيل منه على الإطلاق.

ما يؤسف له حقًا، أن الثورة أخذت منحى أخر مختلفًا، يكاد المرء يتلمسه في مآلاتها الآنية، بعد تشتّت الثوار، وظهور طبقة جديدة من المتربحين والمتسلقين والنشطاء والمُنَظِّرين والأدعياء.. فبعد أن كانت بلا قائد ـ وهذا هو سر نجاحها ـ إلا أن الكثير يدَّعون زورًا وبهتانًا أنهم مفجروها، وهم حُماتها والساهرون على استكمال أهدافها.

إننا نتساءل بصدق، ماذا حلَّ بالمصريين وبالأخص الثوار والنشطاء.. الجميع الآن يتحدث باسم الثورة، ولكن الصدمة الحقيقية في مستوى التخاطب بينهم، وتدنِّي لغة الحوار، عبر الشتائم المتبادلة والبذاءات المبتكرة والتهكم والسخرية، حتى أن جزءًا كبيرًا من الشارع أصبح معتادًا على ذلك؟!.

لقد أصبح خدش الحياء مباحًا، وفُحش القول مستساغًا، وبات الخوض في الأعراض أمرًا يسيرًا، بزعم حرية الإبداع والفكر والرأي، فلم يعد هناك لغة للحوار تحترم الذوق العام وأبجديات الأخلاق والقيم، وصارت وسائل التواصل الاجتماعي مرتعًا خصبًا لتبادل السب والقذف والتشكيك في الذمم وحتى النوايا.

إن ما حدث ويحدث في الآونة الأخيرة، الثورة بريئة منه، ولا يرتبط بأدنى معايير ومفاهيم الحرية، فالسباب والشتائم والتجريح والإهانة، ما هي إلا وسائل يركن إليها الضعفاء، أما الأقوياء فيعتمدون على الحجة والمنطق والبرهان.. ومع ذلك وبكل أسف، تتراجع الحُجَّة أحيانًا أمام قلة الأدب!.

إننا نعتقد بأن الحلم ما يزال ممكنًا، وما المخاض العسير الذي نمر به، إلا كبوة، سرعان ما تزول، لأن الأمم الكبيرة والدول العريقة، قد تتأثر ولكنها لا ولم ولن تسقط أبدًا.. وبرغم كل ما حدث ويحدث، فإن الثورة باقية حتى تستكمل أهدافها، ومعها ستسقط كل الأقنعة الزائفة.
وأخيرًا، فإن الاعتذار واجب للثورة عن كل من أساءوا إليها.. لأنها قامت من أجل الإنسان، ومن أجل تحقيق تطلعاته في الحريته والكرامة والعدالة الإنسانية، وليمتنع الوسطاء في حب الوطن ومدَّعي الثورية، ولا عزاء لتجار الثورة وفاسدي الذمم والمؤلفة قلوبهم.