"الابتسامةُ" كنــزٌ لا يفنى!

محمود زاهر

السبت, 30 نوفمبر 2013 11:54
بقلـم ـ محمــود زاهــر:

الشعب المصري يُعد من أعرق الشعوب حضارة عبر التاريخ، وقد تميز المصريون على الدوام بخفة الظل والدعابة والفكاهة، فهم يمتازون عن غيرهم من سائر الأمم بروحهم المرحة حتى في أحلك الظروف وأشدّها مرارة وقسوة.

شيء ما قد تغيَّر في سلوكياتهم.. فماذا حدث للمصريين وماذا حلَّ بهم خلال السنوات الأخيرة؟.. المشهد يبدو للوهلة الأولى من النظر في وجوههم أن غالبيتهم نسوا الابتسامة، وكثيراً منهم تراهم وكأن على رؤوسهم الطير، فلم تعد الابتسامة موجودة، والحزن حاضرًا في مشهد حياتهم العبثي.. فلماذا تركت الابتسامة محيَّاهم، رغم أنهم كانوا مبتسمين على الدوام؟!.
سألت أحد أصدقائي: "لماذا لا تبتسم، لِمَ أراك عابسًا طوال الوقت.. متى أرى انفراجة أساريرك التي غابت ولم ألحظها من سنين خلت"؟.. لم يدعني أكمل أسئلتي، وقاطعني متهمًا إياي أنني أعيش في كوكب آخر، ولا أشعر بمعاناة الناس أو مشكلاتهم!.
طلب مني أن أخبره بشيء واحد يبتسم من أجله، فهموم الوطن تقضُّ مضجعه، ومعاناته اليومية والحياتية جزء لا يتجزأ من معاناة أكبر.. معاناة أمة بأكملها، فهل يبتسم لما وصل إليه الحال من تخبط وعشوائية وسوء تخطيط وإدارة، أم يبتسم من مشاهد العنف المروعة والإرهاب الأسود وأحداث العنف المتلاحقة، أو يبتسم من أجل البطالة والغلاء والفساد، أم يمكن أن يبتسم لأجل الزحام والتكدس والأمراض المزمنة التي طالت كل بيت في مصر تقريبًا؟.
أنصتُّ إليه ليكمل "قائمته السوداوية" التي لا تنتهي.. وأخبرني غاضباً بأن البلد في "نكسة"، والشباب مصاب بالإحباط جرَّاء خيبة الأمل في أيِّ إصلاحات قادمة، وأن شعورًا ينتاب كثيرين أمثاله بتزعزع الثقة والولاء والانتماء، ولذلك فإن الأمر الطبيعي أن تترك الابتسامة مصر، وتذهب إلى غير رجعة من وجوه أبنائها!.
قلتُ له إن الرضى نعمة وفضيلة وإيمان، ولا تلتفت لما قد يقال هنا أو هناك، ولا تصدق ما تقع عيناك عليه، إن هي إلا أزمات عابرة سرعان ما تنتهي.. قد تستغرق وقتاً أو تطول لبضع سنوات، ولكن علينا بالصبر والجلد والتحمل، فلسنا أول الأمم التي طالها الشقاء ولا آخر من تقسو عليهم الحياة.. لا تلتفت لأرقام وإحصاءات خاطئة، ولا تُنصت لبيانات مغرضة، فالبكاء على اللبن المسكوب لن يُجدي نفعاً، علينا بالعمل ثم العمل، وما سبقنا آخرون إلا بمزيد من الإنتاج، والأخذ بوسائل التقدم العلمي

المختلفة.
يا صديقي: "لا تنتبه لبيانات من هنا وهناك؛ تحت مسمَّيات برَّاقة وخادعة وتقارير تتحدث عن السعادة المزعومة.. فهل تصدق ما تدَّعيه بأن تصنيفنا يأتي في المرتبة الثلاثين بعد المائة ضمن قائمة الشعوب الأكثر سعادة في العالم، بعد دول لم يكن لها وجود على الخارطة قبل قرون؟!".
ضاق صدر صاحبي بكلماتي التي نزلت عليه كالطعنات المتلاحقة، وقاطعني بقوله: "الثروة ليست هي ما يجعل الناس سعداء، بل الحرية وغياب الفساد.. إن نظرية تحقيق السعادة وإسعاد الناس، لا تكون إلا من خلال ثلاثة حقوق ترسِّخ الحق فى العدالة والحرية والسعادة، فالحرية السياسية والشبكات الاجتماعية القوية وغياب الفساد، إلى جانب الاستقرار الوظيفي والأسري هي الطريق المنشود لتحقيق السعادة ورسم الابتسامة.
أفحمني صديقي بردوده التي تبدو منطقية إلى حدٍّ بعيد، ولكني ما زلت أعتقد أن ما ذكره بمثابة نصف الكوب الفارغ، ولم يلتفت إلى أمور أخرى، حتى تكتمل الصورة لديه، فالعجز في الموازنة العامة وعدم الاستقرار السياسي والتفاوت الطبقي والأمية والفقر والجهل وعدد السكان المتزايد يوماً بعد يوم وقلة الموارد وغيرها من المشاكل المتجذرة، كلها عوائق حقيقية في طريق التنمية أمام أي نظام قائم.
نصحتُ صديقي بالتحمل وانتظار الفرج، لعل الله يحدث أمرًا من عنده، فالصبر على البلاء أفضل من العافية عند الرخاء، والمبتلى الصابر أفضل من المعافى، والرضا بالغالب الموجود نعمة، والتطلع بقلق إلى الغائب المفقود نقمة.
أنهيتُ حديثي إليه مداعبًا مبتسمًا، وأخبرته أن الابتسامة هي أقوى صفات الشخص الواثق من نفسه، فابتسامة صغيرة يلزمها تحريك ست عضلات فقط في الوجه، أما تقطيب الجبين وعبوس الوجه، فإن ذلك يلزمه تحريك اثنين وسبعين عضلة، والإنسان إذا ابتسم وهو يمر بمشكلة، فإن الشعيرات الدموية في وجهه تتسع ويصل إليها "الأوكسجين" بسهولة، والذي بدوره يصل إلى الدماغ بوفرة، فيعين الإنسان على تحمل الصعاب أو المشكلة التي تواجهه، وإيجاد أفضل الحلول لها.. نحن في وقت أحوج ما نكون فيه إلى أن نرى الابتسامات، في عصر استشرى فيه اليأس.. نريد أن نرى البشر يبتسمون حتى نبث الثقة في أنفسنا.
يا صديقي: "إن ابتسامتك هي طريق النجاح، فابتسم تبتسم لك الحياة، واجعل الابتسامة شعارك فيها.. تبسمك جزء من الإيمان، وتبسمك في وجه أخيك صدقة.. ابتسم؛ لأن الابتسامة كنز لا يفنى".