ثقافة "دمع العين" و"السائل المهين"

محمود زاهر

الجمعة, 15 نوفمبر 2013 12:09
بقلم ـ محمــود زاهــر:

امتلكت مصر في الماضي كافة المقومات التي جعلتها صاحبة حضارة خالدة على مرّ العصور، فكان لها الفضل على كل حضارات العالم القديم، حيث ارتكزت على "الإنسان" الذي كان مؤهلًا للنهوض بعبء هذه الحضارة، بتفاعله مع كل المقومات التي أنتجت ذلك الإبداع الحضاري الفريد.

(كان الإنسان المصري "القديم" واثقًا من قدراته على الريادة، ولهذا أطلق على نفسه: "شعب السماء"، أو "شعب النيل"، وهو الشعب "الذي خُلق من دمع العين"، وكل ما عداه من شعوب الأرض "خُلقت من سائل مهين")!.
إن شعبًا يمتلك كل هذه المقومات.. مقومات البناء المادي والمعنوي، كان لابد أن تأتي إبداعاته على مستوى ما تهيأ له منها، ولكن.. ماذا أصاب هذا الإنسان؟، وماذا حلَّ به ليصبح الآن مبتعدًا عن ركب الحضارة الحديثة؟، وماذا طرأ على الشخصية المصرية من تغيّرات في تركيبتها الاجتماعية، لتتبدل معها طباعها وسماتها التي تميّزت واشتهرت بها؟!.
لقد امتلك شعب مصر طوال تاريخه مقوّمات ميّزته عن غيره، فطبيعة المصريين ـ كما وصفها هيرودوت ـ تكمن في أن "لديهم القدرة على تمصير الوافدين إليهم"، فلا يذوبون في المجتمعات الأخرى ولا يتأثرون بها ويظلون محافظين على هويتهم وخصوصيتهم، وهو ما أثبته التاريخ طوال القرون الماضية، خاصة في ظل الغزو الفرنسي والإنجليزي، حيث

رأينا كيف قاوموا الثقافتين الأنجلوفرنسية، ورحل الاثنان دون أن يتركا بصمات تُذكر، تدل على وجودهما في المجتمع المصري، رغم انبهار بعض المثقفين بالثورة الفرنسية!.
إن السنوات الأخيرة شهدت سلوكيات متغيّرة، بدت على كثير من الناس، في تعاملاتهم اليومية، فأصبح التخوين "لغة رسمية"، والعنف صار "مفردة يومية"، وثقافة الحوار أصبحت في ذمة التاريخ "منسيّة"، فتَجَاوَزَ الود والتسامح والتراحم والترابط كل صورة "نمطية"، وغابت "المُوَاطَنَة" بمعانيها الحقيقية.
العنف الراهن؛ وإن بدا في كثير من الحالات "عُنفًا لفظيًا"؛ هو حصيلة تراكمية لعوامل مجتمعية واقتصادية وثقافية سلبية، تراكمت على مدى سنوات، وباعتقادنا فإنه يُعَبّر مجازًا عن حالة من تراجع الولاء والانتماء للوطن، مما أدى إلى صدام وعداء؛ خلّفا وراءهما هذا الحجم المرئي من العنف المادي، الذي انعكس على الأحداث السياسية بشكل تلقائي.
إن الخطر الحقيقي الذي يهددنا هو افتقارنا إلى تطبيق مفهوم المواطنة بكل أبعاده، فلم نستطع إيقاف تمدّد انتشار هذا المناخ السائد الذي يُحِث على الكراهية والتحريض، ولم نعمل على إرساء وتدعيم ثقافة التسامح إزاء الاختلاف، وتنشئة الأجيال الصاعدة على مفاهيم حب
الوطن.
أين "التسامح، التعايش، الحوار"؟، أين ذهبت تلك المعاني؟.. هل ضلّت طريقها في زحام تفشّي خطاب الكراهية والعنف والتحريض، وعدوى التعصب والتمييز والكراهية والتكفير، لتُخَلِّف وراءها انتشارًا سرطانيًا لثقافة الكراهية والتهميش والإقصاء؟.
إن المواطنة الحقيقية المتساوية في الحقوق والواجبات هي ركيزة التقدم الاجتماعي، ووثيقة للسلم الأهلي، وخارطة طريق للتعايش، وبدونها لا أحد بمنأى عن فائض الكراهية، التي ستطال حممها مقدّرات الوطن.
نحن جميعاً أحوج ما نكون إلى ترسيخ حب الوطن وتكريس معاني المواطَنَة في نفوسنا، وإذا كان حب الوطن فطرة فإن التعبير عنه اكتساب وتعلم ومهارة، فهل قدّمنا للناس ما ينّمي عندهم القدرة على الافصاح عمليًا عن حبهم لوطنهم؟.
إن المواطنة بمفهومها العام، الذي تشترك فيه كافة الشعوب، على اختلاف توجهاتها وتعدُّد أعراقها وأديانها، هي حُب الشخص وإخلاصه لوطنه، وانتمائه إلى الأرض والناس، والعادات والتقاليد، والفخر بالتاريخ والتفاني في خدمة الوطن، كما أن حب الوطن لا يحتاج إلى وسطاء أو شهادات أو صكوك من أحد، فالارتباط بالوطن؛ ببساطة؛ هو فهم واقع الوطن في شمولية ترتكز على تاريخه وواقعه الحاضر وآفاق مستقبله.
هناك أسئلة تحتاج إلى إجابة واضحة ومحددة، يمكن بموجبها أن نحكم على ذواتنا، بمدى محبتنا وارتباطنا بتراب الوطن، وجميعها تراود أذهاننا: "هل نُحب الوطن؟، إلى أي مدى نُحبه؟، هل يمكننا تقديم حياتنا في سبيله؟، ماذا تمثِّل لنا هذه الكلمات "المواطَنَة، الانتماء، الولاء"؟.
باعتقادنا أنه لايزال الأمل معقودًا على إشاعة ثقافة المواطنة والتعايش بين مختلف مُكوّنات الشعب، وبذل كل الجهود؛ لمنع اختراق الثقافات الطائفية التي تعصف بالوطن، ومنعها من تصديع النسيج المُجتمعي، لكي يمتنع الوسطاء وتُجَّار الشعارات.