عن محاكمة مبارك

محمود الفقي

السبت, 06 أغسطس 2011 15:53
بقلم : محمود الفقي

قلت سابقا إن البرامج الحوارية شأنها شأن كل شيء لها ما لها وعليها ما عليها. فمن حسناتها أنها رفعت سقف الحرية، وذللت سبيل الفهم لمن لا يحسنون حتى القراءة والكتابة فرفعت وعي الكثيرين. ومن سيئاتها أنها أعطت الصحفيين فوق ما يستحقون، وألبستهم ثوبا فضفاضا فصار الصحفي المصري يتكلم في كل الشؤون والفنون والعلوم والمعارف وصرت أقصد إلى مشاهدة بعضها ترفيها باعتبارها ملهاة تثير البسمة والشفقة في آن!

 

وقد استبان هذا في تعليقهم أثناء المحاكمة وتركيزهم على كل لفتة وحركة حتى وصل الأمر إلى التحليل النفسي للسبب في إمساك جمال المصحف بيساره ووضع مبارك أصبعه في أنفه!

وفي تطوافي بالصحف العالمية قالت جارديان إن المحاكمة كانت مهزلة لكن في قولها هذا مبالغة كبيرة، وعلى العكس فقد كانت آية في التحضر والرفعة، وإن كان يأخذني العجب كل مأخذ من ضحالة القاضي في اللغة العربية حتى إنه كان يرفع المجرور بعد حرف الجر، ولا يجيد مطلقا الحديث بالعربية. ولست أدري إن كان القاضي والمحامون بهذا الضعف في اللغة فمن يا ترى نرجو فيه القوة!

لكن بين كل الصحف كانت "فورين

بوليسي" هي اللاذعة والحاذقة. ففي عنوان كبير جمعت تحته محاكمات المشاهير قالت عن مبارك: "مُدان حتى تثبت إدانته"، وفي مقال طويل لفتت نظري فيه جملة في خاتمته تقول: "مصر طوال عمرها من ثورة يوليو دولة بوليسية يدعمها الجيش، والخطيئة هنا تطال الجميع لا مبارك وحده، ومحاكمته إن سمح العسكر لها بالسير الطبيعي إلى منتهاها فسوف تكشف الكثير من أسرار الأمن القومي لمصر وتجر إلى القفص كثيرين لم يخطر ببال المصريين يوما أنهم جناة!"

ولعلي لا أنسى ما كنت أراه وما زلت على أسوار الجيش الثاني الميداني بالإسماعيلية من جملة كانت تتكرر كثيرا في حضور قادة الجيش في الاحتفال بخريجي الكليات العسكرية وهي "مصر مبارك". الشاهد أن هاتين الكلمتين تلخصان كل ما نحن فيه وما وصلنا إليه من بلاء وهي اختصار الدولة والتاريخ والمزايا في شخص واحد، والأدهى وأمرّ هو أن يصدر هذا من المؤسسة العسكرية التي حتما سيحدث بينها وبين

قائدها الأعلى شقاق ما كنت أحب أن يحدث. وقد قلت سابقا يا ليتها كانت مساءلة لا محاسبة، وأنا هنا أتكلم براجماتيا لا إنسانيا حفظا لأسرار الأمن القومي لمصر ولتماسك مؤسساتها خاصة العسكرية حتى لا تحدث انشقاقات.

وبالمناسبة فإن مدح إليعازر لمبارك ليس يصح أن يكون شهادة ضد مبارك وإلا فإسرائيل تمدح النظام السعودي والتركي ليل نهار، والأمر كله لا يعدو كون مبارك زعيما لجبهة الاعتدال العربية التي تعرف معنى ويلات الحرب، والتي لم تقبل أن يحارب المصريون فيما القادة الفلسطينيون يبنون القصور ويسهرون في خمارات أوروبا وأمريكا. لقد نجحت إسرائيل والإخوان المسلمون في رمي عبء غزة على مصر وجعلها أداة لصرف الانتباه عن الأهم منها مليون مرة وهي القدس فتهودت الأخيرة وتحولت غزة إلى إمارة إسلامية تضاف إلى كل تجارب الحكم الإسلامي التي لا أجد لها وصفا إلا القطران. راتب خريج الطب المصري لا يتعدى ألفا ومائتي جنيه يأخذها بطفح الدم وفي غزة راتب نظيره عشرة آلاف جنيه وكثيرات من الفتيات في غزة أتحدى أن تميزها عن نظيراتها الإسرائيليات ملبسا وتقاليدا. والأهم أن من يريد تحرير القدس فلينجح أولا في التخلص من القمامة التي أمام بيته وحسن معاملة جاره وإرضاء ضميره لأننا من أفسد شعوب الأرض ثم بعد ذلك هيا بنا نحرر القدس.

"متتأخروش والنبي يا جماعة عشان نلحق نعدي على المهزوم الفاشل جمال عبد الناصر يجيبها زي ما ضيعها!"

[email protected]