رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

مُخرجات الإسلاميين: السياق والمضمون والأثر

محمود الفقي

الأحد, 31 يوليو 2011 09:04
بقلم : محمود الفقي

الآن صار جليا لكل متابع للحركات والوجهات الإسلامية بطول العالم وعرضه أنها ليست كيانا واحدا يصدق عليه تصور واحد بل وما هي بكيان متداخل يسهل فض الاشتباك بين أطرافه، بل كل في جزء وجزء في كل وتنوع عظيم يأتي التطور في مرتبة أهم منه بكثير.

التطور هو السمة الملحوظة في الخطاب الديني في كل الشرائع الآن حيث يجتاح الخطاب البروتستانتي السريع المزخرف المتلاحق كل أنماط الخطاب على غرار الداعية الأمريكي الشهير كريفلو دولار فيما يتوارى خطاب العنف وتغيير المنكر باليد وينحسر الشعور بالدونية شيئا فشيئا مع اتساع حيز المشاركة المجتمعية والفكرية والسياسية مما يثبت أن الإسلاميين طرف قابل للتطور الإيجابي والمشاركة الفعالة في بناء مجتمعه.

لكن الواقع هو ما ينبغي أن نعول عليه كثيرا في إصدار الأحكام والتقويم. فواقع الخطاب الديني والمشاركة المجتمعية ذات المرجعية الدينية سيبقى مأسورا في حيز ضيق ما ظلت العلاقة بين الداعية والسياسي ضبابية على النحو الذي يُظهره المثال التالي. في انتخابات 2005 البرلمانية فاز الإخوان بثمانية وثمانين مقعدا رغم التضييق عليهم أمنيا وماديا ورب ضارة نافعة فقد أدى هذا إلى استفزاز جورج بوش الإبن ليبذل ضغطا كبيرا على مبارك للسماح للمعارضة بمشاركة برلمانية في وقت كان بوش في أوج حماسة التغيير القسري للعالم على النهج الأمريكي المتعجرف. والشاهد أن قانون الطواريء قد مُرر والإخوان صائلون وجائلون في المجلس لا يستطيعون منع تمريره هو وغيره من قوانين أخرى كارثية مثل قانون الاحتكار مثلا. المشكلة لم تكن هنا فحسب وإنما كانت تتضاعف تعقيدا بإصرار الكثيرين من أعضاء الإخوان على ملاحقة وزير الثقافة فاروق حسني وما تصدره وزارته من كتب أدبية فيها ما فيها من خروج على الآداب العامة حسب رأيهم. والحقيقة أن معهم بعض الحق لأن وزارة الثقافة تشبه التكايا في أن قلة هي التي تسيطر على اختيارات النشر التي تجري بكثير من المحاباة وقليل من وازع الضمير مع

منح كثيرة تُعطى لمن لا يستحق. لكن المشكلة أن النائب الإخواني حينئذ كان لا ينفك يتقمص شخصية الداعية لا النائب في البرلمان. وهكذا كان التداخل بين شخصية الداعية المحرض على الاستمساك بالآداب العامة والنظر فيما يعرض على الجمهور من أعمال كتابية مختلفة وشخصية النائب الذي لا ينبغي أن يشغله عن مراقبة التشريعات بيت شعر أو رواية ركيكة لكاتب نكرة خدموه بالشهرة التي كان يحلم بها.

يتقاطع هذا مع الشعار الذي يرفعه الإخوان المسلمون في كل أنحاء العالم "الإسلام هو الحل". فرغم جاذبية الشعار والراحة المعنوية التي يُحدثها في النفس إلا أنها جملة ناقصة، فهي مبتدأ حُذف خبره، والأفضل أن يقولوا لنا: الحل الإسلامي هو كذا وكذا.

هنا بالضبط عين ما أقصده وهو أن غياب الرؤية الحقيقية المفصلة هو السبب الأصيل في لجوء الإسلاميين إلى الشعارات المطلقة التي لا صلة لها بعالم الواقع. وأبرز مثال حديث على هذا هو مليونية تطبيق الشريعة الإسلامية التي نادى بها سلفيو مصر وكثير من الإسلاميين معهم!

الإشكالية الكبرى هي ضبابية الكلمة وإن كانت بها جاذبية تستنيم لها عقول العامة إذ ما المانع لدى كل مسلم في تطبيق الشريعة لكن السؤال المهم هو كيف؟ والمعنى كيف يحكم فقيه مثلا على المصارف إن كان عملها ربويا أم لا وهو لا يفقه شيئا في الاقتصاد والمصارف والأمور المحاسبية ولا يستطيع حتى التمييز بين شهادات الاستثمار أ وب وجـ؟!

هنا تحديدا تكمن إشكالية الخطاب التعبوي الذي يلعب على أوتار المشاعر بدلا من مخاطبة العقل وإثراء النقاش حول الكيفية التي يمكن بها تفعيل الإسلام في قلوب الناس وعقولهم وسلوكهم بوصفه الهوية الأولى لشعوب المنطقة العربية.

لقد بدأ الإسلاميون يشعرون كثيرا بضرورة إلجام لسانهم عن الحديث في كل العلوم والفنون لما شعروا بمدى الرقابة التي تلاحقهم من الآخرين إن بتربص وإن بحسن نية. لقد كان في حكم المعتاد في مصر والمنطقة العربية أن تسمع شيخا يتحدث في خطبة واحدة بل وربما على المنبر في صلاة الجمعة عن حقوق الجار ثم ينقل حديثه إلى تحقير ممثلة أو مطرب أو راقصة باسمها ثم يستطرد في الحديث عن المصارف ثم يقفز مفندا أي خطاب يعادي خطابه هو باعتباره خطابا جاهلا وعلمانيا وملحدا في ذات الوقت وفي نفس الخطبة!

الخلاصة هي أن الخطاب الإسلامي لم يتخلص بعد من مخرجات السياق الذي كان فيه وهو التضييق عليه إعلاميا وأمنيا حتى صار الإسلاميون كأنما يخاطبون أنفسهم في المرآة ولا يعرضون تلك المخرجات على غيرهم ليستفيدوا من نقدهم حتى لو كان نقدا جرافا. والأدهى هو روح التسلط مثل الكارثة التي قالها الشيخ يعقوب فيما سمي بغزوة الصناديق حينما قال للشباب المفتون به "يجب أن تنفذ كلام الشيخ حتى لو كان مخالفا لهواك وعقلك." والمثال الآخر عند الإخوان هو فصل الإخوان للشباب الإصلاحيين الذين كونوا حزب "التيار المصري" رغم أن هؤلاء الشباب قد انفصلوا إداريا لا أيديولوجيا بمعنى أنهم على نفس العهد والفكر الإخواني!

الغريب واللافت هنا أن دخول السلفيين معترك السياسة (حزبا النور والفضيلة) أمر مفيد عكس ما قد يتخيل البعض لأن السياسة ستجبرهم على الاعتراف بالآخر وممارسة الحوار والتخلي عن التشرنق والاستعلاء والمصطلحات القديمة التي لم يقوموا بتحديث لغتها ولا فكرتها. بل الأهم من هذا أن الوهابية التي نقلها دعاة مصريون عاشوا في السعودية وارتدوا الغترة وتحدثوا اللكنة السعودية وتمتعوا بالمال هناك سيتم تمصيرها بحيث تتحول من سلفية سعودية ملتزمة بالتقاليد السعودية إلى سلفية مصرية منفتحة تناسب المجتمع المصري ذا الشرائع والأهواء والأفكار والوجهات المتعددة بفضل التنوع والتعددية التي أفرزتها انتفاضة 25 يناير.

ولأن الأحكام تُناط بالظاهر نقول إن هذا الحرص الشديد والتهافت على الأضواء إنما هو ردة فعل طبيعية لسنوات من القمع وأمر مصحوب بحسن النية لإعلاء شأن الدين. ولذا أقول إن الواجب الآن على كل الإسلاميين هو تدارك سنوات العزلة والتضييق ببذل جهود جبارة لتثقيف الناشئة وتنوير وعيهم بكل ما يستطيعه المتخصصون الإسلاميون من علوم وأفكار ومعارف وفنون ومهارات تؤهلهم للتنافس مع الغرب حتى تكون الجولة القادمة للإسلام لا عن شعارات وجدانية تعبوية ولكن عن عمل وجهد وعلم وإخلاص.

[email protected]