رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

طارق حجي يفضحه جهله

محمود الفقي

الثلاثاء, 14 يونيو 2011 09:12
بقلم- محمود الفقي

اتصل بي صديق أعده شقيقا لي يدرس في الغرب. ولأنه شديد الانتماء لدينه وتراثه كان غاضبا من أن أستاذه بالجامعة قد أشار إلى موت الفلسفة بعد ابن رشد وغلبة التخلف عند المسلمين بسبب الغزالي.

والحقيقة أن هذه نقطة تفضح جهل الكثيرين سواء هذا الأستاذ الجامعي الغربي أو المصري طارق حجي. وكان ردي أن ضعف اتصال المسلمين بتراثهم جعلهم يصدقون الأشياء ويحسبونها حقائق بفعل الإلحاح الذي أعطى ابن رشد مكانة فوق ما يستحق، وغمط قيمة الغزالي الحقيقية. وقد كفاني الرد د. يوسف زيدان فدللت صديقي على مقاله الذي كتبه في هذه النقطة تحديدا بعنوان: أغلوطة ابن رشد (متاح على الشبكة) حيث أثبت أن ابن رشد لم يكن فيلسوفا عظيما أو طبيبا ذا فتح طبي، وأن أهلنا إنما بالغوا في تدليله ومدحه اتباعا لمدح الغرب له وثنائه عليه. والحق أن زيدان من الكتاب الكبار لولا أنه طاووس وعاشق للأضواء والإثارة.

لكني أزيد على كلام زيدان أن ابن رشد لم يكن يعرف اليونانية أصلا وكان نقله وشرحه لمؤلفات أرسطو محض اجتهاد عن كتب عربية وفارسية بمساعدة من كان يعرف الفارسية، ولهذه المعلومة تفصيل ربما أعود إليه.

يستشهد حجي بخبث وخيانة للمنهج العلمي بكلام اقتطعه من سياقه للغزالي في المنقذ من الضلال وهو "ودليل وجود النبوة وجود معارف فى العالم لا يتصور أن تنال بالعقل كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهى وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة. فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا فى كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك بالتجربة، وكذلك خواص الأدوية فتتبين بهذا البرهان أن فى الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التى لا يدركها العقل."

وقد ورد هذا النص تحت فصل بعنوان "حقيقة النبوة واضطرار كافة الخلق إليها" أكد

فيها الغزالي أن النبوة لم تأت لتخبرنا بالمحسوسات وإنما بالغيبيات التي لا تدركها الحواس. وكان الغزالي في مثاله يقصد أن التوفيق في تشخيص الأمراض ومعرفة خواص الأدوية مع تنوعها وكثرتها التي لا حصر لها في مصادرها من النباتات والأعشاب وغيرها أمر لا غنى عنه للطبيب. فالعقل هنا ليس بكاف وحده وإنما لا بد من توفيق وإلهام من الله، وهذا واقع شهدته بنفسي مع أطباء كثيرين بلغوا حدا يجعلهم أطباء بالفطرة لا بالدراسة وحدها، فكأن الطب هنا قد استحال موهبة. وأما علم النجوم أو الفلك فقد كان يتحدث وقتها مع قلة القدرات عن حوادث تجري في كل ألف عام فكان لا بد من توفيق الله. الخلاصة أن الغزالي لم يكن يقلل من العقل كما توهم حجي لأن حجي نفسه أغفل مدح الغزالي لكل العلوم الطبيعية والرياضيات وعلم المنطق في نفس الكتاب، وامتناعه عن نقدهما قائلا إنها لا علاقة لها بالحديث في الإلهيات والدين وإنما هي لشحذ العقل وهو المطلوب، بل وطالب المسلمين بالنظر في كتبهم والاستفادة مما فيها من خير وترك ما فيها من شر.

وكان مما أغفله حجي فكال بمكيالين أخفى أحدهما في ذمته التي تسع فيلا بهودجه أن الغزالي وفي نفس الكتاب قد استهله بتأكيد التعددية في الملل والنحل والأفكار، وكونه لم يتوان عن معايشة كل هذه الملل والأفكار والعقائد ورفضه التقليد والثبات على معتقدات الآباء بدون الفحص والتجريب بنفسه، وحديثه عن عطشه الذي لا حد له للمعرفة، وجهاده في البحث عن الحقيقة واليقين. وفوق كل هذا ومن عندي أنا أقول إن

الغزالي من أعظم من خط نثرا في تاريخ اللغة العربية منذ بدأت وإلى أن تقوم الساعة.

لقد تغافل حجي عامدا عن أن الغزالي قد أقر منهج الشك قبل ديكارت، وتغافل عن دراسته الوافية الشافية لأصناف الطالبين وهم المتكلمون والباطنية والفلاسفة والصوفية. وعند حديث الغزالي عن الفلاسفة تغافل حجي عن المنهج العلمي الأصيل الذي اتبعه الغزالي في قوله:

"ثم إني ابتدأت ، بعد الفراغ من علم الكلام ، بعلم الفلسفة وعلمت يقيناً ، أنه لا يقف على فساد نوع من العلوم ، من لا يقف على منتهى ذلك العلم ، حتى يساوي أعلمهم في أصل [ ذلك ] العلم ، ثم يزيد عليه ويجاوز درجته ، فيطلع على ما لم يطلع عليه صاحب العلم من غور وغائله ، وإذا ذاك يمكن أن يكون ما يدعيه من فساده حقّاً." فهل رأيتم همة وجدية ومنهجية أرقى من هذا؟ بل إن الغزالي قد نص على أن الطب هو أهم علم يُعمِّق الإيمان بالله في نفس المؤمن.

تغافل حجي عن كون الغزالي لم يجمع الفلاسفة في سلة واحدة، وتأكيده أن بينهم تفاوتا عظيما في البعد عن الحق والقرب منه. والأهم أن الغزالي حاكمهم إلى أفكارهم في رؤيتهم للإله والنبي وليس في الأمور الكونية التي هي خارج السياق أصلا. فإذا كان هناك من ينكر وجود الله (كالدهريين) أو ينكر الآخرة بكل ما فيها (كالطبيعيين) أو ينكر صفات الله (كالإلهيين الذين أوسعوا الدهريين والطبيعيين نقدا) فالحكم عليه بالكفر ليس شيئا مستغربا بل إن الغزالي قد قسم بمنهجية دقيقة ما جاء في فلسفة سقراط وأرسطو إلى ثلاثة أقسام: ما يجب التفكير به وتقديره وما يجب تبديعه وما لا سبيل إلى إنكاره.

وآسف ما في الأمر هو تهكم حجي على الغزالي ووالله هذه من المضحكات المبكيات فعلا، فهل وجدتم أكثر من هذا رميا في عماية؟

لكن قبل الختام يا حجي أنت قلت: "الفلسفة تُفعّل (بضم التاء وفتح الفاء وتشديد العين المكسورة وتسكين اللام) الأنشطة العقلية والفكرية..." لماذا سكنت اللام هنا؟ أولا الواجب عند الحديث عن الفعل أن تقول إنه مجزوم لا ساكن، والأهم أن هذا فعل مضارع لم يسبقه جازم أيها الجهبذ فلم سكنته أو بمعنى أصح لم جزمته؟

لو كان الناثر العظيم أبو حامد الغزالي حيا لصفق لك تصفيقا حارا ..... على قفاك!

[email protected]