رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

منتخبات مازنية

محمود الفقي

الاثنين, 06 يونيو 2011 08:55
بقلم : محمود الفقى


هاتان قطعتان من أجمل ما قرأت في حياتي، ولا عجب أن يكونا للمازني، وجهدي فيهما أني تخيرتهما من بطون الكتب، ومن خلاصة ما قرأت للمازني، كما وأنه لا وجود لهما على شبكة الإنترنت، ثم إني سأقرظ لهما فأرجو ممن يعيد نشرهما أن يذكرني بالخير. هذه فرصة لأقول لشيعة الأدب ومحبيه: البساطة هي العمق، والسهل الممتنع هو أصعب أسلوب يمكن تحصيله بعد خبرة طويلة. وفي هذا الميدان أرى المازني نسيجا وحده، رحمه الله. والذي أقصده أن الأدب كما قلت سابقاً لا يحتاج إلى هذا التصنع، والافتعال الظاهر في كثير مما نطالعه هذه الأيام لدرجة أن العامية قد طغت على كثير من أعمدة الصحف الكبرى، ووصل هذا إلى الأهرام نفسها!

وفرق عظيم بين الأدب وبين خصلة دميمة تمثل طرفا في العصا وهي تديين الأدب! ولا أدري كيف يكون هناك من يدعي وجود خرافة اسمها الأدب الإسلامي يحاول أن يجعله قطعا من المواعظ والدروس التربوية بينما يغفل العنصر الجمالي في الأدب. وأما الطرف الآخر فهو الأدب الساخر الذي أفرط في التقريع والتكشف الذي يسميه أسلافنا الأدب المُعرَّى، والذي يقصد فيه الكاتب أن يستفز نفسه، والقاريء بأسلوب بالغ السفالة.
نعود للمازني: أولاً كلمة الإهداء - التي قدم بها كتابه: "في الطريق" - إلى ابنته التي فقدها طفلة:

حيث كتب العقاد تعزية له:

يا صديقي ، وما علمتك إلا راضيا بالأسى رضاء الجليد
إن تكن قد رزئت بنتا فمما قد تعوضت من بنات الخلود
لا تبت آسفا عليها وهبها وردة والربيع عمر الورود
ربما عوفيت وأنت عليم من حياة تودي بكل وليد

"في بعض الأحيان أكون جالسا إلى مكتبي قبل طلوع الشمس. وأمامي الآلة الكاتبة أدق عليها وأرمي بورقة إثر ورقة. وإلى جانبي فنجان القهوة أرشف منه وأذهل عنه. فأحس راحتيك الصغيرتين على كتفي ، فأدير وجهي إليك. وأرفع وجهي لأصبح على بستان وجهك. وأستمد من عينيك النجلاوين وافترار ثغرك النضيد ما أفتقر إليه من الجلد والشجاعة. وأدفع يدي فأطوقك بذراعي وألمك في حجري وأضمك على صدري. وألثم خدك الصابح وأمسح على شعرك الأثيث المرسل على ظهرك وجانب محياك الوضيء وأتملى بحسنك وأنشر في كهف صدري المظلم نور البشر والطلاقة ، فتدفعين ذراعك وتتناولين ببنانك الدقيقة ورقة مما كتبت وترفعينها أمام عينيك وتزوين ما بينهما وتتخذين هيئة الجد الصارم وتفيضين على نفسك السمحة العطوف – وأنت مضجعة على ذراعي – سمتا وأبهة يغريان بالابتسام. وأنا أنظر إليك وفي قلبي سكينة ، وجوى من قربك معطر بمثل أنفاس الروضة الأنف في البكرة الندية. وألمح شفتيك الرقيقتين تختلجان وعينيك تلمعان فتطيب نفسي بسرورك الصامت. ثم أسمع ضحكتك الفضية وأراك تغطين وجهك الحلو بالورقة فيستطيرني الفرح ويستخفني الجذل ، ولكني أتظاهر بالخوف على الورقة التي لا قيمة لها أن يمزقها أنفك الجميل. فترمين رأسك على ذراعي وينسدل شعرك الذهبي المتموج كالستار ، وتصافح سمعي من ضحكاتك العذبة موجات لينة. ثم تعتدلين على ساقي وتدفعين ذراعيك فتطوقين بها عنقي. وتجذبين وجهي إليك ولكنك تشفقين على رقة شفتيك من خشونة خدي فتلثمين أذني الطويلة وتعضينها أيضا. فأصرخ. فتثبين إلى قدميك خفيفة مرحة وتخرجين بعد أن خلفت في صدري انشراحا ، وفي قلبي رضى ، وفي روحي خفة ، وفي نفسي شفوفا ، وفي عقلي قوة ، وفي

أملي بسطة واتساعاً ، وفي خيالي نشاطا. فأضطجع مرتاحا وأغمض عيني القريرة بحبك ثم أفتحها على:

صيد حرمناه على إغراقنا ... في النزع والحرمان في الإغراق
إي والله. لولا الإغراق ما كان الحرمان. وهل هو إلا الشعور به من الإسراف في الرغبة واللجاجة في الطلب؟

بل أفتح العين على جثة صغيرة حملتها بيدي هاتين إلى قبرها وأنزلتها فيه. ووسدتها التراب بعد أن سويته لها بكفي ورفعت من بينه الحصى الدقاق. ثم انكفأت إلى بيتي جامد العين. وعلى شفتي ابتسامة متكلفة: وفي فمي يدور قول ابن الرومي:

لم يخلق الدمع لامري عبثا ... الله أدرى بلوعة الحزن

وتدخل علي زوجتي لتحييني تحية الصباح فأتلقاها بالبشر والبشاشة. وأهم بأن أحدثها بما كبر في وهمي قبل لحظة. ولكني أزجر نفسي وأردها عن التعزي باللغط. ولو أني شرعت أحدثها بشيء من ذلك لما فرغت. فما أخلو بنفسي قط إلا رأيتني أستطيب أن أتخيل فتاتي على كل صورة وكل هيئة وفي كل حالة... ويحلو لي أن أفشي بيني وبينها أحاديث في كل موضوع من جد وهزل. ويسرني أن أسمع نكتها وأراني أستملح فكاهتها وأنتحلها فيما أكتب وأضحك أحيانا بصوت عال. بل أقهقه غير محتشم ، فإذا تعجب لي داخل متطفل علي في هذه الخلوة المحببة إلى نفسي رفعت له وجها كالدرهم المسيح وهربت بالتباله من الجواب الذي يطلبه بعينه أو لسانه وتركته يظن بعقلي ما يشاء وماذا أقول له؟ في وسعي أن أكذب فما لباب الكذب مفتاح. ولكن الكذب ينغص علي المتعة التي استفدتها من الحوار الذي كان يدور بيني وبين حياة....."

يقول العقاد عن هذه الكلمة: هذه الكلمة من أمثلة الشجو الذي يسلس له وصفه ببساطة سهلة ترتفع إلى ذروة من البلاغة، لأنها بساطة الأستاذية التي نطالعها في آثار الأقدمين، وهي على بساطتها أصدق صورة للعاطفة التي تمليها، وكل تعقيب عليها يغض منها.

وثانياً: كلمته في وصف الصحراء:

" وأنت إذا زرتني في داري فلا معدى لك عن وجدان الصحراء آخذة بمخانق الدار من خلفائها. ولا منجاة لعينيك الباصرتين من قدام رأسك من أن تريا صحرائي المهولة وهي تحتضن داري في حجرها كما يحتضن الفضاء اللانهائي هذه الأفلاك المتدلدلة أمام عين الوجود الحاذق الجريء.
وتدخل من الباب كما يدخل خيط الحائك في عين إبرته ، وتجوز على الدهليز كما يجوز الناس على الصراط الذي تصفه الأقاصيص ، ويحملك السلم على متن درجاته المتدرجة في سلم الارتقاء كما يحمل الحبل الممدود على متن الفضاء شخص البهلوان اللعوب ، ومن ثم يأخذك الطريق إلى الأبواب وتأخذك الأبواب إلى الحجرات وتأخذك الحجرات إلى حجرة يقابلك فيها المازني فتفاجؤه مكبوبا على منضدة لم يكن لصانعها مرد عن صنعها من خشب الجوز الهندي ، وتلقي بنظرة من ناحية الشمال الشرقي لعينك اليسرى فتجد في الحائط " شباكة" تقع على محرية
من المنضدة وقد فغرت فاها وجعلت تهدر بشقاشق الرياح كما يهدر الجمل الصائم بشقاشقه وهو هائم في مرضاة الله.

وأنت إذا تطلعت تطلعت من شباكة دار المازني أشرفت بتطلعك على الصحراء كما يشرف البارق اللماح على بحيرة الإنسانية المتموجة ، هذه الصحراء فماذا تنكر منها؟ أليس أنها لم تزل على حالها يوم كانت مع الإنسانية في السنة الأولى الابتدائية وكلتاهما طفلة ناعمة الأظفار ، ولكنها على هذا ما زالت مراحا لعقول الفلاسفة ومحطا لإلهامات الشعراء ، لا ينبؤك بأمرها إلا جار لها مأمون الكذبة مصدوق القولة ، وأنا ذلك الجار الذي تطلبت الوقوع عليه حتى وقعت ، فخذها قولة صدق في وصف الصحراء ورزقي على الله.

هي شيء وسيع جد الوساعة ، تدخله فتحس أنك طفل صغير ألبسوه معطف نعمان باشا الأعصر ، فأين يذهب الطفل في مثل هذا العطف ؟ لا مناص له عن المضلة في منعرجاته وملتوياته ؟ ولا معدى عن التيهان بين نجوده وأغواره ، وإذا ألقيت بحبة عينك في جنباتها المتهاطلة على حوافي البعد الحائر رأيت كأنها كانت في القدم قبة معلقة فسقطت وانبسطت قبقبتها حتى صار منها غطاء لأديم الأرض وستر لعورتها ، ولكن اللورد بيرون وصف الصحراء في إحدى قصائده الرائعة فخالفنا إذ هو يقول إنها كانت خيمة كبيرة من قماش الكتان المتين ، وحدث في الأزمنة الغابرة أن ريحا شديدة أقبلت من الشمال فاقتلعت هذه الخيمة الكبيرة وحلت معقودها ونشرتها وسقطت بها على ظهر الأرض فكانت هي الصحراء.

وأنا فما أقول لك ما يغني عن الحقيقة شيئا ، غير أني والله مدين للصحراء بعقلي وشعري ونثري ، وسأوافيك بعد قليل مدينا لها بفلسفتي ، نعم فلسفتي ! وأية فلسفة هي؟ تنبع من بين أصابع رجلي فتكون عرقا يتصبب من الجبين وتكون ماء يجري مع الدم في الأوردة والشرايين حتى أبقه بقا من تحت اللسان أو من فتحتي المنخر."

وحتى أكون على درجة من الموضوعية فإني أنقل هنا رأي جريدة الكشكول التي كانت شديدة القدح والنقد للعقاد والمازني بدافع سياسي بالدرجة الأولى. والحقيقة أني لمست في النقد بعد الظرف شيئاً من الحق:

"ومن أدبائنا من يخلط العربية بأساليب الفرنجة، وأصحاب هذا المذهب فريقان فمنهم أصحاب الدكتور طه حسين والفصاحة عندهم الترديد، فهم فصحاء جداً، وجداً فصحاء، وفصحاء جداً جداً، وأصحاب العقاد والفصاحة عندهم الخلط، فهم يشمون بأنف البصيرة، ويطلبون الحكمة من أرض الصحراء القاحلة، ويشتد عليهم الحزن فينامون فراراً من العدو، والفرقتان على اتفاق في مزج الأسماء الإفرنجية والألفاظ العربية بكلامهم من غير أن تكون لها فيه مواضع، ومن فصل فلسفي للمازني قوله (طبعا ما يلي ليس كلام المازني وإنما هو تقليد ساخر له: "الفقي"):
"طلعت النجوم في سماوة العاجلة عند مقبرة الكابيتول فكانت كالسجنجل تمردا على الفكر الجبار وأطل عليها باسكال من كوة الذهنية الحارة المتوثبة للاشتباك بأقحوان الرمل المتجعد على وجه الدهناء وهكذا إقبال المنى في مطارف السؤدد والجاه العريض عند بحيرة لامارتين حيث ترفرف الأرواح على ديباجة الفضاء اللانهائي فإذا تلاءمت أطراف أصل الإنسان ظهرت الحلقة المفقودة في جنوب الخيال المتحفز كما تحفزت رباعيات الخيام وعبقرية شكسبير."

حاشية:

جريدة الأهرام- ولك أن تقرأ الهاء خاء أو الميم نوناً- أقدم الجرائد المصرية أذكر يوما أن أجرت مسابقة في عام 1930 بسؤال طرحته على قرائها: "من تتمنى أن يبعث من الموتى فيكون الآن رجل الساعة" وبعد أن أدلى القراء بدلوهم ما بين مصطفى كامل وسعد زغلول ومحمد علي وابراهيم باشا لفت نظري أن أفردت الأهرام بعض الأسطر لأمنية أحد القراء وجاء فيها: "بعث المرحوم تقلا باشا ليرى كيف كبرت الأهرام فيفرح." وأنا اليوم أعيد هذه الأمنية عسى "سليم أو بشارة تقلا" يحمل عصاه ويجري وراء المسئول عن ملحق الأدب في أهرام الجمعة والذي ما بين عامية وركاكة وضعف يؤذي الآذان، ويعكر الأذهان، ويؤلم الضمائر، ويشق المرائر، وكالعادة كل هذا ممهور بـ: "قاص وشاعر" أو : "أديب وطبيب" والأخير يكتب تحت عنوان: حديث الطشت للمواسير!!! ما شاء الله وتبارك الله! كل حزب بما لديهم فرحون ، وإلا فالجنون فنون، وعلى الله العوض وإنا لله وإنا إليه راجعون.

[email protected]