رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نقد ثقافة التكلف

محمود الفقي

الأربعاء, 01 يونيو 2011 11:21
بقلم ـمحمود الفقي

 

في دراستي للألمانية مررت بمثل لم أستطع نسيانه لوثيق صلته بتعقيد الألمانية ذاتها. وهاكم إياه كما عودتكم (ترانسليتيريشن): فاروم ماخن فير دي دينجا لايشتر فين فير زي كومبليتسيرت ماخن كينن. والمعنى: لمَ نبسط الأشياء إن كان بمقدورنا تعقيدها؟

يقصد المثل إلى أن تيسير الأمر للمتعلم قد يدفعه لا شعوريا إلى الاستهانة به، وأما تعقيده فيدفع الإنسان إلى بذل المزيد من العناية والتركيز.

توازى هذا المثل في ذهني مع ما كنت قرأته في واحد من كنوز التراث، وهو كتاب الخصائص لابن جني تحت عنوان: "باب في إمساس الألفاظ أشباه المعاني" حيث يقول:

"اعلم أن هذا موضع شريف لطيف‏.‏ وقد نبه عليه الخليل وسيبويه وتلقته الجماعة بالقبول له والاعتراف بصحته‏.‏ قال الخليل‏:‏ كأنهم توهموا في صوت الجندب استطالةً ومداً فقالوا‏: صر ‏ وتوهموا في صوت البازي تقطيعاً فقالوا‏:‏ صرصر‏.‏ وقال سيبويه في المصادر التي جاءت على الفعلان‏:‏ إنها تأتي للاضطراب والحركة نحو النقزان والغلبان والغثيان‏.‏ فقابلوا بتوالي حركات المثال توالي حركات الأفعال‏.‏ ووجدت أنا من هذا الحديث أشياء كثيرة على سمت ما حداه ومنهاج ما مثلاه. ‏‏ وذلك أنك تجد المصادر الرباعية المضعفة تأتي للتكرير نحو الزعزعة والقلقلة والصلصلة والقعقعة والصعصعة والجرجرة والقرقرة‏. فأما مقابلة الألفاظ بما يشاكل أصواتها من الأحداث فباب عظيم واسع ونهج متلئب عند عارفيه‏.‏ وذلك أنهم كثيراً ما يجعلون أصوات الحروف على سمت الأحداث المعبر عنها فيعدلونها بها ويحتذونها عليها‏.‏ وذلك أكثر مما تقدره وأضعاف ما نستشعره‏.‏ من ذلك قولهم‏:‏ خضم وقضم‏.‏ فالخضم لأكل الرطب كالبطيخ والقثاء وما كان نحوهما من المأكول الرطب. والقضم للصلب اليابس نحو قضمت الدابة شعيرها ونحو ذلك‏.‏ وفي الخبر قد يدرك الخضم بالقضم أي قد يدرك الرخاء بالشدة واللين بالشظف‏.‏ وعليه قول أبي الدرداء‏:‏ يخضمون ونقضم والموعد الله فاختاروا الخاء لرخاوتها للرطب والقاف لصلابتها لليابس حذواً لمسموع الأصوات على محسوس الأحداث‏.‏ ومن ذلك القد طولا والقط عرضاً‏.‏ وذلك أن الطاء أحصر للصوت وأسرع قطعاً له من الدال‏.‏ فجعلوا الطاء المناجزة لقطع العرض لقربه وسرعته والدال المماطلة لما طال من الأثر وهو قطعه طولا‏.‏ ومن ذلك قولهم‏:‏ الوسيلة والوصيلة والصاد كما ترى أقوى صوتاً من السين لما فيها من الاستعلاء والوصيلة أقوى معنى من الوسيلة‏.‏ وذلك أن التوسل ليست له عصمة الوصل والصلة

بل الصلة أصلها من اتصال الشيء بالشيء ومماسته له وكونه في أكثر الأحوال بعضا له. ومن ذلك قولهم‏:‏ صعد وسعد‏.‏ فجعلوا الصاد لأنها أقوى لما فيه أثر مشاهد يرى وهو الصعود في الجبل والحائط ونحو ذلك‏.‏ وجعلوا السين لضعفها لما لا يظهر ولا يشاهد حساً إلا أنه مع ذلك فيه صعود الجد لا صعود الجسم ألا تراهم يقولون‏:‏ هو سعيد الجد وهو عالي الجد وقد ارتفع أمره وعلا قدره‏.‏ فجعلوا الصاد لقوتها مع ما يشاهد من الأفعال المعالجة المتجشمة وجعلوا السين لضعفها فيما تعرفه النفس وإن لم تره العين والدلالة اللفظية أقوى من الدلالة المعنوية‏.‏ فافهم هذا. فهذا ونحوه أمر إذا أنت أتيته من بابه وأصلحت فكرك لتناوله وتأمله أعطاك مقادته وأركبك ذروته وجلا عليك بهجاته ومحاسنه‏.‏ وإن أنت تناكرته وقلت‏:‏ هذا أمر منتشر ومذهب صعب موعر حرمت نفسك لذته وسددت عليها باب الحظوة به‏.‏ نعم ومن وراء هذا ما اللطف فيه أظهر والحكمة أعلى وأصنع‏.‏"

وقد سجل زكي نجيب محمود في كتابه "قصة عقل" غرامه بالخصائص، وكيف أنه وجد بعد أن شاب شعره أن تراثنا عظيم، لكنه للأسف قد بدأ بالغرب قبل الشرق.

ما أخلص إليه هو أن تراثنا في تجلياته اللغوية قد خاض بحرا عظيما من التدقيق والفحص والمراجعة ولم يكن بحاجة إلى تعقيد لفظي أو لغوي حتى يستفز همة القاريء للتركيز والبحث. بل أجد في تراثنا أمانة تبلغ حدا غير معقول، فترى شراح القرآن والسنة يستخرجون بأنفسهم ما أشكل عليهم ظاهره ثم يجيبون وهكذا يقومون بدور الشارح والناقد في آن واحد، والمثال الأشهر هنا هو ابن حجر العسقلاني في فتح الباري، والحقيقة أن ابن حجر واحد من ألوف. بل حتى عندما تقرأ نصا في أصول الفقه مع ما هو معروف به من الصعوبة يأخذك العجب كل مأخذ وأنت تقرأ لغة رائقة للشافعي في الرسالة مثلا بلا تعقيد أو حذلقة.

ما أقوله يتقاطع مع ما وصف به د. محمد مندور عباس العقاد

حينما أسماه جورجياس المصري نظرا لتعمد العقاد الإلغاز والاستعلاء والتعقيد المعنوي. لكن الفرق بين العقاد وبين د. جابر عصفور فرق كبير فلم تتح للعقاد كل هذه الأبهة ولا النعيم ومع هذا كان إبداعه أعظم بمسافات ومسافات.

والآن إلى الاختبار التجريبي (أو الإمبريقي كما يحلو لأهل التعقيد اللفظي): هل وجدت مشقة كبيرة في فهم ابن جني مع أن كتابه في بنية اللغة وأصولها، وابن جني لم يكتبه لعامة القراء، ورغم أن المادة المنقولة تتحدث عن ضبط الألفاظ بالمعاني (ما يسميه التصاقب) والعكس كما لو كان الكاتب حائكا؟ أظنك تجيب بالقول: كلامه وإن كان يحتاج إلى تركيز لكنه قابل للفهم.

الآن ستعرف لم بدأت بالمثل الألماني الذي ينطبق على كتابات الدكتور عصفور انطباق الغطا على الحلة ويتصل به اتصال الماء بالقلة. فهذا نص نقدي من كتاب "نقد ثقافة التخلف" طبع في 2009 للدكتور جابر عصفور وفيه من الأخطاء المنهجية وخيانة الأمانة العلمية والخلط والأوهام ما فيه. لكن ما سأورده هو ما يتسع له حجم المقال وصبر القاريء وهو التعقيد اللفظي والمعنوي الذي اشتهر به عصفور حتى جعل النقد الأدبي كهنوتا.

يمدنا عصفور بفيضه، وينفحنا بإلهامه فيما يمثل غيضا من فيض وقليلا من كثير من إغراقه وكلفه بالحذلقة والإغراب حيث يكرر أن مقالاته في جريدة الحياة للخاصة، وأما الأخرى التي في الأهرام فهي للعامة مع ما في هذا من عنصرية وكبر واستعلاء وإهانة لجريدة بحجم الأهرام (لاحظ أني تعمدت أن يكون الاقتباس أول فقرة من المقال حتى لا يقال إني اقتطعت الفقرة من السياق):

المقال كان بعنوان: النزعة الماضوية:

" تستند النزعة الماضوية إلى مفهومين أساسيين يلازمانها، ويدعمانها، ويتبادلان التأثر والتأثير في التأسيس للسند النظري الذي تستند إليه ممارساتها وتبرر به تأصيلا وتطبيقا. ويتصل المفهوم الأول بالزمن الذي يتقلص في زمن استرجاعي ، لا يفارق أصله إلا بالانحدار عنه بما يجعله في حنين دائم إليه. أما المفهوم الثاني فيتصل بالإنسان الذي يسقط عليه مفهوم الزمن صفاته الغالبة، فيدنيه منه في حال من الاتحاد الذي يقوم الانحدار على الاثنين. ولكن يخص الإنسان بدلالة الجبر التي تنفي حرية الفعل والاختيار عن الإنسان الذي يظل، في المدار المغلق للمفهوم المنطوي عليه، فاقدا للإرادة، مقدورا عليه الأفعال التي ليست له على سبيل الحقيقة، ما ظلت الإرادة والاستطاعة والقدرة الخلاقة منفية عنه، شأنها في ذلك شأن ما يلازمها ويتفاعل معها من صفات منفية عن مفهوم الزمن الذي يجسده ، ويتجسد به في مداره المغلق ، إنسان هو الوجه الآخر للزمن، يظل مثله لا يملك ولا يستطيع سوى المضي في طريق الانحدار."
الرجل يريد أن يقول: الحنين إلى الماضي يجعل المرء أسيرا له لا يخرج منه، ويتوقف الزمن أمامه فيلجأ إلى الشعور بأن كل شيء محتوم ، وأنه يمشي على خطى رسمها له القدر فلا سبيل إلى الفكاك منها أو التقدم عنها. وعجبي!

للحديث بقية

[email protected]