في صحبة ستفين والت، أستاذ الأساتيذ

محمود الفقي

الأحد, 29 مايو 2011 14:06
بقلم ـ محمود الفقي

 

كنت قد كتبت عن الضجة الكبرى التي أثارتها دراسة ستيفن والت وجون ميرشايمر وكلاهما أستاذان مرموقان في هارفارد وشيكاغو على الترتيب. وكانت الدراسة عن تأثير اللوبي الصهيوني على مصالح الولايات المتحدة تحديدا في السياسة الخارجية الأمريكية. الأهم ألم يلفت نظري كثيرا كلامهما، فقد رأيته معادا ومكررا رغم تقديري العظيم لمكانتهما العلمية والأكاديمية. وكنت قد ذكرت ما سطره بول فيندلي في كتابه "أسرار اللوبي الصهيوني" من أعاجيب وصلت حد أن قيادات الموساد تعرف ما لا يعرفه البنتاجون عن البرامج العسكرية للولايات المتحدة!

الحقيقة – حسب رأيي وقد أكون مخطئا – أني رأيت مبالغة كبيرة من جانب الثلاثة وخاصة بول فيندلي، لكن الذي أضاء في عقلي حينئذ هو عمق ثقافة المسكوت عنه في الولايات المتحدة ما دعا روبرت ساتلوف – رئيس معهد واشنطن – إلى وصف فيندلي بأنه سياسي من طراز عتيق لم يتعرض عقله لأي تحديث، وما دعا التليفزيون الرسمي والأكاديميين الأمريكيين في معظمهم إلى وصف تشومسكي بالمفكر الصبياني، وإن لم يكن كلامه كله مرفوضا وذلك لفجاجة تشومسكي بالفعل.

الفكرة مرة أخرى هو هذا القدر من الإقصاء للآراء التي تمثل خروجا عن النمط الأمريكي في التعامل مع ملفات شائكة مثل العلاقة بإسرائيل في نطاق المصالح وأيهما يستفيد من الآخر سواء كان الناقد بحجم ستفين والت ورصانته أم كان كبيرا وعظيما في ثقافته كبول فيندلي الأكاديمي المتمرس في العمل النيابي وتشومسكي الذي ملء الدنيا نبلا واجتهادا لكن أحدهما مبالغ والآخر مفرط في النقد.

واليوم وحيث أتابع من كثب كتابات والت لفت نظري في مقالاته الأخيرة هذا المقال الذي يقطر صدقا وإشراقا، وعنوانه: لماذا يكرهوننا؟

دعك من أنه بدأ المقال بسبِّ توماس فريدمان، فأنا لست من أنصار محاسبة الكاتب على كل كلمة، والذي يعنيني هو الاحتكام للفكرة الرئيسية. فالتحدي كما قال فريدمان في مقاله في نيويورك تايمز الذي يواجه الولايات المتحدة صادر من المسلمين والعرب، وهو

"تصورهم" لأمريكا. فمشكلة المسلمين أنهم لا يفهمون أن السياسة الخارجية الامريكية إنما تسعى لإنقاذهم وتحريرهم حسب نص فريدمان الذي يقول إن أمريكا بالفعل لها أخطاء طفيفة – واخد بالك يا مرسي طفيفة – مثل سجن أبو غريب لكن حواديت أبو رجل مسلوخة – حسب نص فريدمان – التي يعلمها المسلمون لأبنائهم هي ما يمنعهم من تحمل مسؤوليتهم.

يستشهد والت في رده على فريدمان بما رآه رأي العين في مؤتمر للعلاقات الأمريكية الإسلامية وما سمعه من تنوع وتعددية هائلة في الآراء، لكن الذي خطف بصره هو ما قاله أحد المشاركين وهو صحفي إنجليزي بارز حيث قال "لو حقا تريد الولايات المتحدة تحسين صورتها لدى المسلمين يجب فورا أن تكف عن قتلهم."

لا يأخذ والت الأمور على علاتها، وليس هو من النوع الذي يستسهل الفكر كبعض من يسمون أنفسهم مفكرين لدينا، ولا يكفون عن زرع الدونية في نفوس المصريين والمسلمين والعرب بل يقول إن الأمر لا يمكن أخذه بهذه البساطة، ويفرض سؤالا منطقيا: كم عدد المسلمين الذين قتلتهم أمريكا في العقود الثلاثة الماضية وكم قتل المسلمون من الأمريكيين بالمقابل؟ والجواب وإن كان محالا إلا أنه ضروري كما قال والت.

تعمد والت أن يجمع أعلى تقدير تقريبي للضحايا الأمريكيين وأدنى تقدير للمسلمين، وحتى مع هذا كان المقابل 30 ضحية مسلما مقابل ضحية واحدة في الجانب الأمريكي!!

والحقيقة أنه ليست الولايات المتحدة المسؤول الوحيد عن العدد الضخم من قتلى المسلمين إذ بعضها مسبب عن العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة على النظام العراقي، وعليه فالملام هنا أيضا على صدام حسين، لكن المشكلة أن الضمير الامريكي كان يعلم أن مواصلة

العقوبات سوف ينتج عنها عشرات الألوف من القتلى الأبرياء.

كما أن الولايات المتحدة لا تلام وحدها على ما حدث من عنف طائفي بعد غزوها للعراق، فالمشكلة كامنة لكن الضمير الامريكي فتح بركانا ولم يغلقه فهو المسؤول أيضا رغم أنف العبقري فريدمان الذي صادق على هذا الغزو وأقره (سخرية من والت).

والمنطق يقول إنه إن كان ثمة ضحايا من قرارات أمريكية فليس معنى هذا بالضرورة أن القرارات غير صائبة، فأنا واقعي وأقبل أن يكون هناك ضحايا لقرارات قد تكون مبررة، والسياسة الدولية ليست منهجا ملائكيا. فلست أرى أي خطأ في طرد العراق من الكويت في 1991 أو إسقاط طالبان في 2001 فالأمر نسبي، ولا بد من مقارنة التكاليف بالمنافع. لكن إن أردتم معرفة لماذا يكرهوننا فلتعرفوا أولا أننا قتلنا من المسلمين والعرب أعدادا غفيرة في الثلاثين عاما الماضية. كما أن من قتلهم المسلمون من الأمريكيين إنما قتلوا من إرهابيين لا يحظون بموافقة الدول ولا الشعوب المسلمة. ويجب ألا ننسى من قتلتهم اسرائيل في لبنان وغزة والضفة الغربية بدعم أمريكي واضح.

وعليه، فالمشكلة ليست في "تصور" المسلمين الخيالي لنا كما يدعي فريدمان، وإنما سلوكنا الفعلي. وما يفعله فريدمان ضار لأنه يجعلنا غافلين عن السبب في تزايد الكراهية ضدنا. انتهى كلام والت.

وأما تعليقي فهو أنه وإن كان المقال منصفا ورائقا لمسلم مثلي لكني لا أحب أن أترسل معه فأكره أمريكا مطلقا. فلأمريكا أياد كثيرة على البشرية، بل وهي من أنقذت أرواح مسلمين في التسعينات ضد مذابح الصرب، وربما فاق عدد القتلى بين المسلمين في حروبهم مع بعضهم البعض ما اقترفته أمريكا (العراق وإيران نموذجا)، وهي من سمحت لملايين المسلمين أن يبدعوا ويتعلموا في أرقى جامعاتها ويأكلوا من خيرها وينتعشوا بنعيم الحرية والديمقراطية والآدمية فيها. كما أن أمريكا السياسة الخارجية شيء وأمريكا القيم والمعاملات الداخلية شيء آخر مختلف تماما لكن جوهر إعجابي بوالت يكمن في شجاعته.

أجل فالكاتب الشجاع يستحيل القلم في يده سيفا ولا يخشى من التغريد خارج السرب ويعرض ما لديه وهو يبغي لبلده الكمال. وفي هذه اللحظة الفاصلة إما أن يعيد أوباما صياغة علاقاته مع المسلمين والعرب في ظل المأزق الأمريكي في المديونيات وسقوط الرهبة التي خلقها بوش الإبن، وإما أن أمريكا إلى زوال وخطاب نيتانياهو كان تغريدة البجعة في ظل التعاطف الدولي المتزايد مع الفلسطينيين والمصالحة والربيع العربي. نحن المسلمين والعرب لم نعد مثلما كنا فلتتغيروا!

[email protected]