ضحايا محمد حسان

محمود الفقي

الأربعاء, 27 أبريل 2011 10:57
بقلم: محمود الفقي

كل ما كان من تعليقات أو رسائل جُلها شتم وتحريض ودعاء علي بالويل والثبور يغفره شخصي الضعيف ويشفع له – جزئيا – حدتي في الخطاب.

لكن الذي لا يسعني هضمه هو هذا التعلق البغيض بالأشخاص، وصنع الهالات حولهم، وخلق الطغاة في كل المجالات. وربما يكون هذا طبعيا في أناس مثل المصريين قد تعرضوا لتجريف قاس في مئات الأعوام أفقدهم إحساسهم بذواتهم، وحبس في دواخلهم طاقات كوامن.

أذكر لما نقدت الشيخ الشعراوي رحمه الله سبني أخ كريم بشتائم نابية. ربما لا يعلم الأخ الكريم أن الشيخ قد تعود أن يسوق أحاديث ضعيفة وموضوعة لدرجة أنه بنى حلقة كاملة في إذاعة القرآن الكريم على حديث موضوع هو:"أولُ ما خَلَقَ الله نورُ نبيك يا جابر، خلقه الله من نوره قبل الأشياء". الشيخ رحمه الله كان كثير الاستطراد، عميق التأثير، متكلما في كل علم وفن وباب فكثرت أخطاؤه، والأخطر أنه كان يميل إلى التصوف ويمتدحه كثيرا لدرجة أنه كان يتكلم عن رب العالمين كما لو كان يتكلم عن صديق له. ومع ذلك يكفيه إحساس الجميع بإخلاصه، وتمكنه من اللسان العربي المبين وإن كانت له أخطاء في موالاته السياسية للسادات رحمهما الله رحمة سابغة.

كانت غرفتي بالمدينة الجامعية أشبه ما تكون بمنتدى مفتوح للجميع أشجعهم بدل الحديث عن المال والجنس إلى القراءة وتبادل الأفكار والخبرات، وكان من أقرب الناس إلي صديق مرهف الحس على درجة كبيرة من الرقي، وكنا ذات مرة نتحدث عن الصمود المُعجز للأفغان ضد الآلة السوفيتية، وفجأة تلبست الحماسة بالصديق، وقال قولا عجبا: بلغت بسالة الأفغاني أن كان يصعد الشجرة وما معه سوى عصا صغيرة "يكعبل" بها الطائرات السوفيتية فتسقط على الفور. كنت أظنه يمزح لكني رأيته مصرا على كلامه، بل ودافع عنه لدرجة أن ترك الغرفة غاضبا.

الشاهد أن صديقي قد أعمته الفكرة كونه معجبا بها إلى حد أن أسرته فما يستطيع عنها فكاكا رغم أنها لا تقنع رضيعا.

يتقاطع هذا مع ما قرأته لشاعرة عظيمة الأخلاق، ( قلت عظيمة الأخلاق احترازا لما قد يصيبها من سوء ظن عند عرضي لحكاية حكتها في سيرتها الذاتية "صفحات من حياتي") وهي الشاعرة جليلة رضا التي كان حظها عاثرا في الزواج ثلاث مرات، وكانت دائما تبحث عن الحب. حكت جليلة أن جارا لها كانت تراه في مكتبه أنيقا وسيما هادئا وقورا فوقع حبه في قلبها وبلغ العشق منها مبلغا صعبا إلى حد ألم تك قادرة على المشي!

وفجأة وبنظرات وابتسامات أفلحت في أن تقابله، وعند اللقاء به لأول مرة انتحى بها جانبا مظلما، وشد يديها نحو فخذيه!

الشاهد أن جليلة تركت العنان لخيالها حتى أسرها أسرا، وأدخلها عوالم عنكبوتية حتى خُيل إليها أن حياتها لن تستقيم إلا بهذا الحب الذي تبين بعدئذ أنه كان رغبة أظهرت مع الأسف احتقاره لها!

المقصود أن الوهم قد يصنع بالإنسان الكوارث، وهو ما أراه في المنتقبات اللائي يستقبلن محمد حسان بالنظرات والابتسامات ويخرجن حتى يبلغن سيارته ليروه! هو نجم متأنق "فشر" نجوم السينما بل حتى في ديكور برنامجه الجلابية بيضاء والساعة بيضاء والنظارة "فريمليس" والكلام ناعم والنبرة حانية والابتسامة وديعة والمرأة بشر يا جماعة!

أن ترى جموعا من المخابيل يقبلون رجليه ويديه ويتمسحون به هو الخطر الأعظم الذي حول أعدادا غفيرة إلى اعتبار كلمة سلفي حيلة نفسية دفاعية لدرجة أني كنت في إحدى المرات مع

أخ فاضل يصر على أنه سلفي، ولما قلت له: أنا أزهري ملتح ومقصر للثوب وامرأتي منتقبة وعصري جدا ولست سلفيا وأنت حليق فرد على الفور: أنا سلفي حليق! (مصطلح غاية في الوهم واستخدام الحيل الدفاعية).

وماذا يضيرني فلعل الله تعالى يعدلها لي وأكون نجما أو مثل بعض أصدقائي الذين أهجوهم في وجوههم هجوا مريرا إذ يحدثونني عن نساء وبنات يتصلن بهم ليعرضن عليهم مشكلاتهن العاطفية والجنسية، وكيف أن امرأة تكلمه فقط بوصفه الكاتب الحكيم لتعرض عليه خوفها من انتقال أية عدوى لمعاشرة زوجها لها من الخلف، وأخرى مراهقة لا يهمها ما يقوله لها من وعظ ودعوة للتوبة فهي تريد أن تعرف الطريق إلى طبيب يرقع لها بكارتها. أعرف أن كلامي مرٌّ لكن ما حيلتي وقد وصل التعلق بالدعاة والكتاب والمشاهير عموما حدا يُضحك الحجر، ويفضح ما في شعبنا من مسكنة وضعف وحاجة إلى دغدغة المشاعر حتى في تعليقات بعض السيدات اللائي يحرصن على التعليق على المقالات الرومانسية ليكشفن عن جوعهن العاطفي ومنهن من في السبعين.

لن أنسى ما قاله وليم جيمس في تفسيره للعلاقة بين المشاعر والأفعال حينما مثل لذلك بقوله:" نحن لا نهرب لأننا خائفون ولكننا خائفون لأننا نهرب." أي أن بداخلنا مشكلة، والخوف بالداخل لا بالخارج، والشجاعة تعود، وترقية الفكر وتهذيب السلوك تعود، وهكذا فالنفس كالطفل إن تهمله شب على حب الرضاع وإن تفطمه ينفطم. ولما تعرض المصريون لكل هذا القدر من الإهمال، وتعلموا على يد أبناء الفراغ خرجت لنا أنواع عديدة من التطرف والعنف كلها بسبب مشكلاتنا الداخلية، ولأن الأمر قد وسد إلى غير أهله كما في الخطاب الدعوي.

والحقيقة أن الأخ الكريم محمد حسان قد وفر علي جهدا كبيرا بما قاله وأقسم أنه لا يقوله على سبيل التواضع في نهاية شريطه المسمى:" مؤتمر انفلات المرأة". الحقيقة وتأكيدا لما أقره فإني أقول إن خطابه الذي هو امتداد لخطاب الشيخ كشك رحمه الله، وخطاب عمرو خالد الذي يتماهى مع خطاب كريفلو دولار والدعاة الإنجيليين الجدد إنما هو ثمرة الفراغ. أجل فعندما يخلو العصر من الباحثين المحققين الجادين أو عندما ينزوون بعيدا عن الأضواء يخرج إلى السطح أمثال الشيخ خالد الجندي الذي ينطق مختار الصحاح بفتح الصاد والحاء المشددتين!

وبقدر ما نال هذا الخطاب من شهرة بقدر ما أخفى لآليء حقيقية فمثلا شهرة الشيخ الشعراوي طغت على أستاذه الأعلم منه وهو عبد الجليل عيسى، وشهرة رشيد رضا طغت على عبد الرزاق عفيفي، وشهرة محمد حسان طغت على محمد عمرو عبد اللطيف، وشهرة الشيخ كشك طغت على خليل هراس والسيد أحمد صقر وأكرم ضياء العمري.والمغمورون هنا أقوى وأعظم أثرا وفقها وعلما لكن قاتل الله النفخ في شيوخ الكاسيت والفضائيات.

أخيرا ربما تعن للقاريء أسئلة من نوع: ماذا يضيرك كون محمد حسان أو يعقوب في رغد من العيش، وتحت الأضواء لأربع وعشرين ساعة في غير سابقة في تاريخ الدعوة بعدما كان حسان يعيش في بيت بالطوب اللبن ولا يجد ما ينفق ، أو أنهما يركبان أفخم السيارات وتصل النصف ساعة تسجيل ليعقوب لقيمة ألفين ونصف من الجنيهات ، وبنص كلام محمد حسان: السعودية تستقبله رسميا وتنتظره السيارة تحت الطائرة؟ الإجابة ليست من عندي وإنما من الحديث الشريف الذي يحكي ما حدث بين أبي بكر وربيعة الأسلمي رضي الله تعالى عنهما فابحثوا عن هذا الحديث.

[email protected]