في نقد الخطاب السلفي: محمد حسان نموذجاً ج2

محمود الفقي

الاثنين, 25 أبريل 2011 08:20
بقلم-محمود الفقي

النقد ليس بالضرورة حقدا أو إساءة أدب، وإنما نظرة قد تصيب وقد تخطيء.
يلخص أسلوب الشيخ محمد حسان أنموذجا كاملا لعيوب الدعوة السلفية في مصر، فللرجل غرام بثقافة التعبير المحضة (كلامولوجي)، وهو واعظ وقصاص يجيد التأثير على الجماهير بالسجع، والأشعار التي يستشهد بها أكثر من الآيات والأحاديث، وصوته الندي العذب، وما اعتاده من نفاق الجمهور وتملقه حيث يبدأ بالثناء على الجمهور والمزاح معه، وهو ما يفسر شعبيته وليس الإخلاص وحده، فكثرة الأتباع ليست في ميزان الشرع شيئاً.
لقد بدأ حياته ويا للعجب بأصعب علوم الدين وهو مقارنة الأديان فأخرج للناس شريطا اسمه: "الرد على النصارى"، لكنه لم يزد على أن نسخ كتاب:" الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح" بدلا من أن يبدع جديداً، وواصل تحرشه بالمسيحية والمسيحيين، ثم هو الآن وبقدرة قادر يحل الفتن الطائفية، ويحل ضيفا على كل القنوات!

والأخطر في كل عيوبه أنه متطرف. فمنذ عشر سنوات أو أكثر سمعته بأذني يصرخ مناديا بكفر طه حسين وغيره من الأدباء ممارسا أقصى درجات الإقصاء والتعالي، وأكاد أجزم أنه لم يقرأ كتابا واحدا لطه حسين. بل لقد أكثر الخلط والأخطاء في أهم علوم الآلة التي تفتح آفاق الفهم للدين، وهو علم أصول الحديث باعترافه في أحد شرائطه لما قال: أعتذر للإخوة الكرام للأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها لأني لم أدرس بعد علم الحديث!
هو مشكور لهذا الاعتراف لكن كيف عساي أشعر بالأمان مع من تصدر الدعوة وأصعب علوم الدين بينما لم يدرس علما من أهم علوم الدين!!

في شريط "تارك الصلاة" تراه يؤكد أن المقصود من الآية الكريمة:" فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة" ليس تارك الصلاة وإنما من يؤخرها عن وقتها ، و"الغي" كما يقول هو واد في جهنم بعيد قعره خبيث طعمه (لا أدري كيف يكون طعمه خبيثاً؟ هل يؤكل؟!) يسيل فيه صديد أهل النار، وإن أودية جهنم لتستعيذ من هذا الوادي من شدة حره! وهكذا تراه يتخطى التفسير اللغوي للكلمة، ويميل إلى رأي ضعيف مرجوح يقول إن الغي مثل الويل واد في جهنم!

الشيخ يصرخ حتى بح صوته في الشريط: يا تارك الصلاة أنت ملعون عند الله وكافر...سبحان الله أهذه طريقة النبي

في دعوة من لا يصلي؟ أيستطيع أن يكرر نفس النبرة الآن أم قد أدرك أن الظهور في الفضائيات يحتاج إلى رقة ولطف حتى تستمر الأضواء؟

الشيخ يقسم ويتألى على الله ألو أنطق كل المخلوقات للعنت تارك الصلاة!!
يقسم الشيخ أن الثوب على جسد من لا يصلي يكاد يلعنه أيضاً وكذلك لقمة العيش وبيته يقول له كل صباح ومساء اللعنة عليك يا عدو الله اخرج مني لا صحبك الله في سفرك ولا خلفك في أهلك ولا ردك لأهلك سالما غانما!!
تلخيص الدعوة في الخطابة صار مدرسة تخرج فيها كثير من دعاة الغد، وشاهد أية قناة دينية سترى نسخا كربونية من محمد حسان في طريقة الأداء، وحتى في حركات اليدين الكثيرة، والأداء الدرامي، وما أراني إياه الشيخ محمد لأول مرة في حياتي وهو قلقلة كل الحروف على الطريقة السعودية.

وهو قصاص بارع ولا أدري لماذا لا يحكي إلا عن المليونيرات والمليارديرات الذين يقابلهم، ومنهم من لا يستطيع أن يحك جلده من شدة المرض ويود لو أخد الناس ما يملكه من سيولة فقط وهي 600 مليون دولارا فضلا عن الأطيان والعزب والأصول الأخرى ويستطيع أن يحك جلده.

الشيخ له حس إعلامي مرهف وممتاز في تسويق نفسه، والعجيب أنه وهو سلفي يلقي محاضرة كبيرة ساعة موت ديانا، وعنوانها حيث حضرتها بنفسي كان هو: "فتاة العصر وسيدة القصر" حكى فيها تاريخ حياة ديانا وكونها فاجرة وعاهرة، وعند هوجة موضوع الشفاعة كان يسدد اللكمات لمصطفى محمود لكن بالشتائم، وأقلها: ماذا يقول هذا الغبي؟! وقبل ذلك كان يسدد الشتائم لكثير من الدعاة، وهذا المطرب وذاك الممثل فهل هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟
في شريط على الإنترنت يثبت كل حرف في كلامي ترى تكريم ابنه أحمد (مشروع النجم الصاعد) في مسابقة "المزمار الذهبي" في قناة الفجر. تخيل هدف المسابقة: ترشيح أفضل عشرة متسابقين من حيث ماذا؟ التفقه في

الدين والتباري في فهم معاني كتاب الله؟ التسابق في الكتابة والتحدث بالفصحى بلا أخطاء؟ تقديم مخترعات والعياذ بالله؟ المسابقة في حسن الصوت وجماله! يحصل أحمد على مركز بين العشرة ليس الأول لكن يأتي المشهد ومشايخ الأزهر – خاط الله شفاههم – يسألون النجم الصاعد في سماء العلم والفكر: هل تستطيع قراءة هذه الآية بمقام النهاوند؟ أو السيجا، أو الكرد ، وهكذا بمقامات موسيقية، فينفخ النجم صدره كالديك، ويحمر وجهه، ثم يكسر شمالا فلا ينضبط النهاوند أو الحجاز! ثم تتوالى اللقطات لحسان في فيلته الفارهة وهو يتحدث عن النجم الصاعد ويعدد جوانب عبقريته وإخلاصه، ثم تأتي مشاهد لأحمد في الجيمانيزيوم - اسم الله عليه - يحمل الأثقال لا أدري لماذا؟! ثم تأتي تعقيبات وتقريظات أعمامه الذين يعملون جميعا، ويكسبون من كنز قناة الرحمة ثم يأتي تعقيب الغزاوي مدير القناة، ثم أجد نفسي بعد ساعة لم أر الهدهد، ولم أشهد غير بعض من سحر محمد حسان، وعقله الإعلامي.

تخيلوا أن الحلقة التي أحدثت لغطا ودويا عظيما وتاجر بها الإعلام الديني ورجا فيها مدير قناة الرحمة محمود حسان من الرئيس مبارك بل وجمال مبارك على الهواء في برنامج 48 ساعة مع هناء سمري ألا تغلق القناة فتسأله هناء سمري بخبث: قلت الرئيس مبارك فلماذا جمال فرد على الفور: لأننا نعتبره رمز الشباب!!! تخيل هذه الحلقة بها من الخرافات ما أقلها إضحاكا وسذاجة أن شارون كان يصنع من أرجل الأطفال والبنات الصغيرات وأيديهم عقدا يلفه حول عنقه ويسير به فرحا فخورا!!!
المشكلة هي أن الخطاب السلفي يأبى المراجعة مثل كل خطاب، وبدهي أن الإسلام لا يمثله السلفيون أو الأزهريون أو الصوفيون أو أي أحد في حين قد تصوف المتسلفة بتقديس شيوخهم وهنا المشكلة. وهكذا نحن محاصرون بين خطاب سلفي فيه رهبنة للإسلام وخطاب فيه إساءة أدب كما فعل شومان حينما سب شيخ الأزهر الراحل طنطاوي وقال عنه على منبر مسجد الرحمة في المنصورة إنه كلب، وحينما طعن في عرض ابنة البرادعي!!
كيف لحسان أن يصف المسيحية بالدين الفاجر الخبيث في شريطه "قصة الصليب" بناء على ما سمعه من القس الإسباني المسلم انسلم تورنيدا بعد دخوله الإسلام ثم يأتي في فضائيته ليفتح الهواء ساعة يتلقى العزاء في ضحايا نجع حمادي؟ فهل لما شتم المسيحية بهذه الصورة ووصف كتابها بأنه الكتاب الجنسي ورآها بما رأى لم يكن يتكلم عن عقيدة؟ بلى كان يتكلم عن عقيدة في نفسه فكيف تتغير العقيدة إذ يصبح نجما في الفضائيات؟ وهل يستطيع أن يكرر مدحه لابن لادن بقوله الجبل الأشم والمجاهد البطل وهو الذي أضر بالإسلام والمسلمين بما لم يستطع جيش من أعداء الإسلام.

إليه وإلى كل الدعاة، ولأن الله تعالى قال لنبيه الكريم صلى الله عليه وسلم:" اتق الله" أكررها لهم: اتقوا الله.

[email protected]