في نقد الخطاب السلفي: محمد حسان نموذجاً ج1

محمود الفقي

الجمعة, 22 أبريل 2011 12:53
بقلم- محمود الفقي:

في أول سنة لي بالجامعة الأزهرية، كانت ثمة ثورات عارمة بين الطلاب، ومظاهرات حاشدة أدت إلى جرح عشرات من الطلاب وعساكر الأمن المركزي وانتهاك أعراض بنات كثيرات، وكلاهما مسكين: الطلاب والعساكر إذ هما ألعوبة في يد الساسة ودعاة الدين. كانت أزمة وليمة لأعشاب البحر لحيدر حيدر التي والذي ما سمع بهما أحد من قبل حتى إن ناقدا شهيرا كرجاء النقاش قال في كتابه " قصة روايتين" إنك لو حذفت نصفها ما ضرها من شيء إذ جلها إطناب وصراخ فقد قيمته الفنية بلغته الزاعقة." في تلك الفترة أجج الإخوان المسلمون الثورة قبيل الانتخابات البرلمانية (كعادتهم السياسية الانتهازية) وحشدوا الطلاب الذين أتحدى أن يكون أحد منهم قد قرأ منها حرفاً، فخرجوا زرافات ووحدانا حتى البنات في مشهد ينبغي ألا يذهب هكذا سدى بدون دراسة.
وقتها كان الدكتور أحمد عمر هاشم رئيسا لجامعة الأزهر، وصرخ فيه بمجلس الشعب كمال الشاذلي فأتى الرجل على الفور إلى المدينة الجامعية التي سورتها عربات الأمن المصفحة، واختلطت الدماء بالرصاص المطاطي وقنابل الغاز المسيلة للدموع. لم تستطع جحافل الأمن وعسكره منع الطلبة الغوغاء، واستطاع هاشم بعيون دامعة وكلام وعظي أن يفعل في النفوس فعل السحر، فتجلت لي حينئذ قوة الوعظ وسحره على النفوس لو كان من رجل ذرب اللسان، يضغط جيدا على مخارج الحروف، ويحسن الأداء الدرامي.
لكن الأهم هو ماذا قال يومها هاشم؟ لقد حكى كيف إنه في المرة الأخيرة لزيارته للولايات المتحدة قد ألقى محاضرة ظل بعدها الأمريكيون يبكون خشوعاً، ودخل الإسلام منهم في تلك الليلة وحدها ثلاثمائة أمريكي فصاح الطلاب: الله أكبر وعيونهم تفيض من الدمع حزنا ألا يكونوا في مثل رهافة وخشوع الأمريكيين الكفار.
ومع تقديري للدكتور هاشم إلا إن كلامه فيه نظر. فليس هذا بسلوك الأمريكيين ولا هذه عقولهم ولا أقبل لديني العظيم أن يكون مجرد "اسكتش" لطيف يسلم بعد سماعه ورؤيته الغرب بلا عقل أو منطق.
بمثل هذا المنطق المخالف للموضوعية والفطرة كان حديث حسان في شريط له على جزءين عنوانه: مشاهد من أمريكا، حكى فيه الرجل حكايات من هذا النوع بوصفها مبشرات لقدوم الإسلام، منها كيف أنه أقام الصلاة هو ومن معه في أحد مطارات أمريكا فوقف أحد الأمريكيين مأخوذا ومعجبا بهذا السجود الغريب (لاحظ أن المسيحية أيضا بها سجود لا يعرف بوجوده كثير من المسلمين!!) وقال إنه عندما يكتئب أو يحزن يلجأ لوضع جبهته على الأرض حتى يستريح فيكبر السامعون ويزيدهم خشوعا. ويتكرر الموقف إذ تقابله أمريكية تشعر بالاختناق شأنها شأن الأمريكيين والأوروبيين إذ ذاقوا ملذات الحياة كلها حتى ملوا ( يا ليتنا نذوقها مثلهم حتى الملل) وهم يبحثون عن الإسلام الذي كرم

المرأة وجعلها جوهرة ولا أدري كيف تقول أمريكية هذا بينما عمدة نيويورك نفسه لا يدري شيئا عن الإسلام.
لكن ما سبق لا بأس به إذا عُدَّ من الغرائب لاسيما وقد أتى لهم في المسجد شخص يعلن إسلامه بعد أن رأى في المنام عيسى وهو يقول له كن محمديا. ولا أدري فأي ظلم هذا الذي يُنسب إلى الله والمسيح ابن مريم إذ يخص ابن مريم هذا الشخص بالذات لينقذه من المسيحية، ويدخله في الإسلام بينما يبخل عن باقي المسيحيين في كل أرجاء العالم فلا ينالوا شرف الإسلام على يد الشيخ حسان. أقول كل ما فات لا بأس به إذا عد من الغرائب لكن أن يقول حسان إن الشواذ جنسيا في أمريكا عشرون مليونا أسأل الله أن يزيدوا (كيف يقول شيخ هذه الدعوة البذيئة؟ وأية فائدة ترجى للإسلام والمسلمين بدعوتهم الله أن يزيد عدد الشواذ الأمريكيين!!) وقد حكى كيف أن الجرائم كثيرة، ولا أدري هل تكفي هذه للقول بانهيار أمريكا وقدوم الإسلام، ونسبة الشواذ التي ذكرها تقل بالنصف عن واحد بالمائة هذا إن فرضنا أن وجود الشواذ دليل على قرب الانهيار، وفي مصر آلاف من الشواذ ولهم مجموعات على الإنترنت بل استضيفوا في الفضائيات. أنا وأنت نعلم أن الأمريكيين أشتات مجتمعات، وأن المجتمع الأمريكي متعدد الأعراق والثقافات والملل والنحل والأهواء حد التعقيد، وعليه فمن المضحكات المبكيات أن تجمع الأمريكيين في سلة واحدة وتحكم على أمريكا – التي يصفها في الشريط بالغرب الكافر الضال المنحل - التي هي بحق بلد الحرية والديمقراطية والعدالة التي نحلم بها نحن المسلمين مثل هذه الأحكام الفهلوية التي يتسم بها خطاب حسان الوعظي الزاعق. مثل هذا الخطاب الذي أحلل معكم بنيته المهترئة يضر المسلمين ضررا بالغا إذ هم الآن أحوج ما يكون إلى من يوقظهم من سباتهم، ويضع عنهم أغلال الجهل والفقر والمرض والاستبداد السياسي.
ذكرني هذا بصديق لي لم يكن ديِّنا ولا سلوكه طيبا بل كان يعتاد مشاهدة الأفلام الإباحية ولم يكن يصلي، و كان يدرس في قسم اللغة الصينية وصاحب صينيا تاجرا في القاهرة، وأتى به المدينة الجامعية مراراً، ولما كانت الإدارة ترفض إدخاله المدينة كان يميل على أذن رجال الأمن قائلا: إنه يدعوه للإسلام، وهو على وشك اعتناقه. فجأة سمعت أن الرجل أسلم، وفي مشهد خلاب ومؤثر
أقامت له المدينة الجامعية حفلا كبيرا نطق فيه الشهادتين بعربية فيها عجمة الصين فكادت عيني تظفر بالدمع. لما انتهت الحفلة والتقيت الصيني وجدته أشد من أعتى فلاحينا مكراً. فهو قرد في إجادة العربية والعامية المصرية لكنه أخفى ذلك إذ قرأ فينا حب الدين والنشوة الروحية بإسلام الغرباء لا سيما والأمر يعني الكثير من الهدايا والامتيازات. وكان أن علمنا أنه يسهر مع صاحبنا في المقاهي المشبوهة، وأنه لا يصلي، ولا يهتم لأمر الدين. ولما انتحيت به جانبا أكلمه قال: نحن الصينيين لا نقيم نفس الوزن والأهمية للدين مثلما تفعلون، وكثيرون منا إن سألتهم عن دينهم قالوا لك: لا شيء. أنتم قلتم إن دينكم جميل ولطيف قلت لا بأس من دخوله والخروج منه متى شئت، فالدين في ثقافتنا فكرة ومزاج أكثر منه عقيدة وعمل.

كيف أسمع بنفسي وأرى محمد حسان يسخر من ديكارت ويلخص مشروعه الفكري الذي كان سببا في نهضة أوروبا بفهلوة عندما يقول: من ديكارت هذا الكافر المضل؟ كل ما قاله ويحتفون به: أنا أشك إذاً أنا موجود، بل قل يا ديكارت: أنا أشك إذاً أنا دبوس. وطبعا يضحك الشيخ ويضحك السامعون المأخوذون بلحيته وغترته ولكنته السعودية.
انتقل ديكارت في كتابه ذي العنوان الطويل" مقال عن المنهج لإحكام قيادة العقل وللبحث عن الحقيقة في العلوم يليه البصريات والآثار العلوية والهندسة، وهي تطبيقات لهذا المنهج" من البحث فيما وراء المحسوس (الميتافيزيقا) إلى البحث في العلوم للوصول إلى رفاهية الإنسان، وهو ما حققه الغرب فصرنا نرى نضرة النعيم في وجوه أبنائه بينما نرى البؤس على وجوه المصريين والمسلمين والعرب وحدهم، حتى إني أشعر أحياناً أن الله تعالى خلق الغرب جميلا في كل شيء، واختزل فيهم الحضارة والجمال لما ضيعنا حضارتنا وقيم ديننا. غير أني لا أدري من أين أتى حسان بيقينه أن الغرب في خواء روحي وكآبة وحزن وغم شديد!!
لقد كانت غاية الإسلام بل أي فكرة أو نظرية هي تحديد تصور المرء عن الوجود والخالق، وقد كانت الفلسفة نوعا للتمدد الثقافي الأفقي الموسوعي للبحث عن كل المعاني الجميلة التي تتحقق بها سعادة البشر. لقد أثمرت نتائج أبحاث ديكارت تقدما في الرياضيات ومن ثم الفيزياء ومن ثم المخترعات والمكتشفات الحديثة. ومع فرنسيس بيكون (الأورجانون الجديد) نقد ديكارت منطق أرسطو القياسي، ووضع بدلا منه المنطق التجريبي الذي يتخد فيه الشك طريقا موصلا إلى اليقين مثلما فعل أبو حامد الغزالي في نهاية كتاب الإحياء.
اعتاد حسان الشتم للمخالف ومن ألفاظه المتكررة المألوفة (في شريط ردة ولا أبا بكر لها مثالا لا حصرا): العقل العفن، العلمانيون المجرمون، الأقلام النجسة، ساقط وضيع، وشيخ من شيوخ الضلال. وقد أورد في الشريط كلمات لطه حسين ونصر حامد أبو زيد وأدونيس ونزار قباني وغيرهم. المدهش أنه يؤكد أنه مخطط منهم جميعا للقضاء على الإسلام، ولا أدري ما الذي لم الشامي هنا على المغربي، وكل من ذكرهم لم يلتقوا ببعضهم فضلا عن أن يتفقوا في رؤاهم أو حياتهم أو موتهم. وقال: لو كان حد الردة قد طبق على كلب واحد منهم ما رأيت ردة بعد ذلك لكن المشكلة في القوانين الوضعية التي تسببت في هذه الردة. وهو سعيد أيما سعادة لفشل مشروع النهضة وكتابات النهضة بفضل دعاة الصحوة وعلمائها الربانيين ومنهم محمد حسان على حد قوله حيث جعلوهم يرقصون رقصة الموت!!
وإلى لقاء في الجزء الثاني.