رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أمريكا والطيب وهيكل... باطل الأباطيل

محمود الفقي

الأحد, 15 يناير 2012 22:52
بقلم: محمود الفقي

ثلاثة مضامين أنعمت النظر فيها في وقت واحد بلا وعي مسبق أنها واحد. الاستراتيجية الأمريكية الدفاعية الجديدة ووثيقة الأزهر للحريات وآخر مقال لهيكل.

كلما طالعت نصا لكاتب أمريكي زاد إيماني بأن القدرات العقلية للأمريكيين أدنى بكثير مما صنعوه من هالة. وكلما طالعت نصا لأزهر ما بعد مبارك أدركت كم يستطيع الظاهر البلاغي هضم طاقة هائلة من اللاعلم اللهم إلا علم الكلامولوجي. وأما فيلسوف الهزيمة هيكل فليس غريبا أن يظل لسانه كما كان بلا ضابط من ضمير فلا يتورع عن التعريض بأم السادات ولونه ولا عن سوق الأدلة على كون مبارك كان تافها لمجرد أن بعض الناس شبهوه بالبقرة الضاحكة!
أما استراتيجية أمريكا فقرأت نصها كله في أكثر من خمسة آلاف كلمة وهي ليست سوى بلاغة محشوة بأمنيات تستخدم مفردات غير ذات صلة بالعلم والمنهجية مثل "ربما" "لعل" نتمنى" نتطلع" وهكذا.
وخلاصة الاستراتيجية هي تقليص الاعتماد على الجيش والاستثمار عِوضَ هذا في برامج الاستخبارات والمراقبة والاستطلاعات إثر تخفيض الإنفاق العسكري، والتوجه إلى منطقة الباسيفيك الآسيوي، والتأكيد كالعادة على أمن الخليج وتحالف الرياض- تل أبيب والتكامل الأورو-أطلنطي ثم أخيرا إنشاء قوة 2020 المشتركة.
الخلاصة الأمريكان هم الأمريكان لم يتعلموا الدرس قط، وهاهم في هذه الوثيقة يعترفون أخيرا بأخطاء جمة في أدائهم العسكري وطيشهم وتغليبهم البطش على القوة الناعمة والدبلوماسية التي تفعل في الشعوب الأفاعيل. كل الوثيقة طنطنة وجعجعة ولا طحن حتى عندما تابعت بنفسي بوب شيفر في برنامج سي بي إس الإخباري "Face the Nation" لما استضاف وزير الدفاع ليون إي بانيتا ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارتن إي ديمبسي سمعت حديثهما ورأيت حركاتهما وإيماءاتهما كلها تشي بالضعف الأمريكي

وخيبة الآمال، وكالعادة كلام في ظاهره علم لكن باطنه بلاغة.
وبالمثل، فكل العلاقات بين الإشارات والألفاظ والمعاني في وثيقة الأزهر ليست سوى إشارة إلى الدونية الكبرى والضعف المزري الذي يجعل الشيخ ليبراليا! لم تعرف علوم الإسلام كلها معنى الحرية كما هو الآن، وكان اصطلاح الفقه نحو الحرية أنها مضاد الرِّق، وتلك أمانة علمية يجب عليَّ الاعتراف بها وهذا لا يقلل من إسلامي العظيم شيئا بل هو نقص في جهد البشر. الإسلام شيء والليبرالية شيء آخر وأية محاولة للمزج ستخلق كائنا مشوها بلا ريب.

الشيء نفسه ينطبق على خطاب إسلام أونلاين الذي يوشك أن يكون علمانيا خالصا ويزين صفحاته بتقارير عن مهرجانات السينما لا لشيء إلا لشعوره بالدونية والاستلاب الحضاري ويكاد يصرخ أنا متحضر ومستنير ومتفتح وليبرالي ومثلكم أرطن كما ترطنون وأحشي كلامي بلاغة كما تحشون وأقعقع بلا طحن مثلما تفعلون!
ما فعلته هنا هو مجرد تطبيق بسيط لفن تحليل الخطاب (Discourse Analysis) كيما أفكك النص وأستبطن الدوافع خلف هذا الإلحاح من الشيخ الطيب على تقديم نفسه في صورة المخلِّص والمنقذ السوربوني الليبرالي المتفتح حدِّ الشطط والبعد في الحقيقة عن مضامين الإسلام الراسخة...أجل فالشيخ ليس بفقيه أو عالم نحرير في الشريعة بقدر ما يعاني لا شعوريا من استلاب يجعله محصورا في خندق الدفاع رغم أن الإسلام قد عاش في عصر النهضة ثم التنوير ثم الحداثة وبقي وسيظل قويا أبد الآبدين بلا افتعال أو

حذلقة.
تحليل الخطاب ليس مقصورا على النص بل وعلى المواقف أيضا وهو ما يفسر اللهفة المقيتة من محمد حسان على الظهور الإعلامي أكثر حتى من عمرو دياب وذلك لقنص ما يتيسر من دور خلال المعمعة. كنت أضرب كفا بكف ويأخذني العجب كل مأخذ من رؤية الأزهرية سعاد صالح وهي تشرح بالتفصيل ماء الرجل! كيف هذا؟ وما الذي يُجبر مخلوقا (الأنثى) أنا نفسي لا أتصور فيه غير جمال الطبع ورهافته أن يصف المني والمذي والودي وما يخرج بشهوة وما لا يخرج؟ ولكنه حب الظهور القاصم للظهور!
ونفس الشيء ينطبق على طروحات الطيب الرنانة ودليلي الدامغ هو هذا الكم الفاضح والغبي من النفاق والكذب إطراءً له في جريدة رديئة اسمها صوت الأزهر توزع إجباريا بالمجان على أعضاء هيئة التدريس بجامعة الأزهر. والأمر لا يحتاج هنا إلى ألمعية جاك دريدا وتفكيكيته أومايكل فوكو واستقصائه لعلم الأنساب أو جوليا كريستيفا ونقدها الاجتماعي النسوي أو فريدريك جيمسون وتحليله الماركسي لما بعد الحداثة لأن الأدنى تعليما ووعيا في بلدنا قد بدأ يضيق ذرعا بموسم تكاثر الأبطال هذا وهو الضيق الذي بلغ حدا من الرمزية الساخرة العذبة في اتصال مشهور بقناة النيل الثقافية (لموا الغسيل يا أولاد!).
بله إن وثيقة الأزهر وبخاصة الثانية هذه بها أخطاء دينية ومنهجية وعلمية وتاريخية أكاد أضرب رأسي بأقرب حائط ألم يستطع أحد أن ينتبه إليها فضلا عن تفكيكها وشرح الكوامن الروحية والحيل النفسية الدفاعية التي تجعل شيخ الأزهر يُصر على أن يقرن كلمة الشريعة الإسلامية بوصف "السمحاء" مرات عدة ليرسخ الصورة الذهنية عن كون المتحدث باسم الإسلام دوما في معرض الاتهام وخندق الدفاع حتى وصل الأمر ذروته بعد أحداث القديسين وتخيلت أن يوشك كل إعلامي ومسؤول أن يعتذر عن كونه مسلما!
وأما هيكل فنفس ما قلته سابقا يجري على مقاله وهو الإغراق في الإنشائيات والبلاغة اللفظية والسرد الموغل في الإملال بلا جديد أو مفيد بل حيث يشي النص بدوافع نفسية خبيثة، وكالعادة لا تأخذ من هيكل سوى اتكاله على ما حازه من هالة ولا بأس بقليل من الانتهازية... والآخرة أدهى وأمرُّ.
[email protected]