رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

نحترمكم نعم.. نبايعكم لا (2 - 2)

محمود الشربيني

السبت, 27 أغسطس 2011 23:22
بقلم: محمود الشربيني

في الجزء الأول من مقالي المنشور بالأمس، تحدثت عن مواقف عامة - وخاصة - لعدد من الشخصيات المنتمية للتيار الديني، وهي نماذج لرجال احترمهم تاريخاً ودوراً لكني تساءلت ولا زلت اتساءل عن مدي إيمانهم بالفكرة لديمقراطية فغاية أملي - وكل الليبراليين - أن يدرك الإخوان أن شعبنا يريد الآن أن يشبع حرية وهنا بيت القصيد.

 

نتحدث عن الحرية فيفاجئك تبرك الأحبة.. وتظهر نبرة اللوم ونظرة العتاب ويصفعك قولهم: لماذا هذه المصطلحات الغربية الغريبة عنا؟.. لماذا لا نلجأ لكتاب الله وسنة رسوله؟.. لماذا لا نقول «شوري» أليس أمرهم شوري بينهم؟.. لماذا نتحدث عن النموذج الغربي ونشعر بدونية لدي الغرب.. مع أن ديننا فيه كل شيء؟

المستشار حنفي موسي شخصية قانونية رائعة أفني عمره في الرقابة الإدارية، ثقافته الدينية والقانونية متميزة، كان دائماً يقول لي: القرآن فيه كل شيء.. فيه التشريع والاقتصاد وحتي الفكر والأدب، بل والقصة والشعر، ويستشهد بقصة سيدنا يوسف عليه السلام، ويهمس لي قائلاً: تحدثني عن رواية نجيب محفوظ.. وأنا أحدثك عن قصص القرآن، تحدثني عن يوسف إدريس وأحدثك عن قصة سيدنا يوسف، وفيها كل ما تريد، فيها الأدب والبلاغة والحبكة، فيها حتي «الجنس» إن أردت.. ألم تهم به وهم بها؟.. ويباغتني بسؤال: كيف يكون لدي أصل «قرآني» بهذه الروعة وأتركه؟

معه حق.. فبمقاييس القرآن لا مجال للمقارنة، بين أدب نجيب محفوظ وقصص القرآن، وبين قصة سيدنا يوسف وأي من إبداعات إدريس كالرجل والنملة أو حتي رسالة إلي الله التي أبدعها يوسف إدريس وقد قرأناها في نهاية إحدي مجموعاته القصصة القصيرة، لكن أليس السؤال واجب هنا: لماذا جاء القرآن العظيم حافلاً بكل هذا الجلال والجمال.. بكل فنون الأدب والبلاغة، بكل مبادئ قوانين الحياة، بكل ما فيها من أفكار واقتصاد وآداب وإلخ؟

هل جاء بها لنكتفي بها فلا نقرأ أدباً كلما اشتقنا إليه سوي قصة «امرأة العزيز»؟.. أعتقد أن القرآن العظيم جاء

ليمنحنا القدرة الأعلي للمحاكاة وإنما الاستلهام والإبداع والخيال، جاء ليرسم لنا ملامح طريق الإبداع في الحياة.. وهنا نكمل الخارطة - للطريق المنشود - الحكمة الملغزة للنبي محمد علي الصلاة والسلام القائلة: أنتم أعلم بشئون ديناكم.. أنتم أعلم بموعد تقليم النخيل.. وتلقيح الأشجار، والحيوانات واتقاء الرياح والاستفادة منها في الطاقة، ومراعاتها عند البناء ومواسم الفيضان ومعرفة أنجع طرق الزراعة والري.. إلخ.

ليس معني أن قصة يوسف حافلة بكل المتعة كونها قرآناً كريماً، ولأنها نموذج أدبي رفيع لا نظير له، ألا تكون هناك قيمة للأدب، العربي والعالمي، فالقرآن يدلنا علي «السكة» لكنه يحدثنا عن قابيل وهابيل فنري الإخوة كارامازوف عند ديستويفسكي، ومن خيال السيناريستات الموهوبين من نجيب محفوظ «مع التقدير الشديد» لعبدالحي أديب مروراً بأسامة أنور عكاشة ووصولاً إلي وحيد حامد وبشير الديك، ورحلة إبداع أدبي ودرامي وفني هائل لا يمكن رفضها لأن بعضها يظهر جانباً من «لحم رخيص» أو يبرز بعضاً من «أرخص ليالي» أو يتحدث عن «درب الهوي» و«المساطيل» و«المذنبون» فمثلما هناك هذه الأعمال - علي مضامينها المهمة - هناك «الشيماء» و«الرسالة» و«صلاح الدين» و«ناصر 56» و«الأرض» وغيرها.

المشكلة ليست في المسميات الغربية، والإصرار علي معاداة كلمات من نوعية: مدنية الدولة.. علمانية الدولة.. الديمقراطية.. فحينما تكون في حضرة «الجماعة» أو الجماعة أو في حضرة أي من رموز الجماعات الأخري العديدة، تجد أن الغالبية تتوقف كثيراً عند المسمي.. أذكر أن قاضياً فاضلاً بذل ليلة كاملة من وقته ليوضح لي أهمية أن أؤمن بأن الشوري في الإسلام هي الحل.. وأن الديمقراطية ما هي إلا تسمية غربية لايجوز لي كمسلم أن استخدمها، فقررت أن أمضي

معه لنهاية الشوط وسألته: ليكن الأمر شوري كما تقول.. فكيف نصل إلي المسلمين لنشاورهم في الأمر؟.. وكيف نصل لهذه الملايين ونعرف رأيها ونستشيرها؟.. وما الآليات التي سنتبعها لهذه المعرفة والوصول إلي قراراتنا؟.. الشوري يعني استفتاء والاستفتاء يعني صندوق آراء، والصندوق يعني انتخابات وأغلبية وأقلية، وهذه هي الديمقراطية!

المشكلة الحقيقية هي في المناخ الفكري الذي يتحرك فيه كل منا.. ليبراليين ومتدينين «باستخدام توصيف عمنا عبدالقدوس» تركيبة الليبراليين تدفعهم ليتنفسوا الحرية.. بوصلة تفكيرهم مضبوطة علي الرأي والرأي الآخر، النقد سمة أساسية من سمات الإبداع والتفكير، والبعض يتطرف في الرأي والنقد، حتي أن هناك علمانيين وملحدين.. شيوعيين.. ماركسيين متعددي الانتماءات.. هناك يساريون واشتراكيون وطليعيون، ناس مشبعوش حرية في أي عهد.. أما المتدينون فهم ما شبعوش التزام.. ولازالوا يتطلعون صوب الرمز الذي يسيرون وراءه.. والإمام الذي يسيرون خلفه ليقولوا ويرددوا وراءه: آمين.

كلانا.. ليبراليون ومتدينون.. يبحث عن مخلص أو زعيم أو رمز أو إمام أو مسيح يسير خلفه، لكن الفارق الوحيد هو أن الزعيم والإمام الليبرالي ممكن نقده، والخروج عليه وانتقاده وإسقاطه، أما عن الزعيم والإمام الديني فهو رمز مقدس مهاب.. يحكم ويدير بنفحات آلهية.. ويتمتع بقداسة دينية تجعله فوق النقد وفوق الخلاف.. الحكم الإسلامي يسند ظهره للدين لكن لا يمكن معارضته أو رفضه لأنه لا أحد يجرؤ علي معارضة المقدس.. رغم أن من يطرحون هذا الكلام المقدس بشر مثلنا يخطئون ويصيبون.. ولا يأتيهم الوحي من بين يديهم أو من خلفهم.. جوهر الخلاف هو أن الإسلام يحضنا علي الحرية لكن المتدينين يحضوننا علي الالتزام والتبعية والقداسة الدينية التي تلغي العقول.. وتطيح بأحلامنا في أن تشبع حرية.

نريد أن نشبع حرية.. وأن نشبع أفكاراً.. أفكاراً ليبرالية ودينية أيضاً لندع لأنفسنا العنان لنكتشف كل شيء.. بأنفسنا.. وهل نحن نريد أن نستلهم من الدين الحياة الحرة الكريمة المبدعة.. أم أننا بحاجة إلي تقييد أنفسنا والالتزام الديني بكل قداسته؟

اعطو مصر فرصة لتختار.. وإذا كنتم واثقين أنها إن آجلاً أو عاجلاً ذاهبة نحو المقدس فلن تخسروا شيئاً إذا أجلتم ذلك بعض الوقت، علي الأقل دعونا نشبع حرية.. دعونا نقول لكم بحرية إننا نذكر مواقفكم النبيلة معنا ومع غيرنا ونذكر نضالكم ودوركم في الثورة المجيدة.. لكن نختلف معكم في أمر الالتزام والمقدسات.. دعونا نختار بحرية.. بدون وصاية أو إرهاب أو تهديد.. بين الديمقراطية والقداسة الدينية، دعونا نقل لكن بوضوح: نحترمكم نعم.. نبايعكم لا.