«عشق» و«ديناميت»

محمود الشربيني

الاثنين, 09 فبراير 2015 19:55
بقلم: محمود الشربينى

 

قبل أن تقرأ: عندك «أصول الدين سبعة لا ثلاثة؟».

هكذا سأل «محمد جاد هزاع» شيخه «بقية الخير محمد عبدالله» الذى أجابه قائلاً: نعم: الحياة, الحرية, العلم, الكرامة, التوحيد, الرسالة والآخرة.
يعاود «هزاع» سؤال شيخه: لماذا لم تذكر كتب الأصول ذلك؟
قال الشيخ: تقصد كثيراً من كتبهم, وذلك إما بقصد وإما بغير قصد.
يعاود السؤال: ماذا تعنى بقصد؟
قال: فقهاء ووعاظ السلاطين قصدوا ذلك تخديماً علي أسيادهم الذين لا يحترمون حق الحياة بالنسبة لمن يعارض حكمهم ويريدون أن يستبدوا برأيهم كأنهم وحدهم يملكون الحق كله فيحرمون الآخرين من حريتهم, ويحاربون العلم حتى لا يعرف المحكومون حقوقهم ويمتهنون بنى آدم الذين كرمهم ربهم ويستبدلون دين الله بدينهم وأن احتفظوا ببعض مسميات ما يتعلق به, إذ «لا دين لمن يسلب حقه في الحياة والحرية والعلم والكرامة» وما بعد ذلك حتماً «تدين» مغلوط.
شيخ «محمد هزاع» ينبئنا بأن التدين الذى لا يحافظ علي حياة وحرية وعلم وكرامة خلفاء الله في أرضه لا ينفع لا في الدنيا ولا في الآخره!
نحن هنا أمام جوهر كتاب (العشق علي طريقتي بين الدين المنزل والدين المبدل)، نحن بصدد كتاب يضعنا أمام حقيقة أنفسنا فعلاً, فإذا كان «خدم السلاطين» قد «بدلوا» الدين نفاقاً وزلفي للحاكم فقد أضاعوا الدين وأضاعونا معهم!، هذه الحقيقة التى يصدمنا بها هزاع وشيخه في الكتاب المذكور, هى أم مشكلاتنا الآن.. فنحن أمام دين مبدّل ما في ذلك شك.. ترى مظاهره في شيخ يوظف فتواه لإرضاء الحاكم, وآخر يستبعد من الدين ما يوافق معتقده أو مآرب جماعته, وثالث يتفنن في توظيف الدين علي نحو غير الذى قصد به.. والأمثلة عديدة.. خذ عندك مثلاً جماعات التأسلم السياسى التى تستبيح لنفسها اختلاق حدود تلبسها ثوب الشريعة, مثل حد الرجم في جريمة الزنا, فإذا كان الحد المعروف هو الجلد مائة جلدة فمن أين أتوا بالرجم؟
أنحن إذاً بحاجة إلى ثورة دينية؟.. أنحن بحاجة إلى تجديد الفكر الديني؟.. ألم يلحظ رئيس

الدولة ذلك حتى إنه طرح الأمر علي الناس في خطاب من خطاباته التى لا تزال تثير التفكير بل والجدال؟.. ثورة تنتصر لحق الناس في «أصول الدين السبعة» الذين اختزلهم المنافقون في ثلاثة فقط, فصار الدين كما يقول الشيخ تديناً مغلوطاً لا يعترف بالأصول الأربعة التي هى معنى الخلافة الإنسانية لبنى آدم تخديماً علي البعض منهم دون الآخرين!
يقيناً فإنه في هذا الإطار سلبنا كثيرون نعماً كثيرة, منها نعم إعمال العقل والتفكير والتجديد, وظهرت في العصر الحديث آراء واجتهادات ما أنزل الله بها من سلطان.. انظروا مثلاً لهذا الشيخ الفضائى الذى يحض الأزواج الذين يعرفون أن زوجاتهن تخونهم في فراشهم - وبشكل يثير الريبة في مدى أهلية هؤلاء للفتوي - علي ألا يقتحموا المنزل علي الزوجة لضبطها متلبسة بالخيانة, ويطلبون إلى الأزواج أن يتركونها حتي تفرغ من «خيانتها أو عهرها» لا فرق!.. أليس الأمر يحتاج إلي ثورة بالفعل؟
ربما كان المعني الذى يورده لنا الكتاب «العشق علي طريقتى» في أمر التجديد الدينى معنى كلياً, لكنه بلا جدال يقودنا في نهاية المطاف إلي التفكير في المعنى والمفهوم الحقيقي للدين, فإذا تساءلنا مع هزاع وشيخه لمن أنزلت الأديان ومن تستهدف في الدنيا والآخره فسنعلم أنها تستهدف «بنى آدم».. وأنها نزلت لأجل إسعادهم وليس لتكون سيفاً في يد المفتين ليسخروا الناس عبيداً لحكامهم, فالذى لا يجب أن يغيب عنا أبداً هو أن الإنسان عندما خلق فإنه خلق مكرماً من قبل ربه.
ألقم محمد هزاع بكتابه هذا مياه التفكير الدينى الراكدة بحجر صلب.. ومن يتصفح كتابه, الذي هو عبارة عن أربعة أجزاء, أولها سردية بعنوان الضفة الأخري والثانى فلما تجلي وهو يحاوره, والثالث
وما ينبغي له, والرابع بعنوان وكأنه هو, الذى كتب بلغة هى لغة الأدب بمفهوم جديد, فإذا قرأته كسردية فأنت أمام قطعة نثرية بديعة, وإذا قرأته كنصوص شعرية فأنت أمام ديوان موزون ومقفي وأمام لوحات شعرية, فضلاً عن كونها موزونة فهى راقية المعني جميلة الفكرة محكمة الصياغة, وقامة كاتبها الشعرية لا تقل بحال من الأحوال عن فطاحل الشعراء.
علي أننى وأنا أقرأ بعضاً من كتابه الضخم الذى يقع في نحو 500 صفحة لا أدرى لماذا تذكرت الكاتب الراحل توفيق الحكيم, شيء ما استدعى «الحكيم» إلى مقدمة ذهني, وتحديداً عندما كتب أحاديثه المدهشة والمثيرة للجدل بعنوان: «حديث مع الله» التى أضطر فيما بعد لتعديل عنوانها ليصبح «محاوراتى مع الله».. أقام الحكيم الدنيا ولم يقعدها بأحاديثه تلك, وأنهالت عليه سهام النقد من كل صوب وحدب, فقد رأي فيها بعض المشتغلين بالأدب والثقافة والدين تطاولاً رهيباً علي الذات الإلهية!.. أترى الضجة ثارت لأن الحكيم تحاور أو تحدث مع الذات الإلهية العلية.. ولأنه الأشهر بين الأدباء فإن كثيرين وجدوا في هذا الأمر مغنماً أو مطمعاً للتكسب والشهرة علي حسابه؟.. أم لأنه بالفعل تطاول وتجاوز بحديثه هذا الذى أجراه وهو علي فراش الموت فرأى فيه البعض أنه خيال عجوز محتضر خرف يهذى بسكرات الموت؟.. أم لأنه كانت هنالك آنذاك حركة نقدية وفكرية هائلة تستطيع الاقتراب من مكنون مثل هذه الأحاديث التى أطلقها الحكيم في بناء معماري أدبي حرك مياه الثقافة المصرية ودفعها نحو التغيير؟
فماذا إذن.. إذا كان محمد هزاع بكتابه هذا يقترب كثيراً من هذه المنطقة الملتهبة جداً؟.. أنه وهو يقدم أوراق اعتماده إلى جمهور المثقفين في مصر يعيد إلى الأذهان بهذا العمل الخطير الذى بدا لي أشبه بقنبلة من بارود وديناميت, وبدا لآخرين - شهدوا الندوة التى نظمتها نقابة الصحفيين لمناقشة الكتاب - بمثابة نقطة فاصلة بين ما قبل وما بعد علي حد تعبير الناقد الأدبى الكبير الدكتور صلاح السروى.
لنقرأ ونتامل هذه السطور أو القنبلة التى صاغها هزاع شعراً من نص رقم 27 من ديوان «وما ينبغى له» بعنوان لمن الملك اليوم.
قالت: بعضاً من جندى.. سلطتهم عليك.. قلت: تهجرين وتبطشين.. فتجمعين علي حبيب قتلتين.. قالت: هذا عدل.. لقد شغلت عنى هنيهة ونسيت ذكرى لحظة.. قلت: أنت التى أضللت خطوى نحوك.. بألف مرأة لعوب!
بعد أن قرأت: ترى من هى التى تقول شغلت عنى.. ونسيت ذكرى؟.. من كان يحاور من؟.. الإجابة في «العشق على طريقتى»!

 

ا