هل يعتذر مبارك للشعب المصري؟

محمود الشربيني

الثلاثاء, 15 مارس 2011 07:35
بقلم :محمود الشربيني

أقدر كثيراً الي درجة قد لايصدقها عقل ثقافة الاعتذار عن الخطأ.. حتي انني أسرح بخيالي بعيداً وأتصور ان "الرئيس السابق حسني مبارك" قديطل علينا عبر بيان مدفوع الأجر في وسائل الاعلام.. يعترف فيه بأنه لم يبادل شعبه حبا بحب.. وهما بهم.. ومصيبة بمصيبة.. وحزنا بحزن.. وأن شعبنا فاقه إنسانية وتحضراً عندما توحدت مشاعره معه ومع ابنه علاء في مصابهما الأليم في رحيل حفيد الرئيس.. في حين لم يتذكر سيادته ان يتقدم بالعزاء لأسر شهداء الثورة إلا علي استحياء وقبل التنحي بأيام قلائل.

وأتصور ايضا - وبعض التصور ليس إثما - أن الرئيس السابق سوف يضمن بيانه اعتذاراً مكتوباً للشعب المصري عن كل الجرائم التي حدثت ولوثت عهده وأنهت مشوار القائد العسكري نهاية مؤسفة.. لعله لم يكن يحسب لها حساباً.. كما حسب للتوريث ولازجاء الحماية للاتباع والاصهار والمحاسيب والوزراء والمنافقين.. فضلاً عن تستيف الحسابات المالية علي نحو صدم الامة.. التي جاع فقراؤها ليشبع حكامها الي حد التخمة.. ويأكلون من صفائح القمامة.. فكلهم فدا الرئيس!!

هل يعتذر مبارك حقا؟ هل يعتذر عن كل هذه المظالم والمفاسد التي ارتكبها في حق مصر.. التي حولها في عهده الي مطية الي مسخ.. ولولا بقية باقية من قدرتها التي لا تزوي أو تنكسر أو تضيع.. لما كان ممكنا ان تقف علي قدميها وتزيل آثار العدوان وتسقط دولة الظلم والطغيان.. هل يفيق من انعزاله وسباته.. ويدرك المقاتل فداحة الثغرة التي أحدثها في قلب الامة.. وفي جدار أمنها القومي.. دون ان ينصت ولو لمرة واحدة لخبراء الامن القومي ولمطالبات ونداءات واستغاثات مفكري مصر وعلمائها الذين بح صوتهم من أجل ان نهتم بأمن مصر القومي الذي يبدأ من جبال طوروس شرقاً وليس من قناة السويس كما كان يقرر ويتصرف.

هل يعتذر مبارك؟

قبل أن تصدمني المعلومات التي أوردها زميلنا محمد امين - في عموده اليومي بجريد الوفد - عن الاجراءات التعسفية التي

أقدم عليها الفريق أحمد شفيق إبان توليه وزارة الطيران.. وقبل ان ندرك حقا انه يضع لنا السم في العسل ويترك لأمن الدولة الفرصة للعبث بالثورة.. أقول قبل ذلك لم أمنع نفسي من الانحياز لأحمد شفيق احتراما وتقديراً.

ولا أنسي تلك اللحظة التي سمعته فيها عبر أثير البي بي سي وهو يعتذر بكل تواضع أولاد الناس عن تصرفات بلطجية موقعة الجمال والبغال التي كان وراءها فلول الحزب الفضائحي المعروف كذبا بالوطني.. فقد أوقفت سيارتي علي جانب الطريق أحاول أن أستوعب ان لدينا ولأول مرة منذ عهد بعيد رئيسا للوزراء يعرف فضيلة الاعتذار ولديه شجاعة الإقدام عليه.. حتي انني نوهت بذلك في مقال بعنوان "كل الأمل في الدكتور الجمل" وإن كنت صدمت بالطبع في تراخيه في معالجة الانفلات الامني وعناده وتحديه لمشاعرنا بالابقاء علي رموز فساد.. ووزراء مبارك والتي دفع ثمنها من سمعته ودفعت علاء الاسواني ليتحدث معه بقسوة دافعها المرارة من الاحساس بأنه لا يعترف ولا يؤمن بأن ما حدث في مصر ثورة.

وقبل أن أتذكر رأي الراحل الكبير سعيد عبد الخالق رئيس تحرير الوفد الدءوب المتفاني.. في اللواء منصور العيسوي وزير الداخلية الجديد وتقديره لشخصه.. سمعته ورأيته يعتذر بشجاعة للشعب المصري عن أخطاء جهاز الشرطة، ومع انه لم يكن هناك وقت ارتكاب هذه الاخطاء إلا ان المسئولية السياسية والمواءمة وايضا ظروف المرحلة التي تفرض علي الوزير لم شمل الشرطة.. دفعته لاعلاء المصالح العليا للوطن ليمهد الأرض امام عناصر الأمن والضباط الجنود لكي يستطيعوا العودة الي ممارسة مهامهم التي ينتظرها منهم الوطن الذي يعاني بشدة غياب الأمن والأمان.

في الاطار نفسه فاجأنا ايضا الدكتور

عصام شرف رئيس الوزراء بالاعراب عن اعتزازه بالمستشار جودت الملط وعمد الي تطييب خاطره علي الهواء مباشرة معتذراً له في محبة وتقدير عن الانتقادات الاعلامية التي وجهت الي اداء الجهاز في عهده وهي الانتقادات التي دفعت لرواج انباء عن استقالته "أود ان أشيد هنا بمقالين لزميلنا الكبير علاء عريبي.. وكان واجبا علي المستشار الملط ونحن علي اعتاب عهد جديد ان يتقدم باحترام للصحيفة وللمحرر برد موثق علي ماورد فيها وذلك تقديراً لحرية الصحافة ولثورة 25 يناير التي أسقطت التابوهات وطالت انتقاداتها العائلة الرئاسية كلها.. لكنه تضايق ولم يفكر في أن من يعمل بالعمل العام ليس معصوما من النقد وانما له حق الرد".. وما يهمني في الأمر هو ان الدكتور شرف أقدم علي هذا التصرف بطيبة ونبل.. وأيضا بحساب إدراكنا منه لحق النقد المباح للاعلام لكل من يعمل بالعمل العام.

أما الاعلام نفسه - خاصة السلطاني منه.. والملكي.. الذي كان أغلبه يلمع مراحيض النظام مع الاسف.. فلم يفكر بعد في تنظيف ثيابه وتقديم اعتذار مكتوب للشعب المصري فالكلمة المأجورة أشد فتكا وافعل تأثيرا من البندقية، والاستاذ الشرقاوي علمنا ان شرف الله هو الكلمة لكن كتاب النظام غير المبارك الذي لم يؤمنوا بكلمة واحدة مما كتبوه في تأليه الرئيس السابق وإسباغ كل الفضائل عليه ارتكبوا في حق الشعب جرائم: "تزييف وعي.. غسيل مخ.. تزوير حقائق.. تشويه اشخاص.. تأليه بشر.. استغلال نفوذ ونفاق رخيص وترويج لنظام مستبد والادعاء بأن الحرية عنوانه.. فلا قصف لقلم.. وكان صحيفتا صوت العرب والشعب لم تغلقا وأن عبد العظيم مناف ولا عادل حسين ومحمد عباس واسرة الشعب لم تقصف اقلامهم.. وأنه لا إيذاء لبدن ولا ملاحقة لاشخاص (أفلا أذكركم بما جري لهؤلاء: خالد سعيد، وائل غنيم شادي الغزالي).. وايضا.. لاتشويه لـ "برادعي"!!

ومن أسف ان عبدالمنعم سعيد.. المفكر.. الاكاديمي.. الليبرالي.. الكاتب الرصين كان في طليعة من شوهوه مثلما كان هو وسرايا وجريدتهما يسبحون بحمد النظام، كلنا يعلم ان زملاءنا الذين تقلدوا مواقع الكبار باتوا في مأزق، والشعب يكتب ويعلق علي مقالاتهم بكل وضوح طالبا منهم - بالادب وبغيره - أن يرحلوا، وحتي ذلك الحين أدعوهم للتحلي بفضيلة الاعتذار "سعيد.. سرايا.. مكرم.. كرم.. عبدالله كمال.. جبر.. الدقاق.. الخ" فقد يكون مقدمة لتخفيف الاحتقانات وربما تسود بسببه حالة من حالات التسامح المتبادل، أزعم ان جرح الوطن النازف الآن في أمس الحاجة اليها لتطييب جراحه.