مبارك.. العنيد

محمود الشربيني

الأربعاء, 23 فبراير 2011 09:31
بقلم: محمود الشربيني

»نواب الكيف«.. فضيحة سياسية فجرتها »الوفد« عام 90 كشفت مبكراً جانباً من شخصيته

* من هو حنجرة مصر العميقة التي زودت »الوفد« بوثائق تدين نواب الكيف؟!

* لماذا رفضت جريدة الأخبار ومجلة أكتوبر نشر وثائق الفضيحة النيابية الأولي لبرلمانات مبارك؟

* صحافة الكويت باغتت مبارك بالسؤال عن نواب الكيف فكسرت حاجز عناده

ـ مبارك كان هناك!.

كان فوق سدة الحكم (غير الرشيد بالطبع) وقت ان كان هو وأركان حزبه (.....) وحكومته واتباعه.. يطبخون علي نار هادئة.. هذا الفصل الحزين من تاريخ مصر!.

ـ نحن الآن نقترب من نهايات عام 1990.. ومصر علي أعتاب انتخابات برلمانية.. »صدام« دخل الكويت.. »بوش« في البيت الابيض.. سراج الدين يقود الوفد.. سعيد عبدالخالق ومجدي مهنا رحمهما الله يشرفان علي تحرير العدد الأسبوعي للصحيفة المعارضة الاكثر تميزاً آنذاك.

ـ لم يكن قد انقضي علي حكم مبارك حتي ذلك الوقت عقد من الزمان.. إلا انه ومنذ وقت مبكر ضل طريقه نحو الشعب ونحو الحرية وعرف طريقه نحو الفساد والديكتاتورية. فساد مبارك متجذر وعريق.. تماماً مثل عناده موغل وعميق وفي كليهما نال درجة الدكتوراة.

ـ في الاولي لم يكن يستحق الدرجة وحده بل يستحقها معه أركان دولته.. أما الثانية فإن عناده كان سمته الرئيسية التي لازمته طوال حكمه.. وكشفت عنها مواقفه السياسية.. بدءاً بهذا الفصل الحزين الذي نكتبه.. وصولاً الي دراما سقوطه في 11 فبراير 2011 والتي أفقدت مبارك في النهاية كل حكمته وكل مجده وشرفه وفي كل سلطته.

ـ وهذا الفصل الحزين في تاريخ مصر شاهد علي 15 شهراً من عناد مبارك ونظامه في قضية لا لبس فيها وأول سطر في هذا الفصل هو حملة العلاقات العامة التي أطلقها نظام مبارك الذي كان يستعد آنذاك لانتخابات برلمانية هي الثالثة خلال 10 سنوات.. بدأت الاولي عام 1984 وحصد فيها الوفد والاخوان 57 مقعداً ولكن المجلس لم يكمل مدته وتم حله وتقرر اجراء انتخابات جديدة عام 1990 قاطعها الوفد هذه المرة بسبب استمرار العمل بقانون الطوارئ ورفض مبارك التخلي عن رئاسة الحزب الوطني وصدور أحكام قضائية بعدم شرعية البرلمانات السابقة وعدم تغيير القوانين المطعون في دستوريتها.. والتي جعلت الوفد يتوقع عدم شرعية برلمان 1990 والذي صدر حكم ببطلانه بالفعل ولكن في عام 2000!!.

ـ لكن عواراً من نوع آخر ومختلف.. أصاب مجلس 90 فعلي الرغم من حملة العلاقات العامة لتجميل الوجه القبيح للحزب سيئ السمعة.. وانطلاق الماكينة الاعلامية التابعة للدولة مباشرة بانتخابات حرة ونزيهة والتأكيد ان الحزب الوطني سوف يدقق في سير المرشحين وفي تاريخهم الوطني وفي ثرواتهم وفي سمعتهم.. ويعرف »من أين لهم هذا«.. وذلك بعد أن لاكت سمعتهم الألسنة علي مدي عقد كامل وثبوت أن معظم أعضائه الذين اختارهم يمثلونه كانوا من الفتوات والبلطجية ولصوص المال العام والمتسترين وراء الحصانة علي الرغم من تأكيد الحزب بأنه لن يرشح سوي الاشخاص حسني السيرة والسمعة.. إلا انه رشح 5 دفعة واحدة من منعدمي حسن السيرة والسمعة وثبت ذلك هذه المرة بتقارير مؤكدة صادرة عن جهات رسمية.. فأحدهم فضلاً عن كونه مهرب مخدرات.. ومحكوماً بالسجن.. يتعاون مع اسرائيل.. والآخرون كلهم تجار مخدرات.

حنجرة مصر العميقة

ـ وعندما سربت أسماء هؤلاء الخمسة قبل اعلان القوائم النهائية انقبض قلب »الحنجرة العميقة« بشدة.. ولم يكن يصدق ما يقرؤه من تسريبات وأسماء!!.

ـ حنجرة مصر العميقة لقب مستوحي من الصحفي الامريكي الشهير بوب وود وارد وكان قد أطلقه علي الرجل الثاني في مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية ويدعي مارك فيلت الذي كان يزوده سراً بتفاصيل فضيحة ووتر جيت وقد سماه بوب في كتابه بالحنجرة العميقة كي لا يكشف عنه مصدراً له حسبما اتفق معه.

ـ أما في مصر فقد احتارت حنجرتها العميقة في كيفية التعامل مع تجار المخدرات الخمسة المبشرين بعضوية مجلس الشعب فهو في نهاية الامر يعمل في جهاز أمني خطير ويتبع وزارة سيادية قد تذهب به وراء الشمس ثمناً لتسريباته.

ـ فكرت حنجرة مصر العميقة في الصحافة واختارت أن ترسل برسائلها التحذيرية الاولي من بلاط صاحبة الجلالة كانت روزاليوسف آنذاك تسلم قيادها لصحفي موهوب خرج من معطفه كثيرون وهو عادل حمودة الذي نشر للزميلة سوسن الجيار خبراً من بضعة سطور عن هؤلاء المرشحين باعتبارها كارثة ولكن روزا لم تتابع القصة ولم توال النشر لاعتبارات عديدة.. لكن عادل حمودة كان وراء خروج القصة بكل تفاصيلها الي النور في كتاب حمل نفس العنوان تكرم بنفسه وراجعه مرتين قبل نشره.

ـ ضاق صدر وقلب الرجل وحاول أن يجد حلاً فهاتف عدة صحف أخري بل ذهب الي بعضها بنفسه وتحدث مع المسئولين الكبار عن تحريرها تحدث مع مجلة أكتوبر فاعتذرت عن عدم تلبية ندائه تحدث مع الكاتب الراحل وجيه أبو ذكري وذهبا معاً الي سعيد سنبل رحمه الله رئيس تحرير الاخبار لكن النتيجة كانت سطوراً خمسة في يوميات وجيه أبو ذكري علي الصفحة الاخيرة عن شائعات تتردد حول ترشيح الحزب الوطني عدداً من المسجلين خطر المتاجرين بالمخدرات علي قوائم الحزب الوطني لنيل عضوية مجلس الشعب ولم يكن ذلك كافياً لمنع الكارثة.

»الوفد« تؤكد: حقائق لا شائعات

ـ في »الوفد« بدأت القصة الحقيقية لفضيحة نواب الكيف والفضل هنا يعود لاصرار الحنجرة العميقة علي المضي قدماً في كشف القصة ولسعيد عبدالخالق الذي أدرك بحسه الصحفي انها ستكون قصة صحفية 100٪ وفضيحة سياسية بامتياز فألقي في وجهي ـ أنا محرر هذه السطور ـ بالتحدي الكبير وكلفني بتحقيقها ونشر الحقائق كاملة بدلاً من شائعات الاخبار وهكذا التقيت الحنجرة العميقة دون أن ادعي انني بوب وود وارد (وان كان الكاتب الكبير صلاح منتصر خلع علي لقب بوب وود وارد صحافة مصر بعد أن نجحت معركتي معهم وانتهت بإسقاط نواب الكيف) علي صفحات »الوفد« فجرنا بالوثائق أسبوعياً قصة خمسة من كبار تجار المخدرات وعلي رأسهم شخص يدعي عايد سليمان وحذرنا من امكانية نجاحهم في عضوية مجلس الشعب وكنا كل أسبوع ننشر مزيداً من التفاصيل والوثائق

صادرة من أعتي الاجهزة الامنية: ادارة مكافحة المخدرات ـ قيادة حرس الحدود ـ وزارة الداخلية...الخ (اشترك معي في طالحصول علي بعض وثائق الحملة زميلي الكبير حمدي حمادة وزميلتنا الموهوبة فكرية أحمد«.

»الوفد« وشيخ العرب

ـ كانت »الوفد« الاسبوعية في ذلك الزمن من توزع أكثر من 500000 نسخة ووقت أن فجرت فضيحة نواب الكيف كانت لا تزال درة الصحافة المعارضة في مصر وفي صدارتها ومن ثم كان تأثير نشر أول تقرير موثق عن هؤلاء المرشحين مدوياً كالطلقة في الفضائين الاعلامي والامني وكان وقتها يرأس وزارة الداخلية شيخ العرب محمد عبدالحليم موسي والذي قاطعني تماماً بعد أن نشرت أول تقاريري الموثقة عن الفضيحة لان هذا النشر كان يعني: اما أن وزارته لم تكن تدري أن هؤلاء تجار مخدرات وأن أحدهم يتعاون مع اسرائيل أو أن الوزارة كانت تعلم حقيقتهم وزودت القيادة السياسية بهذه المعلومات لكنها عاندت وتجاهلت القضية وفي كل الاحوال هذا سيضطره كوزير للداخلية أن يوضح موقفه وتلك كارثة سواء كان يعلم أو لا يعلم أو أدان الحزب الوطني.

ـ مما يثير الدهشة أن »الوفد« استمرت تنشر تفاصيل مذهلة وجديدة كل أسبوع علي مدي 15 شهراً كاملة مزودة بالأدلة والوثائق حول الاتهامات الدامغة التي تدين هؤلاء المرشحين لكن الكارثة ان مبارك ونظامه وحزبه تجاهلوا تماماً الموضوع بعناد شديد ورفض رئيس »سيد قراره« أي مناقشة للقضية تحت القبة لكن ضغط النشر المتوالي أجبر الصحافة العربية علي النقل عن »الوفد« وناقش كبار الق ضية مما تطلب القاء شيخ العرب لبيان زاد الطين بلة اضطرت صحف الدولة علي أثره لمحاولة ترميم سمعة الحزب التي مرغتها »الوفد« في التراب فراحت تحاور الوزير ورئيس سيد قراره ورئيسة اللجنة التشريعية علي نحو جعل القضية قضية رأي عام إلا أن الحزب الوطني ورئيسة عاندوا أكثر تماماً كما عاندوا مع ثورة شباب 25 يناير ولم يعبأوا بها حتي كبرت كلتاهما ككرة الثلج وكان سقوطه فيهما مدوياً وكارثياً.

ـ ترك الحزب الوطني القضية لتتعامل معها وزارة الداخلية كواحد من الملفات التي تتولاها ورغم ان الداخلية أمرت ادارة مكافحة المخدرات بسحب ملفات نواب الكيف من الحنجرة العميقة وكادت تشرده وتقضي علي مستقبله إلا انه صمم كواحد من أبناء مصر الشرفاء علي الاستمرار في مساعدتي للتخلص من هؤلاء النواب واستئصالهم من تحت قبة مجلس الشعب.

ولايزال العناد مستمراً

ـ كنا نعمل علي طريقة مارك فيلت وأفلام الجاسوسية كان لنا شفرة للكلام في الهاتف وأماكن نلتقي فيها بعيداً عن العيون وأحياناً إمعاناً في التمويه كان يطلب مني التحدث الي قيادة أمنية بذريعة انها مستندات مماثلة للتي يملكها بحيث لا ينكشف أمره ومرات ومرات وجدت نفسي مطروداً من مبان عسكرية وحكومية عديدة.

ـ 15 شهراً و»الوفد« تسأل كل شخص في مصر السياسي والفنان، البرلماني، والرياضي، الجيولوجي ورجل الدين، رجل الاعمال والمواطن العادي عن الفضيحة ورأيهم في حلولها ومع هذا ظل مبارك يعاند رغم كل هذا الرفض الشعبي ويرفض أي كلام في الموضوع في أي مناسبة تفرض عليه الحديث عنها فيما يكتفي سرور بالتحصن خلف قاعدة سيد قراره أما الدكتورة فوزية فكانت تتحدث عن عدم وجود أحكام قضائية نهائية صادرة بحق هؤلاء تقطع بأنهم يتعاونون مع اسرائيل أو جواسيس لها أو نواب كيف تحت قبة البرلمان.

ـ رفضوا دوماً الاعتراف بالحقيقة وعاندوا 15 شهراً كاملاً فكما قلنا كان العناد سمة النظام فيما كان الاصرار علي قول الحقيقة سمة لـ»الوفد« في تتبع وكشف ابعاد الفضيحة وتجلي هذا الاصرار عندما تحدث رئيس الوفد فؤاد سراج الدين باشا رحمه الله عن هذه الفضيحة السياسية في عيد الجهاد فانفجرت الدنيا واهتز الحزب الوطني بعنف واضطر كمال الشاذلي رحمه الله لمناقشة القضية تحت القبة.. ولكن بعد ماذا.

مبارك في الكويت!

تحررت الكويت وجاء مبارك اليها مهنئاً وفي طريق عودته حاصرته صحافتها الحرة وسألته بغتة: »ياريس ماذا ستفعلون في نواب الكيف«؟ كانت تلك هي المرة الاولي ـ التي يواجه فيها.