رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

المصداقية والثقة والمواءمة!

محمد نجم

السبت, 31 مارس 2012 10:34
بقلم: محمد نجم

الكلمات الثلاث اللاتى يتضمنها عنوان المقال.. هى ملخص الأزمة التى يعانى منها المجتمع فى الوقت الحالى.. فكثير من المتحدثين من قادة الرأى والسياسة فقدوا مصداقيتهم لدى القارئ والمشاهد بسبب التغيير السريع فى رأيهم ووجهات نظرهم، كما أن كثيرا من فئات المجتمع وتجمعاته العمالية فقدت الثقة فى الحكومة ووعودها.. ولعل ذلك يفسر كثرة الاحتجاجات والإضرابات فى الأنشطة أو الوزارات المختلفة.. بل امتد عدم الثقة ليطال العلاقة بين البرلمان والحكومة.

فالأول يتهم الثانية بأنها لا تعمل بجد ولا تحاول حل المشكلات الآنية التى يعانى منها المجتمع مما يتسبب فى إحراجه أمام الشعب الذى أتى به لقاعة البرلمان، وكذلك الحكومة مترددة بسبب ما يصدر من رموز حزب الأغلبية فى البرلمان من ضرورة سحب الثقة منها، أو تغييرها بحكومة ائتلافية.
أما ما يسمى «بالمواءمة السياسية» فقد غض «أولو الأمر» النظر عنها أو أهملوها عمدا.. وهو ما سنحاول تفصيله لاحقا..
أقول ذلك بمناسبة وبسبب مشكلة الجمعية التأسيسية المكلفة بإعداد مشروع الدستور الجديد وما نتج عن طريقة التشكيل من تداعيات.. يحاول المجلس الأعلى للقوات المسلحة حصارها وإزالة أسبابها.
ولكن لابد فى البداية الإشارة إلى مجموعة من الحقائق القانونية.. وبصرف النظر عن وجهة نظرى الخاصة فيها.. ولكنى أذكرها طبقا لتفسيرى المتواضع للنصوص القانونية السارية ومنها:
أولا: أن المادة (60) من الإعلان الدستورى أوجبت على الأعضاء المنتخبين فى مجلسى الشعب والشورى انتخاب أعضاء اللجنة التأسيسية.. وذلك لإعداد مشروع  الدستور ليقوم رئيس الجمهورية بعرضه فى استفتاء عام على الشعب.
وهنا تبدأ المشكلة.. حيث لم يحدد نص المادة معايير المرشحين لعضوية تلك اللجنة.. ولا النسب الواجب مراعاتها بين من يتم انتخابهم من داخل البرلمان أو من خارجه.. ومن ثم أصبح الأمر «تقديريا» للجهة المنوط بها تشكيل تلك اللجنة وهم الأعضاء المنتخبون فى مجلسى الشعب والشورى.
ثانيا: أنه بمجرد انتخاب أعضاء اللجنة التأسيسية.. أصبحوا مستقلين عن الجهة التى انتخبتهم، بمعنى أن الجمعية التأسيسية للدستور أصبحت «سيدة قرارها».. واكتسبت مشروعيتها وبصرف النظر عن بطلان مجلس الشعب فيما بعد سواء بحكم المحكمة الدستورية أو بالحل  من عدمه.
ثالثا: أن الاتفاق على المبادئ الأساسية لمشروع الدستور وتحديد اختصاصات سلطات الدولة المختلفة وطبيعة نظام الحكم بها شىء.. والكتابة الفنية للدستور شىء آخر، بمعنى أن المهمة الأولى سوف يقوم بها أعضاء اللجنة التأسيسية، أما الكتابة والصياغة الفنية لمواد الدستور وطريقة تبويبه،

فمن حق اللجنة الاستعانة بلجنة أخرى «فرعية» من أساتذة وخبراء القانون الدستورى.. ولا يوجد قيد عليها فى ذلك.
رابعا: أن مشروع الدستور الذى ستعده اللجنة ستقدمه إلى رئيس الجمهورية، حيث يعرضه على الشعب فى استفتاء عام للموافقة عليه دون أن يتدخل بالتغيير أو التعديل فى مواده.. وإن حدث فلابد أن يحصل على موافقة اللجنة على ذلك.
خامسا: أن الاستفتاء سوف يتم على مشروع الدستور بالكامل وليس مادة.. مادة.. بمعنى أنه يجوز للشعب أن يوافق على الدستور أو يرفضه.. ولا يوجد مجال هنا للتعديل أو التغيير أو الموافقة على بعض المواد ورفض مواد أخرى.
-
تلك الحقائق القانونية السابقة.. هى التفسير الموضوعى (غير المسيس) للنصوص القانونية السارية وعلى الأخص المادة 60 من الإعلان الدستورى الذى يحكمنا حاليا.
ولكن الآن الدستور لا يصدر فى صحراء جرداء، وإنما لوطن وشعب من البشر تختلف توجهاتهم الفكرية وتطلعاتهم السياسية فضلا عن تباين وجهات النظر حول الحقوق والواجبات، وكذلك اختصاصات سلطات الدولة المختلفة.. التنفيذية والتشريعية والقضائية.. فدائما وأبدا ما تعد الدساتير بناء على ما يسمى بالتوافق المجتمعى حولها وعلى الأقل الغالبية العظمى من الشعب.
وإذا كانت الأكثرية فى مجلسى الشعب والشورى لديها المنطق القانونــى فى أنهـــا جاءت بانتخابات حرة نزيهة.. وأنها تعبر عن الإرادة الشعبية فى كل تصرفاتهــا.. فالمواءمة السياســية ومتطلبات الســــــلام الاجتماعى والوحدة الوطنية توجب عليها عدم الانفراد وحدها بوضع مشروع الدستور.. وكان لابد من عقد لقاءات تشاورية مع القوى السياسية الأخرى للاتفاق والتوافق فى حده الأدنى.. ولو كان حدث ذلك ما كنا تعرضنا لما نحن فيه الآن من انسحاب نسبة 20% من أعضاء الجمعية أو قيام البعض برفع دعاوى قضائية أمام مجلس الدولة بطلب بطلان تشكيلها.. فضلا عن محاولات البعض الآخر بتشكيل جمعية شعبية موازية لإعداد مشروع دستور آخر بخلاف ما تحاول الجمعية التأسيسية القيام به.
-
والآن.. وبعدما حدث.. ما هو العمل؟ فنحن الآن إزاء جمعية تأسيسية بدأت عملها واختارت رئيسها وشكلت لجانا لبحث طريقة عملها وأسلوب مخاطبة الرأى العام معها.. ومتابعة
أعمالها.. أى أن هناك أمرا واقعا.. ونحن أيضا أمام قضية منظورة أمام القضاء الإدارى بطلب بطلان تشكيل الجمعية ولا أحد يعلم ما سوف يكون عليه قرار المحكمة.. فهل ستأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات؟ وأن ما صدر عن البرلمان بشقيه يدخل فى مجال اختصاصهما أو عملهما الذى كلفهما به الإعلان الدستورى.. أم ستصبح نتيجة الانتخابات مجرد قرار إدارى يجوز لها أن تنظر فى مشروعيته من عدمه، ومن ثم تحكم بصحته أو بطلانه.. ومن ثم لا نملك سوى الانتظار ليوم 10 أبريل موعد صدور الحكم فى الدعوى؟.
ونحن أيضا أمام حوالى 20 عضوا منسحبين من عضوية الجمعية أو هددوا بالانسحاب.. سواء كانوا أصليين أو احتياطيين.. وهو رقم كبير.. بل قد ينسحب آخرون وبتخفيض العدد الإجمالى (بعد الاستعانة بالاحتياطى) إلى أقل من مائة عضو.. وهو العدد الذى أوجبه الإعلان الدستورى، ولو حدث ذلك.. فمن المؤكد أننا سنواجه مشكلة بطلان تشكيل الجمعية.. وبصـــرف النظر عن انتماءات أعضائها!
مــع ملاحظـــة أن الانسحابات التى تمت قد تكون مجرد ورقة «ضغط» على حزبـــى الأكثريـــة فى البرلمان لإعـــــادة النظــر فـى تشكيل اللجنة أو لعدم الانقلاب على المبادئ الدستورية المتفق عليها مجتمعيا والتى تضمنت أغلبها وثيقة الأزهر، وقد يزيد هذا الضغط الأكثرية عنادا.. بحجة عدم الاستجابة لديكتاتورية الأقلية.
والمعنى أننا فى كل الأحوال لدينا مشكلة.. والأمل الوحيد الآن أن تنجح محاولات المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى رأب الصدع.. وإعادة الفرقاء إلى طاولة المفاوضات من خلال عودة المنسحبين بعد الاتفاق على إعادة النظر فى تشكيل اللجنة أو تظل بتشكيلها الحالى- قبل الانسحاب- بعد التوافق والاتفاق على المبادئ الأساسية لمشروع الدستور، وأن يكون التصويت فى اللجنة عند الخلاف بأغلبية الثلثين.. وليس بمجرد الأغلبية المطلقة للحاضرين للاجتماع، فضلا عن إتاحة ما سوف تنتهى إليه اللجنة أولا بأول على الرأى العام من خلال شبكة الانترنت أو وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية.
مع ضرورة الاستعانة بلجنة فقهية من خبراء كتابة الدساتير وهم كثر فى مصر.. لكتابة مشروع الدستور الجديد.
--
أما حكاية اللجنة الشعبية والمكونة من بعض الشخصيات العامة لإعداد دستور مواز.. فهى لا تختلف عن البرلمان الموازى الذى افتكسه البعض من قبل.. حيث لا مشروعية ولا سند من القانون أو الإرادة الشعبية.. فهى أيضا مجرد ورقة «ضغط» لا بأس بها.. وإنما لن يكون لإنتاجها قيمة قانونية..
ومرة أخرى.. إن المشكلة فى فقدان المصداقية وفى غياب الثقة.. وعدم العمل بمبدأ المواءمة السياسية، وهذه مشكلة الديمقراطية عندما تطبق لأول مرة فى بلد اعتاد المركزية والخضوع لحكم الفرعون أو ديكتاتورية السلطة التنفيذية، ولكن فى كل الأحوال.. الحياة مستمرة.. والوطن باق.. والأشخاص زائلون.. ومن ثم فلابد أن نلتقى عند نقطة مشتركة.. من أجل مستقبل البلد والأجيال القادمة.. والقرآن يدعونا إلى «كلمة سواء» أى أن نتفق من أجل الصالح العام..
فيأيها الفرقاء.. تعالوا إلى كلمة سواء من أجل مصر وشعبها الطيب الذى ينتظر منكم أن تنقذوه وألا تخذلوه.

------

بقلم: محمد نجم