كلمة أخيرة

أوجاع مصرية

بقلم : محمد مصطفي شردي

أصبحت الاعتداءات والبلطجة أمراً عاديا في مصر. مفهوم الحرية عند بعض الناس هو أن تفعل ما تريد وأن تضرب من تريد. ما حدث للمعتصمين أمام  ماسبيرو أمر مرفوض. وما حدث من المعتصمين امام  ماسبيرو أمر أيضا مرفوض. ولكن لا يجب أن نعتاد مواجهة أمر نرفضه بفعل آخر نرفضه جداً. لأن الموضوع في النهاية يكون مواجهة بين طرفين يصر كل منهما علي أن ما يفعله هو عين الصواب. المتظاهرون أمام ماسبيرو قرروا اغلاق الحياة في هذه المنطقة ولعدة أيام للمطالبة بحقوقهم. ولكنهم نسوا حقوق الناس الآخرين من سكان وأصحاب محلات. نسوا حقوق المواطن الذي تغيرت حياته بسبب اغلاق  تلك المنطقة. وهم تعمدوا كل ذلك، ليس انتقاما ولكن حتي يلفتوا الأنظار وحتي يظهروا قوتهم واصرارهم. فإذا كانوا يعانون من انتقاص الحقوق  فهم يريدون الجميع أن يشعر بذلك. يريدون وقف الحال كعنصر ضغط علي المجتمع وعنصر جذب أنظار لمشكلتهم... هذه هي القاعدة الآن، إذا كنت تبحث عن حل لمشكلة أو تريد من يستمع لك... روح اضرب كرسي في الكلوب...

الجانب الآخر والذي مازالت أبعاده وأسبابه شبه مجهولة، قرر أن يهاجم هؤلاء، خطأ كبير جداً لمواجهة خطأ آخر أكثر بساطة. وخرج البلطجية أو المهاجمون وضربوا وأشعلوا الحرائق... وبعد أن كان المعتصمون في طريقهم للرحيل تحولت المسألة الي اعتداء واضطرت الشرطة الي  التدخل ثم الجيش ووقع دمار في المنطقة وذعر في مصر بأكملها... ومزيد من التأكيد بأننا  نعيش زمن الغوغاء والبلطجية. زمن لم يعد أغلبنا يهتم الا بمصلحته وبقوته ونفوذه وقدرته علي فرض ما يريده بالقوة وبسياسة الأمر الواقع. ومصر لن  تتحمل كل هذا العبء لأنها تعاني  بما يكفي وثقافة فرض الأمر الواقع بالذراع تحتاج الي سياسة فرض النظام بالقوة. ولو حدث هذا سندخل في غياهب ودهاليز المواجهات لفترات طويلة. ولكن علي الأقل يجب أن نضع حداً وخطا لسقف حقوق

الناس في ممارسة الحرية. ويجب أن نعترف جميعاً بأهمية مواجهة أي بلطجي يحمل سلاحا أو أي شخص يستعين بعصابة بلطجية لأي سبب.

أحداث ماسبيرو سيتم النظر اليها علي أنها حلقة أخري من حلقات الفتنة الطائفية. من بداية الأحداث خرجت بعض التفاصيل الخبرية لتحمل تعليقات شهود العيان قائلين مثلا ان بعض المجهولين ومن بينهم أشخاص ملتحون . هاجموا المعتصمين  وطبعا كلمة ملتحين معناها مسلمون متطرفون، رغم أن هناك الكثير من  الملتحين الذين ليس لهم علاقة بالاسلام. وأنا لا أدافع ولكن أحاول أن أضع بعض المنطق في التفكير. التعصب ليس من جانب المسلمين فقط، ولكنه ايضا من جانب الأقباط. وإذا كنا طوال سنوات نركز علي أسباب التطرف بين المسلمين كظاهرة ونتيجة لما تعرضوا له من اضطهاد علي مدي فترات طويلة، فيجب أيضا أن ننظر وأن نعترف أن الغضب الذي يملأ  صدور الكثير من أقباط مصر سببه ما تعرضوا له من اضطهاد. وبالتالي فاننا عندما نواجه بعضنا البعض نكون قد وجهنا هذا الغضب إلي صدورنا بدلا من أن نغير من الواقع نفسه..

هناك فعلا حقوق ضائعة للطرفين. ولكنها لن تعود بالقتل وخطف البنات أو حرق الكنائس. لقد نفضت مصر عن نفسها نظاما دمر ثقافتها وحياتها الاجتماعية وتقاليدها المجتمعية.. وبالتالي يكون ضمان استمرار التغيير الي الأفضل هو نحن. ومصر لم تتخلص من نظام شمولي ليخرج لها ألف فرعون جديد. لقد تخلصنا من الشمولية لنستنشق الحرية واحترام الرأي واعادة الحقوق. والذي نعيشه الآن هو استنشاق لغازات قنابل الدخان والمولوتوف ومن نحترمه هو من يحمل سيفا أو مسدسا ولم نعد حقه بل علي العكس بدأنا ننقد الكثير والكثير من الحقوق. وبعد أن كانت جهة واحدة هي سبب البلاوي أصبحت هناك عشرات الجهات التي تنتقص حقوق الناس كل يوم بدعوي انها تدافع عن حقوقها.. والأقوي هو الذي يسيطر وهو الذي يقوز... وماذا بعد!؟