كلمة أخيرة

بلد يقرر الانتحار

بقلم -محمد مصطفي شردي

 

أجلس كل مساء لأحاول أن أحصي عدد الاضرابات والازمات التي تمر بها مصر بعد ثورة يناير، وانا لا احصي عدد المظاهرات السياسية او المليونية التي تتم ايام الجمع لان التعبير عن الرأي أمر مطلوب ومقبول، ما احاول رصده هو الاضرابات العمالية واحداث الشغب غير المبرر، واصبحت عندي قناعة أن ما يحدث الآن في مصر هو ان البلد لديها رغبة عارمة في الانتحار، وان زمام الامور يفلت كل يوم وهذا يصعب من عملية اعادة السيطرة او البناء، وأعلم جيدا ان حالنا افضل من غيرنا ولكن حالنا لا يسر عدواً ولا حبيباً، ولو تفرغنا للحديث عن المستقبل ونشر ثقافة بكرة احلي من النهارة والجو جميل سنكون بذلك احد العوامل المساعدة علي سرعة الانهيار.

الحقيقة يا سادة هي ان الحالة زفت وهباب، الحقيقة يا سادة ان الانتاج متوقف والدولة تستدين والمستقبل شكله مش ولابد، واصبحت هناك ثقافة جديدة هي ثقافة القوة والامر الواقع، اعطيكم مثالا في اضرابات العمال في عدة شركات مختلفة انواع الانتاج، العمال يريدون مزيدا

من الحقوق ويريدون رفع رواتبهم، هذا من حقهم، ولكن المنطق يقول انتج واعمل حتي تحصل علي اجر، والمنطق ايضا يقول ان الاجر يكون قياساً علي حركة العرض والطلب، ومن حق رأس المال ان يبحث عن ارخص عمالة لو استطاع ليوفر ويزيد من الارباح، وهنا يأتي دور الدولة التي تحدد القواعد لتضمن حداً معقولاً للرواتب وحقوق العمل والعمال وبذلك تصبح المصلحة مشتركة والجميع يعمل، ولكن كل هذه القواعد اختفت في مصر في السنوات الماضية، وظل تأثيرها في اشهر ما بعد الثورة.

تخيلوا يا سادة ان مجموعة عمال في مصنع قطاع خاص قرروا الاضرابات لرفع رواتبهم.. فناقشتهم الادارة، ورفعت الرواتب ولكن العمال قرروا أيضا المطالبة بتغيير الادارة التي يعينها صاحب المال، والسبب هو ان المدير يقبض اكثر من العامل!! وان المدير وشه عكر مش علي مزاج العمال، ورفضت الادارة.. فاستمر الاضراب، والنتيجة ان المصنع

لا ينتج منذ اسابيع ورأس المال معطل وصاحبه قرر اغلاقه بالضبة والمفتاح، هذا المثال مع بعض الاختلاف تكرر عدة مرات في مصانع وفي مزارع وفي شركات، والمحصلة النهائية هي ان كل اصحاب المال اليوم يستعدون إما للرحيل أو اغلاق ابواب المصانع، لانه لا يوجد منطق في العالم اجمع يقول ان من حق العامل أن يدير وأن يأمر أو أن يستولي علي خط انتاج او مقر شركة فيمنع العمل، لا يوجد قانون في العالم اجمع ينص علي ان تحل القوة والبلطجة علي العقل والمنطق.

والعمال الذين خرجوا مجددا شعورهم بقوة صوتهم اضاعوا حقوق عمال آخرين.. والأهم أنهم طفشوا رأس المال ورجال الاعمال، وأصبحوا السبب الرئيسي في اغلاق الشركات واشهار الافلاس، لقد اصبحت البلطجة هي لغة الحوار، وللأسف فإن الدولة والشرطة والجيش لا يحاولون التدخل بحسم في هذه الازمات.. المحلة مليئة بالاضرابات.. الإسكندرية تعاني.. اسوان تصرخ .. القاهرة تجمد فيها العمل، لقد جاءت الثورة لاصلاح المنظومة بشكل جدي وجذري، واذا كانت هذه الجحافل التي زحفت الآن لا تستوعب اهمية الصبر حتي تنصلح الامور فإن مصر لن تقوم لها قائمة وستصبح الامور اكثر سوءاً عندما يهاجر رأس المال ويحجم أي مستثمر عن دخول هذا الفخ المنصوب له في مصر فنصبح دولة نجحت في الثورة وبعدها قررت الانتحار.. للأسف.