كلمة أخيرة

الاختبار الحقيقي

بقلم- محمد مصطفي شردي

 

الاختبار الحقيقي الأول للدكتور عصام شرف وزارته هو ما يحدث الآن في قنا.. صحيح ان الفترة الماضية لم تكن سهلة وصحيح ان الدكتور شرف يعمل فوق طاقته، ولكنه يفعل ذلك كله وكأنه يرقص فوق حقل ألغام، ولا يريد أن يلمس لغماً واحداً أو أن يبطل مفعوله الي الأبد. القضية هي أن أي سياسي وأي مسئول في أي منصب في العالم لا يستطيع أن يضمن حب كل الناس، ولا يمكن أبداً أن يخرج من منزله ليقف الناس يصفقون له. هناك علم اسمه »الرأي العام«، وأي سياسي مهمته أن يتابع نسبة شعبيته طبقاً للرأي العام، والشعبية تزيد وتنقص طبقاً للقضايا التي يشارك بها السياسي، والمهم هنا هو الاغلبية التي تؤيد أو تعارض. والدكتور شرف تعامل مع أزمة قنا بطريقة أشعلتها بداية من اختيار المحافظ ثم بعد ظهور بوادر اعتراض ثم بعد أن تحول الاعتراض الي عصيان مدني أوقف الحياة في مصر العليا بالكامل.

وأنا لا أقول إن ما فعله أهالي قنا أمر مقبول. فلا أحد يقبل أن يقوموا بقطع

الطرق والسكة الحديد لإصابة مصر بالشلل. وما كان يجب أن يحكموا علي محافظ قبل أن يسمعوا ـ علي الأقل ـ ما قد يقدمه هذا المحافظ لهم ليعالج عيوب من سبقه. والحكاية ليست كوتة مسيحيين... أبداً، لأن كلنا مصريون، ولو كان الأصلح لكل مناصب مصر بأكملها مصريين مسيحيين فأنا سأكون أول من يطالب بتوليهم هذه المناصب. ولكن أهل قنا عندهم تجربة تركت في النفوس قلقاً وتوتراً مع النظام السابق ومع الحكومة. فعندما تولي محافظ مسيحي المسئولية لم يقدم لهم ما كانوا يتوقعون لا للمسلمين ولا للاقباط، كان محافظاً خائفاً لا يتخذ قراراً حتي لا يقال انه أنصف مسيحياً ضد مسلم. وزاد في عهده التوتر الطائفي والمشاكل لدرجة ان الاقباط أنفسهم طالبوا برحيله وبعضهم الآن يطالب برحيل المحافظ الجديد. وكان يجب وضع الموقف السابق في الاعتبار علي الاقل مرحلياً.

والآن بعد أن وقعت »الفاس في

الراس« أصبح علي الدكتور شرف أن يتحرك وأن يكون هو في مقدمة الصورة لحل المشكلة وأن يكون قراره حازماً.. وأن يتحمل تبعياته وآثاره، وهذا ليس ارهاباً للدكتور بل هذا هو دوره الحقيقي كرئيس للوزراء لأن الموقف الآن أصبح هيبة حكومة ودولة أمام رغبة مواطنين واصرار شعب. وبالتالي لو أن الدكتور شرف قام بتغيير محافظ قنا الجديد ستكرر هذه المأساة في عدة محافظات... وستصبح موضة عند أي جهة سواء عن حق أو غير حق. أما لو أصرت الحكومة علي موقفها فإن المسألة بالنسبة لاهالي قنا ستصبح عنداً ضد النظام. وما ادراك بأبعاد هذا العناد.

الموقف لا يمكن حله بإرضاء جميع الاطراف. ولا يمكن توفيقه بسهولة. وأصبح علي طرف أن يتنازل للآخر... وأن يتحمل علي كرامته هذا التنازل... والمرجعية الاولي هنا هي مصلحة البلد ومصلحة الشعب وليس كرامة الحكومة، رغم انها أيضاً من كرامة البلد. اذا أردنا أن تتحرك مصر فيجب أن يعلم الجميع ان هذا التحرك لن يرضي جميع الاطراف أبداً... ولكنه مطلوب لأن الحكومة مطالبة بالعمل وهي ليست حكومة تطييب الخواطر... وأرجو من أهل قنا بعد أن وصلت رسالتهم بقوة أن ينظروا الي أبعد من هذه الازمة... وبهدوء. وأن يعلموا ان اصابة مصر بالشلل وقطع الطرق ليس حلاً لمشكلة بل هو زيادة لها... نحن نعيش اختباراً حقيقياً للشعب وللحكومة.