كلمة أخيرة

عودة إلى القلم

بقلم - محمد مصطفى شردى

أصعب قرار يمكن أن يتخذه أى كاتب مقال هو أن يتوقف عن الكتابة اليومية لأى سبب. فى الفترة الأخيرة توقفت عن كتابة »كلمة أخيرة« فى أطول انقطاع منذ بدأت الكتابة اليومية. كان السبب الأول هو الانشغال بانتخابات مجلس الشعب فى نهاية نوفمبر. وانتهت الانتخابات. ولم أجد نفسى قادراً على الكتابة مرة أخرى، انتابتنى حالة من »القرف العام«. أعترف لكم أنها طالت بعض الشىء... ولكن الابتعاد والهدوء يكون أحياناً أفضل. معظم المقالات التى كان يمكن أن أكتبها فى تلك الفترة كانت ستخرج عن نطاق وإطار الأدب الصحفى... والأدب العام. وهى نتيجة أعتقد أنها طبيعية لو أردنا أن نعلق على ما شهدته مصر فى الانتخابات الأخيرة أو بعدها. وبما أن المسألة كانت تحمل شبهة شخصية فالأفضل هنا أحياناً أن نصمت لإعادة ترتيب الأوراق... استراحة دامت قرابة شهرين.

فى الطائرة التى غادرت القاهرة منتصف ديسمبر قررت أن تكون الصحف التى أحملها هى آخر صحف مصرية أقرأها لمدة شهر كامل. ولكن وبعد يوم

واحد وجدتنى أتابع ما يحدث فى مصر عبر الإنترنت والفضائيات.  هزتنى أخبار كثيرة وأغضبتنى أخبار أخرى... ثم أحزننى خبر وفاة أستاذنا سعيد عبدالخالق رئىس تحرير الوفد بعد إصابته بأزمة قلبية. وعندما وصلنى الخبر عبر الهاتف استغرقت فى رحلة ذكريات طويلة عادت بى إلى بدايات إصدار جريدة الوفد وإلى كتيبة مصطفى شردى رحمه الله التى ظهرت لتحمل لواء الدفاع عن الحريات والحقوق فى مصر. وسعيد عبدالخالق أحد أعمدة تلك المجموعة... لو أردت فى تلك الفترة أن تعلم ماذا يحدث فى مصر كان سعيد عبدالخالق هو المصدر الأول الذى تصب عنده كل المعلومات وهو صاحب القلم الذى قدم أول باب إخبارى دوَّخ الحكومة هو باب »العصفورة«.

فى تلك الفترة كانت كل أخبار الحكومة والنظام ممنوعة تقريباً من النشر، ولكن سعيد عبدالخالق كان يقدم »العصفورة« كل أسبوع لتحمل عشرات

الأخبار التى يصلح معظمها للصفحة الأولى كعناوين رئيسية. وتحولت العصفورة وكاتبها إلى العدو الأول لحكومات الحزب الوطنى المتعاقبة بعد ذلك. كان صحفياً ماهراً ودفع ثمن هذه المهارة فى ذلك الوقت. ويبدو أن الرحيل بهذا الشكل المفاجئ وبأزمات قلبية هو سمة فى الوفد.... صعب أن يتحمل قلب إنسان ما نعانيه فى عالم الصحافة. لقد عاصرت كل تاريخ هذه الصحيفة. واقتربت كثيراً من سعيد عبدالخالق فى أوقات صعبة شهدتها الصحيفة وعاشها الحزب، رحمه الله قدر ما أعطى وبذل من جهد. ورحمنا نحن أيضاً مما نراه ونعيشه فى هذه الأيام.

وتوالت الأحداث الداخلية والخارجية... والتى كان آخرها ما جرى فى تونس.. وما أروع ما جرى فى تونس. وها هو القلم الآن يعاود انطلاقه على الورق الأبيض. هذه هى العلاقة التى تربط أى كاتب وصحفى بالمجتمع والناس. وما تمر به مصر حالياً والعالم العربى يحتاج أن نعلق عليه بكل صراحة. والصراحة ستغضب الكثيرين، ولكنها وبالتأكيد مطلوبة فى هذا الوقت وهذا الزمن الخطير، أصبحنا نتوه فى كلام وتصريحات إلى درجة أن الواقع اختلط بالكثير من الأكاذيب.... وعندما تزيد الأكاذيب تخنق المجتمع والناس. فليغضب من يغضب... مصر الآن أهم من الجميع والدفاع عنها وعن شعبها وعن حقوقها مهمة قومية أكثر أهمية من أى فترة سابقة..