رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

لماذا يتحدث جودت الملط عن الفساد الآن ؟!.

محمد عبدالحميد

الاثنين, 21 مارس 2011 13:41
بقلم- محمد عبد الحميد:

الجهاز المركزي للمحاسبات ككيان رقابي ليس كيانا فريدا واختراعا مصريا خالصا كما يظن الكثير من البسطاء ولكنه مثل كل الكيانات الرقابية المالية التي تراقب عمل المؤسسات العامة الموجودة بأي دولة في العالم ولكن قصة هذا الجهاز مختلفة تماما. فالجهاز المصري تم تشويهه على مدار الأعوام السابقة وإضعافه حتي وصل به الحال أن يتولي رئاسته رجل نظيف اليد – على حد علمي – ولكنه وللأسف الرجل غير المناسب في المكان غير المناسب. فلو بحثنا في الكيانات المماثلة بالدول المتقدمة في العمليات الرقابية وأهمها الولايات المتحدة الأمريكية فإنه من المستحيل أن تجد رجلا من خارج مهنة المحاسبة والمراجعة يتولي رئاسة هذا الجهاز، وليس هذا فحسب بل لابد أن يكون مؤهلا تأهيلا علميا ومهنيا، لكن الوضع في مصر فإن وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب تعد من أهم السمات والعلامات المميزة لكل ما هو مصري خلال السنوات الماضية.

أما عن كيفية إضعاف الجهاز فكان على محورين الأول: وهو تعديل القانون الخاص به وهو القانون 144 لسنة 1988 المعدل بقانون 157 لسنة 1998 ليكون تابعا لرئيس الجمهورية أي أن الجهة الرقابية التي تراقب عمل السلطة التنفيذية تابعة لرئيس هذه السلطة وهذا نوع من تضارب المصالح. أما المحور الثاني وهو الإضعاف المهني للجهاز والذي كان يضم في وقت من الأوقات العديد من كبار الأشخاص في الرقابة المالية واتجهوا للعمل الخاص مثل مصطفي شوقي وحازم حسن وغيرهم من الأسماء الكبيرة. كثيرا ما قابلت أشخاصا نابهين وذوي قدرات كبيرة ومهنية عالية تركوا الجهاز المركزي لأسباب مختلفة. بعضهم يبحث عن الدخل الأفضل والمهنية المفقودة وبالتالي لم يبق في الجهاز من يؤسس ويدرب ويثقل المهنية لدي الملتحقين بالجهاز وإن كان منهم من هم أصحاب ضمائر متيقظة وبعض المهنية ويمارسون عملهم بحماس ويقومون بإعداد التقارير القوية والملاحظات الخطيرة التي يتم إزالتها من تقاريرهم لتظهر بعد ذلك هذه التقارير مستأنسة منقحة من أهم ملاحظاتها إلا أن ضعف المهنية لدي البعض وهم ليسوا قليلين يؤثر بالطبع ودون شك على كفاءة العمل والعديد من الأخطاء المقصودة وغير المقصودة قد لاتظهر.

لا أنكر أن هناك بعض التقارير تخرج بها بعض الملاحظات الهامة لإظهار أن مصر بها نظام رقابي موثوق

فيه وأن أموال الشعب عليها رقيب يظهر في مجلس الشعب يهاجم الحكومة ويظهر قوة هذا الجهاز الذي لا يتواني عن كشف الحقائق.  أما السؤال الذي يردده الكثيرون عن شخص السيد المستشار جودت وهل هو "لاطط أم ملطوط؟!"، فنري أنه رجل نظيف اليد ولا أظن أنه تقاضي أي مقابل لإخفاء أو تزيين أو تنقيح تقارير الجهاز .وضع الرجل لا يغني عن التساؤل هل كان النظام السابق سيصبر على هذا الرجل أو الجهاز ككل إذا كان مقلقا له وفاضحا لأخطائه وعيوبه كل هذه السنين التي تجاوزت الإثني عشر عاما. قبل الإجابة  على التساؤل لا ننسي أن النظام كان لا يقبل أن تكشف عوراته وتفضح أسراره في سر أو علانية، والدليل على ذلك أننا كنا نسمع دوما عن مصائب وملفات تفتح بعيدا عن الجهاز في حياة عين النظام السابق وتكون نفس هذه الملفات مخبأة في أدراج أحد موظفي الجهاز يموت كمدا على مجهوده وعمله المخزن بالأدراج، في حين يفجره أحد الصحفيين أصحاب المصادر الغاضبة داخل المؤسسات والمصالح الحكومية، وأكبر دليل على ما سبق هم أهل الجهاز أنفسهم ممن تظاهروا منذ أيام مطالبين بعزل الرجل لنفس الأسباب المذكورة.

خلال الأسابيع الأربعة المنصرمة تفجرت ينابيع الجهاز وأخرجت الملفات القديمة غير المنقحة التي تفضح وتسقط أوراق التوت عن عورات النظام السابق، مما يثير تساؤلا مثيرا. فلو أن الدكتور الملط كان يتم عمله بتقديم هذه التقارير لرئيس الجمهورية والذي لم يحرك ساكنا بشأنها، فقانون الجهاز ينص في مادته الأولي تعاون مجلس الشعب ﻓﻰ ﺍﻟﻘﻴﺎﻡ ﺒﻤﻬﺎﻤﺔ ﻓﻰ ﺍﻟﺭﻗﺎﺒﺔ على  أموال الدولة، وإذا كنت أديت ما عليك طبقا لذلك ولم يحرك ذلك شيئا أيضا فأنا أظن أنه كان عليك التوجه للنائب العام باستقالتك مصحوبة بالتقارير التي يتضح لنا منها أنها جنايات وليست مخالفات مالية.

أما عن احتكاكي الشخصي بهذا الجهاز فكان احتكاكا مهنيا وقع في أحد المؤسسات  العريقة والتي يعرفها كل المواطنين مثلما

يعرف أهرام الجيزة والتي رأيت فيها من الاختراعات المهنية في مجال المحاسبة ما لم تره عين بشر . لا أظن أن علم المحاسبة سيشهد يوما ما رأيته أثناء مراجعتي للموقف المالي لهذه  المؤسسة التي يشار إليها بالبنان. أستطيع أن أجد أعذارا للعاملين بإدارات الحسابات بهذه المؤسسة لجهلهم وأخطائهم المهنية الخطيرة، إلا أن ما لا أستطيع أن أغفره نسيان موظفي الجهاز المركزي لدورهم المنوط بهم وفقا للقانون، والذين تحولوا إلي موظفين بحكم فترة عملهم الطويلة في نفس المكان  إلى شهود صامتين على الفساد، وهو ما يخالف أحد أهم معايير المراجعة وهو التناوب والتدوير (Rotation). فليس من المنطقي أن يظل المراجع الرقيب في نفس المكان طول حياته حتي تتوطد علاقاته مع العاملين بالمكان الذي يقوم بمراجعته ويحدث نوعا من التوافق والاتفاقات الضمنية واعتياده على وجود الرقيب. وأظن أن مرتبات العاملين بالجهاز يتم تحويلها لهم على المؤسسة محل المراجعة مما يعطيهم شعورا بأنهم جزء من الكيان وتخرج تقاريرهم لسد الخانات ووضع العديد من الصفحات التي تحمل العديد من الملاحظات الواهية والتي لاتغني ولا تسمن من جوع.

أكثر ما أثار حنقي من هذه التقاريرعندما شاهدت في نفس المؤسسة تقريرا للجهاز المركزي به ملحوظة عن مبلغ لا يتعدي خمسة أرقام إلا أننا أثناء فحصنا تفاجأنا بمبالغ مستحقة لإحدي الجهات السيادية قيمتها تتعدي 2,5 مليار جنيه من أموال الشعب غير مسجلة بالدفاتر. ويعلم غير المتخصصين أن القيام بتسجيل هذه المديونية يتطلب تسجيلها كخسائر في نفس الوقت ، بينما لم يذكر  الجهاز شيئا عن تلك المديونية المليارية على الإطلاق. الغريب في الأمر أن هذه المؤسسة توزع الأرباح والمنح والمكافآت استنادا إلي أن وضعها المالي جيد وهو أمر غير حقيقي. فظهور حقيقة القوائم المالية على أنها تعاني من خسائر متراكمة كان سيحد من هذه التوزيعات السخية ،وهو ما لم ترده إدارة المؤسسة ولم يذكره تقرير الجهاز مع العلم بأن هذه الملاحظة ليست يتيمة بل لها العديد من الأخوات.

وأخيرا فقد استثارتني بشدة المكالمة الهاتفية التي أجراها السيد المستشار مع إحدى القنوات الخاصة والتي تحدث فيها عن نظافة يده وعدم تربحه وعدم تقاضيه أية أموال بغير حق، وهو ما لا أنكره ولا أعلم شيئا عن تلوث يديه بالمال المشبوه إلا أنني تنبهت من كلامه أنه كرئيس لهذا الجهاز الرقابي الكبير يتقاضي شهريا عشرة آلاف جنيه.  ويعد هذا المبلغ زهيدا جدا لمنصب رجل بهذه الحيثية ويرأس جهازا خطيرا في الدولة، مما أعطاني مؤشرا علي أن سياسة الدولة لإضعاف الجهاز استند علي ضعف رواتب العاملين به بشدة بما يؤدي لعزوف المهنيين ذوي السير الذاتية الممتازة عن العمل بهذا الجهاز الرقابي. وهذا الضعف وراء  هروب العاملين المميزين للعمل بمكاتب المراجعة الخاصة والتي يتقاضي العامل بها مثل مرتب رئيس الجهاز بعد 5 سنوات تقريبا من الخبرة.