رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الادارة

د.عبد السند يمامة

رئيس مجلس الإدارة

رئيس التحرير

سامي صبري

قناة "الجزيرة"....البديل الفضائي للثورات!!.(2-3)

بقلم - عـــادل دنــدراوي

خلصت الرؤية التي طرحناها في المقالة السابقة الى أن الدور الذي لعبته قناة "الجزيرة" في أحداث "ميدان التحرير" الأخيرة غير الدور الذي لعبته في أحداث ثورة 25 يناير بما يمكن القول انها سحبت من رصيدها لدى الشعب المصري وهو ما أثر بشكل مباشر على نجاح تغطيتها الاعلامية وسلامة رسالتها الاعلامية وإن حاولت.

واتسمت رسالتها بارتكاب أخطاء مهنية كانت في رأيي موجهة من"الغرفة والمركزية" في الدوحة، في بدايتها، فتأثر بها المراسلون في القاهرة خاصة في الأيام الثلاث الأولى بعد "الاستعراض الجماهيري" لانصار حازم صلاح أبو اسماعيل أحد قيادات التيار السلفي، والمرشح المحتمل لانتخابات الرئاسة، وهو التجميع غير اللازم، والذي تبعته الأحداث المشؤومة وعادت بنا الى المربع الاول من العهد الأمني البائد، وسط أخطاء  متبادلة و"كمائن" وقع فيها المتظاهرون والمعتصمون، ويد الأمن الباطشة، وطالماغابت عنها لغة الحوار، ذلك الوعاء الأصلي للديموقراطية. وكان في المقابل الناشطون الوهميون المتصيدون يتسولون كاميرات الفاضائيات وأهمها "الجزيرة" أو"العربية" أوBBC عربي أو حتى الانجليزية، وصدروا لنا "أبطالاً من ورق"، بينما تعفف المتظاهرون الحقيقيون كعادة الثورات الجادة، وهي ثورة شعب وهي ليست لتيار بعينه ولا شباب ولا رجال ولا نساء يشار إليهم وحدهم.
وإذا كانت قناة "الجزيرة" قد ارتدت ثوب "البديل الفضائي للثورات"، فانها استندت الى معايير إعلامية خاصة بها ومنظومة اقتصادية داعمة لا تقف عند حدود أو سقف مالي، قد يعيق أن تكون الذراع السياسي وليس الاعلامي فقط، لدولة قطر، وهو أمر مشروع في كل الاحوال، بصرف النظر عن الثوب الذي ترتديه قطر أو المجال الفضائي والبشري "الخطر"، الذي تسبح فيه "الجزيرة"، حتى لتشعر أحياناً بأنك تحلم مع الدولة بإيحاء  ارتداءها "ثوب الأسد"، الذي تتمناه، وبأن تكبر فعلاً، تماماً مثل سلاحها العابر للحدود "الجزيرة"، فتشعر أحياناً بضرورة مشاهدتها ومتابعتها، وكثيراً بأنك قد أضعت وقتك فعلاً أمامها، وآذيت عينيك وأذنيك.
ولعل المعايير الاعلامية المزدوجة لقناة "الجزيرة" من أهم سقطاتها غير الخافية على الرأي العام، إضافة الى السلوك الخاص الذي تضفيه على مذيعيها ومراسليها، ومعديها  فينكشف لك على الفور الخطاب العاطفي، وإن لقي استحساناً في بعض الاحيان، لكنه لا يلبث أن يكشف عن دور سياسي خفي يراد له أن يتوسع ويتوغل بأساليب وتوجهات تتركز أغلب شروطها في مديري المكاتب بمواصفات خاصة مطلوبة بعيداً عن إحترافيته من عدمها، إضافة الى عدد من العناصر الاعلامية وليس كلهم ليكون له دوراً ""خاصاً" أقرب إلى الدور المخابراتي منه الى الدور الاعلامي وهو ليس موضوعنا الذي نحن بصدده.
قناة "الجزيرة" غطت أحداث ثورة 25 يناير بما يقارب الـ 20 ساعة يومياً خلال  الـ18 يوماُ في يناير وفبراير وحتى إعلان تنحي مبارك، وكانت ذراعاً إعلامياً قوياً مع بقية القنوات وتفاوت التميز فيما بينها، ونجحت "الجزيرة" في أن تكون مسانداً قوياُ بصرف النظر عن "الهوى" الذي صادف أهله، لأن الشعب كان يريد فعلاً اسقاط النظام!!. وكان على الجانب الآخر رغبة دولية في تغيير أنظمة أصابت الزمن والناس بالسأم، وبلغ الفساد من المصريين مبلغه، حتى أنتج لنا "مناخات" تحتاج الى سنوات لإعادة تأهيلها.
في الثورة التونسية لم تحتج قناة "الجزيرة" الى مجهود كبير فقد كان التمدد الاخباري أفقياً من حالة الغضب الشعب وتزايد البطالة بين الشباب وإحراق الشاب محمد بوعزيزي لنفسه، وتزايد حدة المظاهرات الغاضبة وتعامل الأمن بقسوة على مدى عقود، ثم جاء هروب زين العابدين بن علي، على نحو مفاجئ يكشف "هشاشة تلك القوى الاستبدادية الحاكمة"، "ليحول المشهد الى تمدد إخباري رأسي دون أن تقوم "الجزيرة" بمجهود إثارة الشعب والرأي العام العربي إلا بعد هروب زين العابدين، الذي وفر على الجميع وقتاً وثورة كانت يمكن أن تطول.
ولكن ذلك الخيط الرفيع في تونس كان له إمتداد مواز ولم يلحظه أحد إلا القارئين عن قرب للمشهد المصري آلا وهو اضرابات الموظفين في وزارة التعليم العالي ضد قرارات الوزير أحمد ذكي بدر وتصاعدها في مع بداية يناير2011 لدرجة حرمانهم الوزير من دخول مكتبه، وقبلها مظاهرات التأمين الصحي وموظفو التأمينات في ديسمبر 2011 لدرجة لم يستطع معها الأمن التي تعامل بقوة وظهرت خلالها تصريحات "نائب الرصاص" الذي دعا الى إطلاق الرصاص الحي ضد المتظاهرين، وقبلها بعامين مظاهرات مشابهه، إضافة الى مظاهرات الصحفيين الأحرار وليس "المدجنين"، المستمرة ومظاهرات المحامين، وقبل هذا وذاك مظاهرات المحلة التي كانت بداية الشرارة، ويحوي كذلك حالة الاحتقان لدى الواطن المصري وهو ما يعني أن الارضية كانت خصبة لأي ثورة في مصر.
ولكن الثورة المصرية أغرت "الجزيرة" لأن تكون "الوكيل الحصري" لاسقاط مبارك بتعاطفها مع الشعب فكانت التغطية مع باقي الفضائيات و18 يوماً تصدر المشهد المصري ساعات الارسال للفضائيات الدولية إلى أن تنحى مبارك، وسال لعاب "الجزيرة" لتبحث عن الزعيم القادم لتسقطه، بالتوازي مع السياسية القطرية الراغبة في "اللعب مع الكبار" والتنسيق معها متى وجدت بذرة ولو ضيئلة للمغامرة، فجاءتها الثورة اليمنية إلا أن الحسابات الخليجية والاقليمية والطائفية في اليمن والخوف من التقسيم، ، من الخطورة بحيث يباركها الجميع، ورغم الشهور الطويلة واللهاث الاعلامي واللغة الثورية من "الجزيرة" و"العربية"، إلا أن الثورة توقفت رغم تقديمها مئات الشهداء، كما أن علي عبد الله صالح لم يسقط على النحو الذي أمله المتظاهرون اليمنيون أو علتى النحو الذي ركضت وراءه "الجزيرة" وخضع للحل الذي هو قدمه بنفسه في بدايةالأزمة ورفضها الثوار آنذاك، ثم جرت الأيام ليكون الحل الأخير بمصالحة سعودية، والآن يلهث المتظاهرون "والجزيرة" لمحاكمة صالح.
أما الذي حدث في ليبيا أن شهوة "الجزيرة" كانت "ملكية أكثر من الملك"، أي أنها كانت

مفجرة الثورة قبل أن تكون حقيقة شعبيةعلى الأرض، بالتوازي مع رغبة أقليمية وخليجية ودولية وانتقامية لاسقاط معمر القذافي، الذي أوجد أرضية خصبة للرأي العام العربي، بسياسته المختلة البعيدة عن العقلانية وورثها أبناؤه خاصة سيف الاسلام، ولم يقرأ الأحداث جيداً حتى مع تصاعدها بتصريحاته ودخول حلف شمال الاطلسي "الناتو".
ورأينا كما رأى العالم  تسليحاً ثقيلاً لقوى ليبية وغير ليبية، لم يسمع أحد عن نضالها ضد القذافي من قبل، الى أن وقع القذافي في مشاهد نهايته ألحقت "العار" بالثورة الليبية المسلحة، وشوهت صورة العالم الاسلامي وحركاته التحررية، وتبرير أنه فعل ما فعل، لا تعني أن نكون شعوباً متوحشة لدرجة اللاآدمية واللاانسانية، ولدرجة "الاستمتاع" برؤية جثة متحللة وتصويرها، فكتبت للرجل تعاطفاً أكثر مما كتبت للمسلحين بأيدي خارجية إنتصاراً، وحرمت "رصاص المخابرات" الخارجية التي قتلته، الليبيين أنفسهم من محاكمة عادلة للقذافي، فيها تاريخ وأسرار لا حصر لها عن بلدهم ووطنهم وأموالهم.
ولكن قناة" الجزيرة" وفي خضم التسابق المجنون لاسقاط القذافي ارتكبت العديد من الأخطاء خلال الأحداث، منها الاعلان المتسرع عن سقوط مدن لم تسقط فعلا أو أعتقال القذافي ولم يكن قد عتقل أو القبض على أحد من أبناءه ولم يحدث فعلاً، وكانت أخبار مخابراتية أكثر منها معلومات إخبارية، الى أن سقط الرجل ولكن المستغرب آلا تحاول "الجزيرة" ولو من قبيل الامانة الاعلامية والضمير الأخلاقي أن تكشف القناع عن كم التدمير الهائل الذي فعلته قوات "الناتو" في المدن الليبية وكم الضحايا الذين سقطوا بالقصف العشوائي.
وفي الثورة السورية تلعب "الجزيرة" دوراً جيداً بغرض فضح النظام، الذي يقتل شعبه ببشاعه ودون خجل، ويتستر في عجزه وراء مزاعم قوى الشبيحة التي باتت فجأة تحكم البلاد، وهي مزاعم لم تعد تنطلي إلا على الأنظمة الأشد استبداداً في مساندتها للرئيس بشار الأسد.
ولخص السوريون في شعاراتهم التي يحملونها، ثلاثة أسباب تخيف الأنظمة الاستبدادية هي "الفيسبوك" و"يوم الجمعة" و"قناة الجزيرة"، ومعهم في ذلك حق، حيث تلعب فعلاً في سوريا "البديل الفضائي للثورات"، لأن النظام يفرض التعتيم الاعلامي، وليس أمامهم إلا أنظمة التواصل الاجتماعي، ولذا بالتنسيق مع "الجزيرة" فقط يظهر للمشاهد في كل الرسائل والمظاهرات السورية لوحة بها تاريخ اليوم ومكان المظاهرات، حتى لا تتهم بأنها تبث مشاهد غير حقيقية. وأصبح السوريون يراهنون على أنفسهم، وسط حالة الوهن الدولية لوقف العنف وإجبار النظام على كشف الحقائق، ولم يعد بوسعهم إلا مقاومة النظام المستبد بالغناء، حتى أصبح الأسد يتخبط في تصريحاته ويرمي بحججه الواهية بعدما اقتربت المقصلة حول رقبته.
المذيعون والمراسلون بل والمعدون في قناة "الجزيرة"، وصراعها من أجل البقاء، أغلبهم وليس كلهم، أصبحوا يتماهون مع الولاء للشاشة حتى إذا تعارض مع ما يحدث على الواقع أو قناعتهم الشخصية أو مع الاتساق مع النفس وهو ما يولد شعوراً هائلاً بمخالفة الضمير ووالوقوف لحساب الذات، حيث يخرج فيه المذيع أو المراسل وكأنه أحد أسلحة الثوار أو المسلحين، إلا أن البعض منهم قد يحاول الهروب من تحكم "الغرفة المركزية" ليبعث بتقرير أكثر إعتدالاً عما سبقه.
وهكذا يستمر الصراع مع الذات للكثيرين بسؤال واحد: هل يمكنه أن يكون ثائراً إعلامياً متى شاء؟ بمعني هل تكون التغطية بنفس القوة إذا وقعت أحداث مماثلة داخلية في قطر مثلاً؟!، بل رأينا أن التغطية في البحربين جاءت على استحياء لحسابات خليجية وطائفية وغيرها!! وهو ما يفسر أن "الوعاء" الاعلامي لا يريد إلا أن ينضح بما فيه، وأحيانا بما ليس فيه، وهذا ليس سبة ولا انتقاداً، لأنه ببساطة "ساحر إعلامي"، وعلى من يريد أن يلعب فيه أو يكون بهلواناً فليلعب أو يشترك أو يتواطأ أو يتفرج أو يبتعد أو يهرب أو يزأر مع نفسه أو ضدها!!.