رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

بيان دم.. تونسي

محمد طعيمه

السبت, 15 يناير 2011 09:23
محمد طعيمة

في خطابه الثالث منذ بدء انتفاضة "الخضراء"، تعهد الرئيس "المخلوع" زين العابدين بن علي بحزمة إصلاحات. تعهدات كذبتها دماء تونسية سالت على أيدي نظامه.

أثناء الخطاب وبعده، وخلافاً لتعهد بن علي، طارد الرصاص المحتجين ليستمر سقوط الشهداء. صباح الجمعة، احتشد الآلاف أمام مقر الداخلية مطالبين برحيله، متناغمين مع مظاهرات غطت تونس كلها تمزق صوره وتردد: "اعتصام اعتصام.. حتى يسقط النظام".. "تونس حرة.. بن على بره"، في حماية/ حياد الجيش.

قبل خطابه بيوم واحد تناثرت إشاعات عن انقلاب أطاح به، لكنه نفاها عملياً بإعلانه عزل وزير الداخلية. طوال الأربعاء الماضي تواترت الروايات مُجمعة على أنه "بعدما عبّر رئيس هيئة أركان الجيش الفريق أول رشيد عمار عن تحفظه عن القبضة الحديدية التي تُعالَج بها الأزمة، خيّر بن علي رجله العسكري الأول بين مشاركة الشرطة في قمع المتظاهرين بالرصاص أو الإقالة، فاختار الخيار الثاني.. ليحل محله زميله أحمد شبير".

مع (شبير) لم يختلف أداء الجيش الذي نزل الشارع قبل إقالة عمار بيومين. الثلاثاء في محافظة سيدي بوزيد، حيث تفجرت أولى موجات الغضب، نقلت وكالات الأنباء أن جنود الجيش صوبوا رشاشاتهم نحو رجال الشرطة، حين ركض مواطنون نحو شاحنات الجيش للاحتماء بها من مطاردات عناصر (النسور السود) المشهورة بوحشيتها في "مكافحة الشغب". وتروي الأخبار اللبنانية: استقبل الأهالي الجيش بالزغاريد حين رأوه يقف في صفهم. والخميس تورد الجزيرة عن شهود عيان أن المظاهرات كانت تمر في صفاقس أمام وحدات الجيش وتهتف

"بالروح والدم.. نحميك يا جيش"، ثم تواصل مسيرتها، وامتلأ اليوتيوب بفيديوهات تلتقط وقوف عناصر الجيش بين الشرطة والمتظاهرين.. لحمايتهم، وعلى (الجزيرة) رأينا، الجمعة، قبلات متبادلة بين متظاهرين وجنود الجيش.

مع تجفيف حوض السياسة، وفق تعبير الأستاذ (هيكل)، انحصرت أطراف اللعبة العربية في: 1 ـ أنظمة تزاوج فيها الفساد مع "النهبمالية".. مدعومة بعصى أمنية باطشة. 2 ـ جيوش.. مُحملة بآمال الإنقاذ. 3 ـ مخزون غضب شعبي.. لا يعرف أحد ماهية "القشة" التي ستفجره، فالغضب التونسي فجره "قلم" على وجه جامعي عاطل، ولم تسبق فيضانه أية مؤشرات.

في تونس رفع متظاهرون رغيف فينو "محترم".. تعبيراً عن الجوع، وتبدو "هيئة" المحتجين العامة أفضل بمراحل من أوضاع معظم المصريين. في تونس أرقام فساد وفقر أقل بكثير، ووحشية شرطة أقل مع "الناس العاديين"، ومستويات تعليم ومعيشة وخدمات أفضل بكثير. لكن الغضب حين تفجر جرف كل شيء أمامه، خاصة مشروعات "بارونات الفساد"، وفي قلبها مشروعات عائلة الرئيس.

"قلة مندسة".. تخرب وتحرق، قالها بن علي منذ خطابه الأول. تعبير متواتر تردده كل الأنظمة العربية، كشف حقيقتها شاهد من أهلها، فهي أتت من داخل النظام الحاكم نفسه.. كما أكد كامل مرجان وزير الخارجية التونسي "المُعلقة" استقالته. تحدث الوزير الذي ربط استمراره بحكومة وحدة وطنية وبانتخابات مبكرة،

عن مخطط حكومي مُسبق لحالات نهب.. لتشويه وحرف أي احتجاجات متوقعة. وروى شهود عيان لـ(الجزيرة وبي.بي.سي) عن عناصر تأتي في سيارات، يُرجح أنها من الحزب الحاكم، و"تندس" بين المتظاهرين لتحويل تحركاتهم إلى حرق ونهب، وعن "قناصة"، من الشرطة ومن الحزب، تطارد المحتجين برصاصات قاتلة.

نحو حريتها.. قدمت تونس، شعباً ودولة، ما يسمى في الثقافة العسكرية بـ"بيان على المُعلم". مُعلم يُبين عملياً لجنوده كيف يتصرفون مع موقف معين. بيان المُعلم التونسي للشعوب العربية، تمخض بدماء 90 شهيداً وأكثر من ألف جريح، وبرماد أقسام الشرطة ومقار الأجهزة الرسمية وحزب السلطة. مساء الجمعة غرقت الدولة في حالة فوضى عارمة، لم تعد تجدي معها تراجعات بن علي. أعلن الجيش حالة الطوارئ.. مجبراً بن علي على مغادرة البلاد.

لا أحد يعلم متى تأتي "القشة" التي تضم روافد الغضب المصري في نهر يجرف خلايا سرطانية تأكل البلد، لكني أكاد أنطق باسم "مُحرك" القلة المُندسة التي سيسربها اللانظام الحاكم بين أمواج غضبنا القادمة.

في تونس بقيت نقاط مياه في حوض السياسة، دفعت الاتحاد العام للشغل لأن ينضم للانتفاضة في ثالث أيامها.. وأن يضبط إيقاع بعضها. ولنشطاء المعارضة والمثقفين.. والمحامين خاصة، بتشكيل لجان شعبية تتعاون مع الجيش في وقف النهب وتنظيم أحيائهم التي انسحبت منها الشرطة.

عناصر القلة المُندسة في تونس.. هي هي في مصر، تحالف الفساد والنهبمالية وعصاهما الأمنية. في القاهرة سيكون الدرس أوجع.. ستُسفك دماء أكثر. فخلافاً لتونس، نحن غارقون في احتقان طائفي واجتماعي. مهددون من ميليشيات بلطجة رباها اللاحزب الحاكم وجهازه الأمني المُنفلت، ممن أفقرهم وشوههم طوال 30 عاماً. بيننا ملايين المحرومين في العشوائيات، ومئات الآلاف من أطفال وشباب الشوارع. هؤلاء من سيحركهم "مُنظم" القلة المندسة.. "وسط" الغضب الآتي.

لم يذهب بيان الدم التونسي الموجع هدراً.. كسر القيد وفتح أفق أفضل للوطن. فهل ننتظر نهر دماء مصري.. ليُفتح مطار القاهرة للمغادرة.