شماعة الفشل.."الاخوانجية" و"القلة المندسة" !

محمد جمال عرفة

الخميس, 27 يناير 2011 12:27
محمد جمال عرفة

قبل أن يهرب الرئيس (ابن علي) من تونس نقل عنه سفيره في اليونسكو تبريره لضرب المتظاهرين بالرصاص بقوله أنه يفعل هذا حتي لا يصل"الإخوانجية" إلى السلطة في تونس، في إشارة إلى حركة النهضة الإسلامية بزعامة الشيخ راشد الغنوشي ، مع أن هؤلاء "الاخوانجية" – بلغة بن علي – كانوا في السجون وقت إندلاع الثورة الشعبية !

وعندما حاول مسئولون أمنيون وصحف حكومية عندنا تبرير تصاعد المظاهرات في مصر والفشل في منع المظاهرات التي خرج فيها شبان مصريون (خام وليسوا مصنفين سياسيا) لم يتظاهروا من قبل ، إلا بعدما يئسوا من اصلاح أحوال بلادهم، انهالت الاتهامات تتهم (الاخوانجية) و(قلة مندسّة) من حركات كفاية و6 أبريل وغيرهم بـ (الاندساس) بين الموطنين ورفع مطالب سياسية بعد أن كانت الشعارات اجتماعية واقتصادية !

بيانات متتالية من مسئولين أمنيين و"موظفين" يعملون في برامج التلفزيون المصري بدرجة (مذيعين) ورؤساء تحرير صحف حكومية تكسف، خرجوا بمانشيتات بعد يوم الغضب تقول (احتجاجات ضخمة .. في لبنان) !! ونسوا مصر !!.. هؤلاء سنّوا أسنانهم وتوجهوا بالاتهام لجماعة الاخوان..واستندوا لدليل جنائي خطير يدلّ علي قوة الملاحظة البوليسية لديهم هو أن المتظاهرين صلّوا الظهر والعصروالمغرب في الشارع جماعة وهم يتظاهرون ؟!.

وعلي فرض أن بعض من شاركوا في المظاهرات من الاخوان، برغم أن كل من شاهد المظاهرات وعاش بين المتظاهرين لاحظ أنهم شباب (غير مسيّس) مصري أصيل، كفر بكل الاحزاب والجماعات ويثور علي كل شئ في مصر لأنّه لم يعد لديه ما يخسره.. علي فرض هذا.. أليس هؤلاء الاخوان مواطنون مصريون يأكلون ويشربون ويعملون ويعانون مثل باقي المصريين من الفساد وارتفاع الأسعار وسرقة أصواتهم في الانتخابات ؟

أليست هذه القلّة المندسّة من شباب الحركات الاحتجاجية في 6 أبريل وكفاية

هم شباب مثقف متعلم يعاني من البطالة منذ سنوات وغير قادر علي بناء أسرة بسبب سرقة أولاد الذوات وأصحاب الحظوة والوساطات لجهودهم وتعيين أقلّ منهم كفاءة في المناصب الهامة، ولا يجدون حتي فتات الوظائف لخزي العين والقول أنهم يعملون !

أعرف شبابا – أو قل عواجيز شباب – أحدهم وصل الي سن 51 عاما ولديه عروس جاهزة مستعدة للتضحية باي شئ للزواج منه، ولكنه يقول لي أنه "مكسوف" من نفسه أن يذهب لبيت هذه العروس ويطلبها كي يكمل ما تبقي من دينه وعمره، ويقول لهم عندما يسألوه عن وظيفته أنه (عاطل) برغم أن أمّه عرضت عليه السكن في منزلها مع عروسه والانفاق عليهما من معاش الزوج المتوفي وهو معاش ضعيف أصلا ، والمشكلة أنه يريد فقط وظيفة ولو بـ 200 جنيه ولو غير مستقرة ليدخل بيت أبو العروسة وهو لديه ولو قدر من الكرامة ويقول أنه يعمل في شركة كذا أو بنزينة أو حتي مخزن !

وهناك فتاة كانت تقف في مظاهرة التحرير وهي سعيدة للغاية وتقول أنها المرة الأولي التي تخرج فيها في مظاهرة وأنها نجحت في المرور من ثلاثة كمائن من الدقي حتي التحرير وسعيدة أنها تعبّر عن رأيها وتصرخ معبرة عن نفسها لأول مرة .. قالت أنها خريجة كلية التجارة منذ خمس سنوات برغم أنها تخرجت ولا تعلم أي شئ عن (التجارة) بسبب ضعف التعليم وفساده، وأنها لا تجد اي وظيفة وتجلس في البيت ولأول مرة تشعر بذاتها

وهي تخرج وتقف في المظاهرة – أَهِي شُغلانه برضه تشغلها - ولا تريد سوف وظيفة لأن الزواج أصبح أيضا ترفا في ظل هذا النظام !

كل ما افتح التلفزيون أو أقرأ صحيفة أجد مسئولا كبيرا أو صغيرا يردد نفس الاسطوانة المشروخة أن الاخوان وهذه القلة المندسّة من شباب الحركات الاحتجاجية - غير الشرعية كما يسمونها – اندسوا بين المتظاهرين وقاموا بعمليات تخريب وأن باقي الشباب المصري الواعي كان يهتف (ضد الحكومة والنظام ) بطريقة حضارية (!) .

وكأن هؤلاء الشباب من الحركات الاسلامية أو الناصرية أو اليسارية وغيرهم من غير المنتمين أصلا، ليس لهم الحق في العيش أو الاحتجاج أو التعبير عن وجيعتهم مما تشهده بلادهم من جمود سياسي وأقتصادية، وأن حل مشاكل مصر سيكون بإبعاد هؤلاء من الصورة أو قتلهم أو اعتقالهم والتنكيل بهم !

للأسف هذا هو ما حدث في تونس بالضبط .. سموا كل المتظاهرين إخوانجية، والرئيس بن علي وأعوانه ظلوا يهّونون من أهمية ما يجري ويقولون أن ما يجري مجرد "قوى مندسة" في التظاهرات، والغرب ظل صامتا ويدافع عن "بن علي" حتي اخر رمق لأنه المدافع الاول عن مصالحهم في تونس والمنطقة والمعادي الأكبر للتيار الإسلامي لدرجة نزع قواته الحجاب عنوة عن رأس التونسيات ! .

لا تدفنوا رؤسكم في الرمال .. اعترفوا علي الأقل أنّ الرسالة وصلت من الشباب الغاضب، وأن النظام والحكم سوف يغير من نفسه بدلا من الغضب والثورة التي لا يريدها العقلاء في مصر حبا في البلاد وخشية تداعياتها وتضررنا واحتراق البلاد بسبب العناد !

للاسف اشتَمُّ في تصريحات غالبية المسئولين (الذين بدأوا يظهرون بعد قمع مظاهرة السبت في التحرير ) وبعدما اختفوا لفترة، شماته، وعودة لتكرار نفس التصريحات البالية عن اتهام (المحظورة) أو (شباب فاشل) أو (قلة مندسة) وكانهم أنتصروا علي الشعب أو سيقنعون المصريين أن هذه الشماعة كافية لتبرير إطلاق الرصاص علي المتظاهرين (الخونة) !!.

يفعلون هذا بدلا من تعاطفهم مع مشاكل الشباب والاعتراف بها والسعي لحلها، ولكن يبدو أن السلطة المطلقة القابعة علي قلوب الشعب أكثر من نصف قرن، تفسد - كما تعلّمنا في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – إفسادا كاملا ولا يمكن إصلاحه !.