رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

أولمرت أكد صحتها ودحلان متهم:

وثائق "الجزيرة".. مزورة أم مسربة؟

محمد جمال عرفة

الثلاثاء, 25 يناير 2011 08:00
كتب - محمد جمال عرفة:


ما إن كشفت قناة الجزيرة عن امتلاكها 1600 وثيقة لمسار المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية خلال عامي 2008 و2009، حتي اندلعت حرب بين مؤيدي التفاوض ومؤيدي المقاومة، حملت ضمن جوانبها اتهامات لأطراف فلسطينية بتسريب هذه الوثائق، وتلميحات لأطراف أخري عن تزوير بعض هذه الوثائق، خاصة أن السلطة الفلسطينية – وفق مصادر عديدة – مخترقة إسرائيليا ويسهل السيطرة علي أوراقها الرسمية والكتابة عليها كنوع من التزوير بغرض ضرب السلطة بعد وقفها التفاوض مع إسرائيل.

 

ولا يعني هذا أن الوثائق مزورة بالكامل، بحسب الفريق الثاني الذي يدعمه قادة السلطة الفلسطينية في معرض الدفاع عن أنفسهم ، وإنما المقصود هو تزوير بعض الوثائق أو نشر أجزاء منها مشوهة وخلطها بوثائق وخرائط أخري حقيقية، لأن السلطة الفلسطينية اعترفت علي لسان بعض قادتها ضمنا أن بعض الوثائق صحيح بما فيها الخرائط وقالت إنها سبق أن وزعتها علي الأطراف العربية، فيما تحدثت عن وثائق أخري مبتورة أو مخرجة من سياقها ، كما أن ديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق، ايهود أولمرت شكّك في دقّة الوثائق المذكورة إلا أنه لم ينف صحتها كلياً وقال إنها صحيحة.

حيث أكد المستشار الإعلامي لرئيس الوزراء الإسرائيلي السابق، (ينكي غلنتي)، صحّة الوثائق التي نشرتها قناة "الجزيرة" الفضائية، لافتاً إلى أنها تثبت أن السلطة الفلسطينية "شريك حقيقي" للعملية السياسية الثنائية ، وأفاد غلنتي، في مقابلة مع إذاعة الجيش الإسرائيلي، الإثنين (24/1)، أن الوثائق الرسمية تغطي المفاوضات مع السلطة الفلسطينية في الفترة من (ديسمبر) عام 2006 حتى نهاية المفاوضات في عهد الرئيس ايهود أولمرت في (سبتمبر) عام 2008، وأضاف أن "الوثائق تثبت أن الطرف الفلسطيني برغماتي وجاء إلى المفاوضات بنية صافية"، وفق تقديرها.

وقال لتأكيد مصداقيتها : "لا أحد يوثق على نفسه ألف وستمائة وثيقة وتكون نيته في النهاية الخداع، إن السلطة كانت مقتنعة بالحل وترغب بالتوصل إليه"، كما قال، مشيراً في الوقت ذاته إلى أن مسألة عدم التوصّل لاتفاق ثنائي في ظل "التفاهمات المتقدّمة" بين الجانبين، مردّها إلى السلطة الفلسطينية و"أعذار خاصة بها".وأكّد مستشار أولمرت، أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس "شعر بالندم الشديد" بسبب عدم توقيعه على التفاهمات التي أوردتها "الجزيرة" في الوثائق التي عرضتها الليلة الماضية، وفق تأكيده.

بل أن وزير الخارجية الإسرائيلي المتطرف ، أفيجدور ليبرمان، ألمح لصحة هذه الوثائق عندما قال معلقا عليها : "إن الوثائق الرسمية التي عرضتها قناة "الجزيرة" الفضائية حول سير المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية خلال العشرة أعوام الماضية، إنما تدلّل على "فشل" المفاوض الإسرائيلي في التوصّل إلى اتفاق ثنائي في ظل "التنازلات السخيّة" المطروحة عليه " ، ونقلت الإذاعة العبرية، الإثنين (24/1)، عن ليبرمان قوله: "إن هذه الوثائق تدلّ على أن حكومة ايهود أولمرت لم تفلح في التوصل إلى اتفاق مع الفلسطينيين رغم التنازلات السخية" !

لماذا مزورة ؟!

يبدو من تبريرات السلطة الفلسطينية التي جاءت علي لسان ياسر عبد ربه لنشر هذه الوثائق أنها حاولت الايحاء أن هذه الوثائق مزورة أو علي أقل تقدير مجتزأة وليست كاملة ، وبعضها ليس جديدا ، أما الهدف الذي سعت من أجله السلطة لتعضيد هذا المنحي فهو اتهام من سربوا التسريبات أنهم يساندون هدف اسرائيل في ضرب السلطة الفلسطينية وتحجيمها بعدما رفضت استمرار المفاوضات قبل وقف الاستيطان ، وعرقلت استمرار التفاوض مع اسرائيل .

فالرئيس عباس ألمح لهذا عندما تحدث عن خلط وثائق الجزيرة بين ما هو فلسطيني وما هو إسرائيلي ، مؤكدا أن المقصود هو الخلط... لأنهم يعرضون شيئا يقال إنه

فلسطيني وهو إسرائيلي " ، وقال إن نشر وثائق الجزيرة "مقصود" ويهدف لخلط الأمور بين المقترحات الفلسطينية والإسرائيلية " وهذا عيب" ، مؤكدا أنه "ليس لدينا سر نخفيه ، وكل ما نتفاوض عليه أو يعرض علينا أو نعرضه من مقترحات نقدمه بالتفصيل للدول العربية مشفوعا بالوثائق ، والعرب جميعا يعرفون ذلك".

وتولي ياسر عبد ربه أمين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ياسر عبد ربه الترويج لمقولة إن من يقف وراء هذه الوثائق (المزورة) هو دولة "قطر" عبر قناة الجزيرة ضد السلطة الفلسطينية في محاولة لتشويه صورتها أمام الرأي العام، بدعوي تزامن نشر هذه الوثائق مع حملة إسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية تهدف لتدميرها والقول إن الرئيس محمود عباس ليس شريكا وإن السلطة تمادت بسياستها وهناك من يبشر مثل وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان بأن السلطة مقبلة على الانهيار "، بحسب قوله .

وسعي عبد ربه للإيحاء أن الخطوات التي اتخذتها السلطة أخيرا هي السبب وراء استهدافها والهجوم عليها، مشيرا إلى أن إسرائيل تتوعد السلطة بسبب رفضها العودة للمفاوضات في ظل الاستيطان من جهة ، وسعيها لإدخال المجتمع الدولي وكذلك أوروبا وأمريكا اللاتينية وحتى ممثلي الجاليات اليهودية في العالم والرأي العام الإسرائيلي كأطراف فاعلة في القضية الفلسطينية من جهة أخري ، وقال إن قناة الجزيرة لا يمكنها أن تشن مثل هذه الحملة لتشويه سمعة السلطة الفلسطينية دون ضوء أخضر من القيادة السياسية في قطر، التي قال إن لها علاقة مع إسرائيل .

بل أن عبد ربه قال إن حملة الجزيرة تذكر بحملة مماثلة على الرئيس الراحل ياسر عرفات قبل كامب ديفيد وبعدها وحتى استشهاده بهدف التشكيك بوطنيته وبمواقفه وإيصاله لأقصى درجات الضعف كي ينهار أمام الضربات الإسرائيلية، مشيرا إلى أنها تفعل الشيء نفسه الآن مع الرئيس عباس !. ولكن عبد ربه لم ينكر صحة الوثائق ، وأشار إلي أن الجزيرة قامت بـ "اقتطاع مواقف خارج سياقها وخارج زمنها، وأخذ أقوالا رويت على سبيل السخرية أو على سبيل التحدي واعتبارها مواقف رسمية فلسطينية، فضلا عن اقتطاع مواقف إسرائيلية ونسبتها للجانب الفلسطيني" وأشار إلى أن ما تفعله الجزيرة اليوم هو محاولة لتشويه سمعة القيادة الفلسطينية .

وبرغم أن عبد ربه لم يتهم إسرائيل بفبركة هذه الوثائق واقتصر هجومه علي قطر وعلاقتها بإسرائيل ، فهو كان يشير ضمنا لأمر يصعب أن يبوح به ، وهو احتمالات أن تكون بعض هذه الوثائق مفبركة إسرائيليا علي أوراق للسلطة الفلسطينية بهدف ضرب هذه السلطة وإضعافها وتعريضها لهجوم شرس من العرب ، بعدما قال كبار السياسيين الفلسطينيين إنها "فضيحة مدوية" للسلطة في رام الله، وحركة "فتح"، و"كارثة وطنية بكل المقاييس".

لماذا مسربة؟!

ولأنه لا يوجد دليل قوي علي أن الوثائق مزورة والأمر يقتصر علي التشكيك في بعضها او الحديث عن خلطها مع وثائق اسرائيلية ، كما أن حكومة اولمرت صاحبة الشأن اعترفت بصحتها وأشادت بجدية السلطة وقتها ، كما اعتبرها ليبرمان فرصة وتنازلات سخية كان يجب اغتنامها من قبل أولمرت ، فقد

بات الخيار الأرجح هو أنها صحيحة ولكنها مسربة ، ليصبح السؤال هو من سربها ؟ هل هي اسرائيل لأهداف تعود عليها أيضا بنفس الهدف وهو ضرب مصداقية السلطة الفلسطينية ووضعها في مأزق برغم أن هذا يمكن أن يضيع عليها فرصة استئناف التفاوض والمضي في هذه الصفقة المربحة لها ، أم طرف آخر فلسطيني أو عربي أو حتي الإدارة الأمريكية نفسها ضمن سيناريو الفوضي الخلاقة خاصة أنها متهمة أيضا بتسريب وثائق ويكيليكس لأهداف ومصالح أمريكية عليا لا ندركها كلها حاليا !؟.

هنا يكون من المهم دراسة إمكانية وجود تسريب فلسطيني داخلي أيضا ، وهو احتمال رجحته صحيفة (معاريف) الاسرائيلية ، التي رجحت أن يكون القيادي الأمني السابق في حركة "فتح" محمد دحلان هو من سرّب الوثائق الرسمية التي نشرتها قناة "الجزيرة" الفضائية، الليلة الماضية، والتي تُظهر حجم "التنازلات" التي قدمتها السلطة للجانب الإسرائيلي في المفاوضات خلال العشرة أعوام الماضية بهدف الانتقام من حكومة الرئيس أبو مازن التي توجد بينه وبينها خلافات شديدة وقدمته للتحقيق في وقائع إختلاسات وحجمت دوره منذ سقوط غزة في يد حماس.

فالخصومة التي تجمع رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس بدحلان، تدفع بالشكوك نحو دحلان بأنه من قام بتسريب الوثائق الرسمية إلى قناة "الجزيرة" للمساس بالقيادة الفلسطينية، لأن حجم الوثائق الحالية والمعلومات المحدثة فيها ضخمة ولا يمكن خروجها إلا بواسطة قيادي متنفذ ، ولا تقدر حتي حركة حماس علي هذا لبعدها عن هذا الملف ، ودحلان أو أحد رجاله يكون هو المرجح قيامه بذلك بالتالي من أجل المساس بقيادة السلطة ورئيسها .

ويعضد من هذا الاحتمال أن رئيس السلطة (رئيس حركة فتح) محمود عباس شكّل لجنة تحقيق مع محمد دحلان، وجرّده من بعض مناصبه، إثر قيام الأخير بالتحريض على عباس، وقيامه بتسليح عناصره، الأمر الذي أثار مخاوف قيامه بانقلاب على عباس، وهو ما جعل الأخير يقدم على إدخال بعض التعديلات والتنقلات في صفوف الأجهزة الأمنية، كما قام بسحب الحراسات الشخصية عن بيت دحلان، بُررت في حينه أنها جاءت على خلفية انتقادات دحلان لأداء عباس ، كما هدد أنصار محمد دحلان، رئيس جهاز "الأمن الوقائي" السابق في غزة، بالتصعيد ضد رئيس السلطة محمود عباس في حال تمت إدانة دحلان في قضايا "من شأنها أن تشوّه صورته"، في ظل إصرار عباس على لجنة التحقيق .

بل وزعم قياديون في "فتح"، من المقربين لمحمد دحلان، في تصريحات لـوكالة "قدس برس" اللندنية في الثلاثين من (ديسمبر) الماضي: إنهم سيضطرون للدفاع عن "القائد" دحلان بشتى السبل "في ظل ما يتعرّض له من مؤامرة"، ملمحين إلى امتلاكهم وثائق "من شأنها أن تقلب الطاولة رأساً على عقب، لا سيما وأن الأمر يتعلّق بمسئولين كبار في السلطة"، حسب ادعائهم ، وهدد الموالون لدحلان بأنهم "لن يصمتوا حيال الاتهامات التي يتعرض لها"، ملمحين بطريقة غير مباشرة إلى ما كشفه ضابط المخابرات الفلسطيني السابق فهمي شبانة فيما يتعلق برفيق الحسيني والشريط الذي يصوّره وهو في وضع غير أخلاقي مع فتاة، وإعلانه في حينه امتلاك وثائق تدين شخصيات كبيرة في السلطة .

وعندما سئل أبو مازن خلال لقائه مع رؤساء تحرير الصحف المصرية بالقاهرة عما يثار عن خلاف مع النائب محمد دحلان، قال باقتضاب : "توجد اتهامات ضده، وهي ليست شخصية أو سببها الرأي أو الموقف أو التصريح، والأمر عرض على اللجنة المركزية لحركة فتح بأكملها، وهي التي قررت تشكيل لجنة للتحقيق معه، ولا أنوي الخوض أكثر بهذا الموضوع، ولكن أشدد على أن القضية ليست شخصية، والتحقيق مستمر، ومحمد دحلان يسافر ويذهب ويأتي دون قيود، وقد تكون الاتهامات باطلة ولا يوجد أزمة فتحاوية داخلية".

الأطراف ذات الصلة بهذه الوثائق أكدت بالتالي أن الوثائق صحيحة، وشككت فقط ببعض بياناتها أو أنها مبتورة، ما يعزز صحتها ويطرح السؤال بالتالي عمن سربها ولماذا؟ وأيا كان الهدف من التسرب فهو أفاد في كشف حجم التنازلات التي قدمتها السلطة الفلسطينية حتي في الحرم القدسي ذاته، ومع هذا رفضتها اسرائيل (!)، ما يطرح تساؤلات حول مصداقية السلطة والبديل أمامها ، وهو سؤال أجاب عنه ضمنا الرئيس عباس عندما قال في لقائه مع رؤساء تحرير الصحف المصرية (عقب كشف وثائق الجزيرة) إنه سيعلن في سبتمبر المقبل عن "قرار لم يخطر علي بال أحد"، فهل هذا القرار هو اعتزاله أم حل السلطة الفلسطينية الذي بات ضروريا!.