رئيس الحزب

ورئيس مجلس الإدارة

بهاء الدين أبو شقة

رئيس التحرير

وجدي زين الدين

النكسة وثقافة التحرير

محمد ثروت

الخميس, 22 سبتمبر 2011 09:54
بقلم : محمد ثروت

استغرقت الثورة 18 يوما حتى تنحى الرئيس السابق حسني مبارك، ولكني أعتقد أن الشعب المصري في حاجة إلى سنوات طويلة، الله أعلم بها، كي يتخلص من ثقافة ميدان التحرير التي طغت على عقلية المصريين.

ثقافة ميدان التحرير قامت على أن الفساد في مصر سببه "الوحيد" هو نظام مبارك والحزب الوطني الديمقراطي المنحل قبل 11 فبراير، وبعد هذا التاريخ اتجهت الاتهامات بالفساد إلى الفلول والثورة المضادة، وهذا جزء ضئيل من الحقيقة، ولكن الحقيقة الكاملة أوسع بكثير من هذا التصور القاصر.

ثقافة التحرير قامت على "أخذ الحق بالدراع والاعتصام والاضراب"، ولكن إذا كانت تلك الوسيلة قد نجحت في إسقاط مبارك ونظامه، وفي تحقيق بعض المطالب، فإنها لن تنجح في إقامة الدولة.

لا ينكر عاقل في مصر فساد النظام البائد، ولكن "عفوا" فإنه لم يكن السبب الوحيد للفساد، نحن شعب استحل الفساد، واستحل "الفهلوة"، واستحل الخداع، إلا قليلا من الناس لا يزالون في رباط يخشون ربهم الأعلى، ويحرصون على "اللقمة الحلال"، ويرفضون النفاق والرقص على كل الموائد، وبفضل الله تعالى وإخلاص هؤلاء ستظل مصر آمنة إلى يوم الدين.

منذ يومين تقريبا، تبادلت حوارا قصيرا مع سائق تاكسي شاب، فوجئت أن وظيفته

الأصلية محامي، خريج حقوق منذ 4 سنوات تقريبا، يعمل سائقا بالنهار، ومحاميا بالليل، يعني بالبلدي كده "شقيان علشان لقمة العيش الحلال"، هذا هو المثال الصالح لمن يريد أن يكرمه الله تعالى في دنياه وآخرته، كان من الممكن أن يكون بلطجيا أو سارقا، أو ينضم لطابور المعتصمين ليلا ونهارا، بفضل ثقافة التحرير، ولكن لأنه يقدس العمل فإنك لن تجده لا في التحرير ولا في طلعت حرب ولا في مليونيات "الجمعة اليتيمة".

خلال الثورة، أجرت الإعلامية منى الشاذلي لقاءات من داخل ميدان التحرير، استفزني جدا مقابلة مع مواطن يصرخ في الميكروفون: أنا مش لاقي أجيب كيلو لحمة، سألته المذيعة: انت بتشتغل إيه، رد عليها: باشتغل في بنزينة ويوميتي 60 جنيه.

يعني المواطن "الغلبان" ده دخله الشهري يقترب من 2000 جنيه، ولا يستطيع شراء كيلو لحمة!! طيب أقسم بالله العظيم أن كاتب هذه السطور، وهو خريج كلية الإعلام جامعة القاهرة، عندما دخل الوفد في نهاية عام 1999 كانت أول مكافأة حصل عليها 110 جنيها في

يناير 2000، وظل على هذا الحال لمدة 3 سنوات تقريبا حتى التعيين، وحتى شهور قليلة كان مرتبي من الوفد بعد 11 سنة صحافة أقل مما يتقاضاه عامل البنزينة، والحمد لله "عايش كويس" و"شغال ليل ونهار بالحلال"، ولا أكتفي بوظيفتي الأساسية فقط من أجل تجنب الحرام، وأقع في أزمات مالية مثل بقية البشر، ولكن يكفيني أنني عايش بالحلال والحمد لله على تلك النعمة الغالية.

عفوا عزيزي القارئ إذا كنت قد أقحمت تجربتي الشخصية في المقال، ولكن ما يحدث الآن في مصر لا يرضي أحدا. لا أستطيع أن أحصي عدد الاضرابات والاعتصامات التي شهدتها مصر منذ الثورة حتى وقتنا هذا. معلمين وأطباء ومهندسين ونقل عام وضرائب و....، كل هؤلاء يريدون زيادة رواتبهم وتحسين أوضاعهم المعيشية بين عشية وضحاها.

من حق كل مواطن أن يحصل على فرصة عمل مناسبة وحياة كريمة، ولكن يجب أن يعلم أولا أن الاجتهاد هو الأصل، وأن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة، وأن الاعتصام والاضراب ليس هو الحل كما يصوره بعض المنتفعين وذوي المآرب الأخرى. من حق المصريين أن يطلبوا العدل وأن يكون هناك حد أدنى وأقصى للأجور في الحكومة، وسيكون كاتب تلك السطور طبعا من المستفيدين، ولكن يجب أن تكون ثقافة العمل هي السائدة، وإلا فإن ثقافة "تنابلة السلطان" هي التي ستكون الغالبة علينا.

وأختم بآية من القرآن الكريم أدعو الجميع لتدبر معناها، بسم الله الرحمن الرحيم "ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" صدق الله العظيم.