مصالحة أم مؤالفة؟

محمد ثابت توفيق

الخميس, 03 نوفمبر 2011 10:13
بقلم: محمد ثابت توفيق

داويت متئداً وداووا طفرة >>   وأخف من بعض الدواء الداء              
هكذا وصف أمير الشعراء، رحمة الله عليه، موقف الرسول العظيم، صلى الله عليه وسلم، في معاملة أمراض قلوب البشر، ووحشي أفعالهم، او على الأقل المتناقضات الرهيبة التي تبدو من فرجات تصرفاتهم الواسعة، وجاء البيت في سياق القصيدة الرائعة ولد الهدي

تذكرت بيت الشعر وما يليه حينما قرأت خبراً مفاده: إن المشايخ العظام: محمد حسان، والمستشار الإعلامي للشيخ الشعراوي، رحمة الله عليه، ومسئول كبير بالإخوان المسلمين، وآخر بالجماعة الإسلامية، والدكتور محمد عمارة من قبل، الجميع يضغطون على طرفي معادلة الخصومة الأشهر اليوم إسلامياً، على الأقل في مصر، ما بين المفتي الشيخ علي جمعة، والشيخ أبو إسحاق الحويني، احد أئمة السلفيين الراهنين، وهي الخصومة التي يعرفها القاصي والداني، إذ إن الطرفين تركا مآسي مصر العظيمة اليوم، والقتل وإراقة الدماء في السجون وأكمنة الشرطة، وكذلك المجلس العسكري وما ينويه من بقاء أو بقاء أطول، وأيضاً حال المسلمين في عدد كبير من دول العالم، وإهراق الدماء اليومي في سوريا الأسد، واستمرار المسلسل في يمن علي عبد الله صالح، والقذف على إخواننا في فلسطين، والمذابح في العراق، ترك الشيخان الجليلان بحق، وأحسبهما كذلك وهي جملة تعبيرية لا إنشائية، تركا كل ذلك بل تركا دماء شهداء المصريين الطاهرة الزكية تسيل على تراب الوطن في ثورة 25 من يناير المباركة، وما تلاها من أحداث معروفة للقاصي والداني وما أكثر الابرياء الذين ذهبوا فيها، ترك الشيخان كل هذا وراحا يحشدان ويجمعان الأنصار، كل على حدة في معركة بالغة الضراوة، لأن الثاني، الشيخ الحويني، سب الأول وقال عنه إنه ولد ميتاً كمفت، فما كان من الأول إلا أن رفع قضية سب وقذف على الثاني، فما كان من الأول ولم يكن له أن يصمتن إلا أن حشد عشرات الآلاف من الأنصار، بل حشد المئات من الآلاف أمام محكمة كفر الشيخ حيث كان من المفترض أن تعقد المحاكمة معلناً، عبر هيئة تنسيقية يحركها ولا يبدو بينها، وعبر منصة وخطب ومكبرات صوت مهددين بأنهم سيزحفون على دار الإفتاء لعزل المفتي بالقوة، وللضغط على المجلس العسكري، وإنهم سيجمعون مليار لا مليون توقيع من المسلمين لفعل هذا، وهكذا فقد أقاموا ثورة على طريقتهم لأن شيخهم أهين برفع دعوى قضائية عليه، وتركوا دماء السيد بلال الزكية، وهو شهيد الإسكندرية عقب خالد سعيد تتداولها المحاكم، والرجل، رحمه الله قتله أمن الدولة، وهو منتم للسلفية، ولم يقيموا مثل هذه المنصات أمام المحكمة وقد كانت هناك جلسة قريباً لمحاكمة القتلة لعلها

تأجلت كالعادة، تركوا الدماء التي قال الرسول، صلى الله عليه وسلم، إن زوال الكعبة المشرفة أهون عند الله تعالى من إراقتها بدون سبب، تركوا المآسي الجسام، وتوقفوا لدى كرامة الشيخ الحويني، وقد وقف عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وغيرهما من الصحابة العظام أمام القضاء فلم يستشعروا الحرج. مجرد الحرج ولم يستكبروا على المسآلة بل رحبوا بها.                       
أما الطرف الآخر فقد حشد الصوفيين وعلماء الأزهر، ما استطاع منهم للدفاع عن نفسه، فهو ليس أقل من أن يفعل ما فعل به، ولم يتوقف للقول بيسر ديننا العظيم، ولا بالعيب الشديد إذ ينبري العلماء الأجلاء الأفاضل بالاتهمات ضد بعدهم البعض، وصدق الشيخ الغزالي، رحمه الله تعالى، إذ قال: الإسلام قضية ناجحة لكن محاميها فاشل، وطلب الشيخ جمعة اعتذاراً لإنهاء الموقف فرفض الطرف الآخر بل جمع الأخطاء الشرعية للأول ليعلنها على الملاء، وكأنها ما كانت أخطاء من قبل التنازع ما بينهما؟                                                                                                                                         
ولأننا لا نتدخل لحل مشاكلنا الجسيمة إلا بعد تتفاقم، وتصبح كرة الثلج بالغة العظمة، فإن المشايخ العظام، بعد أن صارت القضية اشتغالة كبرى، وآسف للفظ فهو الأقرب للوصف الصحيح والأدب والذوق معاً، بعد أن صارت القضية ملهاة للآلاف عن مآسينا العظام، وبعد ان علق المجلس العسكري بالفعل القضية لأجل غير مسمى، فهو قد استنفذ منها ما أراده فعلياً ضمن منظومة الاختراعات المتدفقة لشغل الناس عن مستقبل مصر وثورتها، بعد كل هذا تدخل الشيوخ من مختلف الاتجاهات، مع محبتي وتقديري لهم جميعاً، ولكن وآه مما بعد ولكن ..                                                                                                       
      ألم يكن من الأجدى وقد رحل مبارك الذي كان يقسم علماء الدين لرسميين على ناصيتهم المفتي وشيخ الأزهر، وقد نجحا بجدارة في ذلك فانشالت مصر وانحطت بالثورة وبقيا على صمتيهما بل دعا أحدهما للاستقرار فيما يعني رغبة في بقاء مبارك، في الوقت الذي كان فيه خطيب أوقاف شبه عادي هو الشيخ مظهر شاهين يدوي صوته في ميدان التحرير، ويعتذر منه حينما يتقدم غيره عليه، والشيخان الطيب وجمعة يوشك قطار الثورات العربية أن يتركهما، فلم يعزلا للآن كرموز للنظام القديم، ولم ينجحا في إثبات كونهما ثوريين يحيطان بمفاهيم الإسلام من جميع أرجائها، فما تصريح متناثر للطيب عن حق سوريا في
الحياة وإدانة أخرى للدماء في بلد آخر بالكافي، والرجلان، مع معزتي لعلمائنا يعيشان كما كانا في عهد مبارك التصرف بحذر وبحساب، وكأنما الإسلام المنصبي الرسمي الذي أتى بهما ويسيعيان للإبقاء عليه لما يمثله من منصب دائم أعز عليهما من الإسلام الحقيقي المحيط لجميع جوانب الحياة المنادي للتحرر في إعمار الأرض وبأن يذهب الجناة للجحيم، كأن هذا الإسلام ليس تصريحاً يصدر كل عدة شهور وفتوى بإجازة بناء دار عبادة أو عدم إجازة دون نظر لأهمية ذلك ومكانه الصحيح. ألم يكن جديراً بهما أن يآخذا موقعهما الطبيعي من مصر والأمة؟                                                                                                                              
أما السلفيون فوقفوا من الثورة موقفاً معروفاً واضحاً كانت عشرات الآلوف منهم، على اختلاف مسمياتهم، ضدها تماماً، فمنهم من كان قد استكان تماماً لنظام مبارك، وفيهم من كان يعمل مرشداً لهن ومنهم من كان يحرم الخروج عليه لآخر رمق في النظام، وفي النهاية اللواء العريض هو كونهم لا يريدون التدخل في السياسة، اللهم إلا بعض المخلصين منهم كثرهم الله تعالى، ثم إن الجموع أفاقت بعد نجاح الثورة حين اغتيال ابن لادن بمظاهرة منددة، وفي جمعة 29 من يوليو الشهيرة، وهاهم يفيقون أخرى على وقع الدعوى ضد الشيخ الحويني.                                                                                                            
بقي إن الشيخ الشعراوي ومن قبله الغزالي، ومن بعدهما كل عالم دين إسلامي ناجح، ومن قبل ومن بعد الرسول العظيم، صلى الله عليه وسلم، كل سب وقيل فيه ما قيل ولم يرفع دعوى، ولم يحمر لشخصه وجهه بل تأسى بالآية الكريمة(وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هوناً وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً) أما الشيخ الحويني، أو حجازي كما اسمه الحقيقي فأراد أن يسفر عن عزة للسلفيين في غير مكانها واوانها بل دينها، وللأسف الشديد، ففي واقع مصري حالي ملتهب، وانتظار طال تشوقه من العالمين العربي والإسلامي لعودة دور مصر لمكانته ما كا ينبغي أن يري هؤلاء هذا الخلاف ما بين علماء من الواجب أن يكون همهم الأوحد سلامة البشرية قبل سلامة أوطانه فإن لم يستطيعوا هذا فليصدحوا بكلمة الحق لا أن يقزموها على هذا النحو.                                                               
اليوم صار من الطبيعي أن يستقبل شيخ الازهر المرشد العام للإخوان المسلمين، والشيخ حسان من كبار قادة السلفيين، والرجل صاحب موقف واضح في عدم رؤية الآخيرين للدين بشكل واضح أو بشبه، المهم وفضيلة الإمام الأكبر وكذلك المرشد، بصرحة شديدة لا يضمنان الاستمرار في منصبيهما لماذا لا ينتهزا فرصة هذه المصالحة لتحويلها لموقف تاريخي مصري ورسالة للعالم بإلتئام شمل كل هذه القوى الإسلامية؟ ولا أقول تيارات او اتجاهات فهي في النهاية قراءة للدين الحنيف من وجهة نظر، وليس لدينا في ديننا ما يدعو للفرقة ولا للفرق، وليس لدينا في مصر شيعة ولا غيره، لماذا لا يبدأ علماء الدين بأنفسهم ليحولوا المصالحة لمؤالفة، وكي نبدأ العلاج من المكان الصحيح، ولتكون لنا الإسوة بالرسول، صلى الله عليه وسلم، في التسامح ونشر السلام والجهر بكلمة الحق في نفس الوقت، الذي وصفه شوقي في بيت ولد الهدى بأنه كان يعالج الأمر من أبعاده المختلفة لا من ناحية العرض لا المرض. ولكي لا يكون اجتماع المشايخ من أجل تقبيل الرؤس فقط، وتركها تقطع في أنحاء العالم، وحينها سيصدق عليهم شطر البيت الآخر وأخف من بعض الدواء الداء.